مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

التلقين في الفقه المالكي

تعتبر المدرسة المالكية العراقية من فروع المدرسة المالكية الأم التي كان لها حضور قوي منذ وقت مبكر، وذلك في تناسق وتناغم تامّين، واتصال وتواصل متبادلين مع باقي الفروع مشرقا ومغربا، وقد تميزت مدرسة العراق بميزات عديدة انفردت بها عن أخواتها في المنبت والمشرب، وحفلت بتراث زاخر، وأعلام بارزين كان لهم الأثر البالغ في إنتاج المالكية في الفقه والفروع، بل وفي سائر الفنون المعرفية المختلفة. ويبقى القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي (ت422هـ) من أشهر أعلام المالكية بالعراق، بل وفي كافة أقطابها المختلفة إلى درجة أصبح معها إطلاق لقب «القاضي» لا ينصرف إلا إلى هذا العلم الفذ ـ وقد شاركه فيه ابن القصار ـ الذي أغنى مذهب مالك بما خلفه من مصنفات لا يستغني المنتهي فضلاً عن المبتدئ.

ومن مصنفات القاضي عبد الوهاب التي راجت وحازت القَبول كتابه الموسوم بـ «تلقين المبتدي وتذكرة المنتهي» المشهور بـ«التلقين»، وهو كتاب اختصر فيه كثيراً من عيون مسائل الفقه على مذهب مالك، وبسطها فيه بما يتلاءم والفئة التي استهدفها من خلال وضعه له؛ فالكتاب موجّه في أساسه إلى الناشئة والمبتدئين الذين ليس بمقدورهم الاشتغال بالتفريعات الكثيرة، ولا من شأنهم استيعاب التفصيلات المطولة.
وقد رتّب القاضي عبد الوهاب كتابه على كتب الفقه وأبوابه على ما هو متعارف عليه عند سلفه من الفقهاء، فابتدأه بالمسائل المتعلقة بالأركان الخمسة وما يندرج تحتها، ثم تناول مسائل الجهاد، فالأيمان والنذور، فالضحايا والعقيقة، فالنكاح والطلاق وما يتصل بكل منهما، فالبيوع، فالإجارة، فالحجر والتفليس، فالشفعة والقسمة، فالجنايات والحدود، فالعتق والولاء، فالأقضية والشهادات، فالأحباس والوقوف والصدقات والهبات وما يتصل بذلك، وختمه بمسائل كتاب الوصايا والفرائض والمواريث.

وعرض القاضي مواد كتابه وفق منهج واضح محكم، فيستهل بذكر الحكم العام الذي يخصّ كل فرع من الفروع أهو فرض أم واجب؟ أم سنة أم فضيلة؟ أم مندوب أم مباح؟ أم محرم أم مكروه؟ وقبل خوضه في التفصيلات ينص بدايةً على ما يدخل تحت كل كتاب من مسائل، ثم يعرضها مسألة مسألة بما تنطوي عليه من تفريعات، وما ينطبق عليها من أحكام، وكذلك ما يطرأ عليها من تغييرات حسب الحالات التي يمكن أن تعتريها.

وتبعاً لمقصد الكتاب، فإن المؤلف أسقط ذكر الأدلة وإن كان فعلا قد بناه على ضوئها، كما خلَّصه من الأقوال إلا ما اقتضاه الحال، وطبقاً لذلك أيضا جعل لغته سهلة سلسلة خالية من التعقيد وبعيدة عن الترميز، وتجنب فيه التكرار بالإحالة على السابق أوالتوجيه إلى اللاحق.

ومما يبرز القيمة العلمية لكتاب «التلقين» أن فطاحل العلماء وأعلام الفقهاء في المذهب المالكي خصّوه بمزيد من العناية، فرواه منهم جمٌّ غفير بأسانيدهم إلى مؤلفه؛ كما هو الشأن بالنسبة ليوسف بن مفرّج بن خلف الأموي المعروف بابن شرقولية، وخلف بن محمد بن خلف الغرناطي، وأبي علي الصدفي، وأبي بكر بن العربي المعافري، والإمام أبي عبد الله المازري، كلهم عن مهدي بن يوسف الوراق، عن القاضي عبد الوهاب مؤلِّفه، ورواه القاضي عياض اليحصبي، عن المازري، عن  الوراق عنه. ومن العلماء من شغف بالكتاب وكلف نفسه الانقطاع إليه، كما حبّذ ذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن منتيل الذي حفظه، وقال في شأن ذلك:

سأقطعُ نفسي عن عَلاَئق جمّة  *** وأشغلُ بـ «التلقين» نفسي وبَالِيا
وأجعلُهُ أنسي وشُغلي وهِمّتي ***   وموضعَ سِرِّي والحبيبَ المُناجيا

ومن العلماء من انبرى لشرحه، فممن شرحوه بعد شرح مؤلفه الذي لم يُتمَّه: الإمام المازري؛ شرحه في عشر مجلدات، وقد طبع معظمه في ثمانية أجزاء عن دار الغرب الإسلامي ببيروت، ومحمد بن علي بن جعفر القيسي المعروف بابن الرمامة (567هـ) وسمّى شرحه «التبيين في شرح التلقين»، وإبراهيم بن يخلف بن عبد السلام التنسي المطماطي؛ شرحه في 10 أسفار، وضاع في حصار تلمسان، وأبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم ابن بزيزة التونسي (كان حيا 644هـ)، وشرحه يوجد مخطوطا في خزانة ابن يوسف بمراكش وغيرها، ولم يطبع بعد، وداود بن عمر بن إبراهيم الشاذلي الإسكندري (تـ732أو733هـ)، وعلي بن محمد القَلَصَادي (ت 891 هـ)، ولم يكتف العلماء بشرح الكتاب بل استدركوا عليه ووضعوا عليه تقاييد عدّة، فاستدرك أبو عبد الله ابن المناصف الأزدي (620هـ) ما أغفله القاضي عبد الوهاب في باب السلم، وكمّل أبو العباس أحمد بن عثمان التونسي الملياني (ت 644 هـ) ما فاته أيضا، وله في ذلك تنبيهات خفية وتقدمٌ ونظرٌ لم يكن لغيره، واعتنى الفقيه اللغوي أبو الفضل السجلماسي بفكّ مستغلقاته في كتابه المسمى «تحصيل ثلج اليقين في حل معقدات التلقين»، وهو مطبوع بحاشيته، وغير هؤلاء من الذين وجهوا عنايتهم إلى الكتاب.

أما النقل عنه فمن المكثرين أبو عبد الله المواق (ت897هـ) في كتابه التاج والإكليل، وأبوعبد الله الحطاب (ت 953/954 هـ) في كتابه مواهب الجليل، و الدسوقي (ت1230هـ) في حاشيته.

ومن ثناء العلماء على كتاب التلقين قول ابن خلكان في وفياته: «وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة»، وقال الذهبي في السير: «صنف في المذهب ـ يقصد القاضي عبد الوهاب ـ كتاب التلقين، وهو من أجود المختصرات».

وللكتاب طبعات منها الطبعة التي صدرت عن المكتبة التجارية بمكة المكرمة في جزأين سنة 1415، تحقيق محمد ثالث سعيد الغاني، ونشرة وزارة  الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، وطبعة دار الكتب العلمية سنة 1425هـ، تحقيق محمد بوخبزة التطواني، وبدر العمراني التطواني، وهي الطبعة التي على هامش كتاب تحصيل ثلج اليقين.

إنجاز: د.مصطفى عكلي.

الكتاب التلقين في الفقه المالكي
المؤلف القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي (422هـ)
مصادر ترجمته  ترتيب المدارك (7/220-227)، طبقات الفقهاء للشيرازي (168-169)، تاريخ بغداد (12/292)
الثناء على المؤلف قال ابن خلكان: وهو مع صغر حجمه من خيار الكتب وأكثرها فائدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق