وحدة الإحياءدراسات عامة

التربية على القيم في مناهج التعليم وأثرها في التنمية.. مقاربة معرفية منهجية

يشكل موضوع القيم مجالا خصبا وحساسا للبحث في وقتنا الراهن، فهو مجال خصب باعتبار مركزيته في بناء شخصية الفرد ومن القيم السائدة لدى الأفراد يتشكل الضمير الجمعي لأمة فإذا صلحت القيم صلح الجسد كله وفي فسادها فساده.

وهو موضوع حساس في وقتنا الحاضر اعتبارا لمركزيته في اهتمامات المدارس والمؤسسات والدول، حيث انتبه العالم إلى أن المنظومة الفكرية المبنية على قيم وقناعات محددة تشكل عاملا حاسما في التعامل مع القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد تؤدي إلى توافق كما قد تؤدي إلى صدام الحضارات.

ومعلوم أن الإسلام باعتباره دينا وثقافة، يحمل منظومة متكاملة من القيم ذات أبعاد إنسانية وكونية تنطلق من رؤية فلسفية للكون والحياة والمصير، وتصاغ في الواقع نظريات وأفكارا ممتزجة بخبرات الناس وأساليبهم في تنزيلها إلى أرض الواقع، وتصاغ في شكل مسلكيات أخلاقية تحكم تربية الأجيال من أجل استمرارها وتفاعلها وتطورها واتساع تمثل الناس لها، ويتم التركيز في كل ذلك على الشباب وتكوينهم وتنمية كفاءاتهم وقدراتهم باعتبارهم حملة التغيير والتطوير، والمدخل إلى كل ذلك بناء برامج ومناهج التعليم.

فكيف يمكننا بناء تصور دقيق لفلسفة القيم في التصور الإسلامي؟ وكيف يمكننا أن ننتقل بالشباب من التعرف على القيم في المراحل الأولى من التعليم، إلى مرحلة الوعي بقيمة القيم ودورها في توجيه المعرفة في مسار التكوين والبحث في التعليم العالي؟ وكيف يمكننا أن نرصد آثار ذلك في مسار التنمية و تأهيل الموارد البشرية للمستقبل؟

تلكم أهم المحاور التي سنقاربها في هذا البحث بحول الله وفق التصميم التالي:

أولا: المعرفة في سلم القيم

من حكمة الخالق البالغة أن بدأ رسالة الإسلام باختبار القيم في سلوك أول جيل من أجيال البشرية (ابني آدم) قال تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ ابني ـادم بالحق إذ قرّبا قربانا فتقبّل من اَحدهما ولم يتقبّل من الاَخر، قال لأقتلنّك، قال إنما يتقبل الله من المتقين. لئن بسطت إلي يديك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين﴾ (المائدة: 29-30).

ولم تكن القرابين التي قدمها الأخوان إلا نتيجة المعرفة المكتسبة لكل واحد منهما، والتي ارتبطت عند الثاني بالقيم حين قال: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾؛ قالتقوى عاصمة من تحويل الخبرة الناتجة عن العلم والمعرفة إلى سلطة شر، وانفصلت عن القيم عند الأول الذي قال لأخيه (لأقتلنك) معتبرا أن الخبرة المعرفية كافية لقبول العمل دون اعتبار قيمة التقوى والخوف من الله، وقد طبع النموذجان مسيرة البشرية إلى قيام الساعة.

 ولذلك لم تفتأ الرسالات السماوية تعمل على ترسيخ النموذج الذي يربط المعرفة بالقيم عن طريق التربية، وتحذر من النموذج الذي يفصل بينهما لما له من آثار سلبية في الحال والمآل، ولذلك ختمت هذه الرسالات، برسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، التي كانت أول آية نزلت فيها قوله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ (العلق: 1) وهذا الربط في الرسالة الخاتمة بين القراءة واسم الله  (الرب) الذي يرتبط في بعد الاصطلاحي بالتربية، يجعل الإسلام لا يقر بفائدة أي علم منفلت عن القيم.

ومن هنا ارتبطت العلوم بشتى فنونها، كإنتاج للمعرفة في المنظور الإسلامي بالقيم، وتكون فائدتها في تدبير شؤون الحياة أكثر حين تتجاوز منطق السيطرة على الكون وإخضاعه لسلطة الإنسان، إلى العلم بالخالق وخشيته، وبذلك تضع نتائج المعرفة الباحث (الإنسان) على سكة الترقي نحو القيم المطلقة من الإسلام إلى الإيمان ثم الإحسان.

ويتأسس على ذلك أن غايات العلوم حين تقف عند حدود سيطرة الإنسان على الكون بمعزل عن القيم، فإن هذه السلطة تتحول إلى توهم السيطرة، وهذا يؤدي إلى الوقوع في الفساد بالمفهوم القرآني قال تعالى: ﴿إن فرعون علا في الاَرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾ (القصص: 3)، وقال أيضا: ﴿حتى إذا أخذت الاَرض زخرفها وازّيَّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا اَو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالاَمس﴾ (يونس: 24)، وقد تجلى توهم السيطرة في عقلية قارون حين قال مزهوا بممتلكاته: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ (القصص: 78)، فكان التعقيب الإلهي صارما إذ قال جل وعلا: ﴿فخسفنا به وبداره الاَرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين﴾ (القصص: 81).

فالعلم الذي اكتسبه قارون ضخم أنانيته فتوهم القدرة والسيطرة، فتحول العلم في هذه الحالة من مدرج مفتوح للترقي نحو القيم المطلقة، وانحبس في كنف المادة مما ينافي طبيعة العلم ذاته، والمادة وسيلة للعلم وليست غايته ومقصده، ومن طبيعة العلم الانطلاق نحو السباحة في الملكوت، وهو يتجاوز الإنسان إلى سائر ملكوت الله، ولا يملك الإنسان من العلم المطلق إلا مقدار الماء العالق بالمخيط إذا أدخل البحر.

والخلاصة أن العلم وسيلة لتدبير شؤون الحياة، وهو في الآن اللازم وسيلة لمعرفة الخالق والترابط بين الوسيلتين يجعل العلم في خدمة الإنسان، والانفصال بينهما يؤدي إلى انتكاسات تغرق البشرية في حمآت من الكوارث، والنماذج تترى في مسيرة البشرية على مر التاريخ، ويكفي أن نذكر في عصرنا الحديث باستخدام نتائج البحث العلمي في إنتاج أسلحة الدمار الشامل وإلقائها على الأبرياء في (هيروشيما، ونكازاكي، وفلسطين، والعراق، والشيشان، وأفغانستان وغيرها من بؤر التوتر في العالم)، ولا يزال العالم يتوقع أمثال هذه الممارسات في وقت تزداد الهوة اتساعا بين المعرفة والقيم ولا يقام وزن للأخلاق والتربية، بل ويعتبر البعض كل ذلك معيقا لحرية المعرفة، في حين نرى أن حصر مقاصد المعرفة في تلبية غريزة السيطرة لدى الإنسان تعتبر أكبر معيق في وجه تطورها وانطلاقها.

فعلم الرياضيات، مثلا، ينطلق في فضاء أوسع حين لا يقف عند ضبط المعادلات المنطقية والهندسية لخدمة التدبير والتسيير والاقتصاد، وعلم الذرة وتكنولوجيا الاتصال وغير ذلك، إلى اعتباره وسيلة لمعرفة سنن الله في خلق الكون وتسييره بالتوقيت الدقيق والميزان الحقيق قال تعالى: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ (الرحمن: 5)، والفصل بين المقصدين الأدنى والأسمى إجحاف في حق هذا العلم وحد من المدى الواسع له وفي ذلك حجب للعقل وتضييق عليه.

والغاية من علم اللغة كعلم من العلوم الإنسانية، التواصل والتعارف بين الشعوب وهو وسيط لتبادل الخبرات والتجارب في تسيير وتدبير شؤون الحياة، وهو، في نفس الآن، وسيلة لإدراك حكمة الخالق في تنوع خلقه واختلاف ألسنتهم وألوانهم قال تعالى: ﴿ومن ـاياته خلق السموات والاَرض اختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (الروم: 21)، وإدراك سر عظمة الخالق سبحانه وتعالى في تعليم آدم الأسماء كلها تكريما له على سائر المخلوقات، وأمر أفضل المخلوقات بعده بالسجود له اعترافا وتقديرا وليس عبادة وتبجيلا، وقل مثل ذلك في سائر العلوم.

ومما يتفرع عن هذه النظرة من نتائج أن كل علم من علوم تدبير الحياة بما فيها ما يصطلح عليه بـ”علوم الشريعة الإسلامية”، ترتقى درجته ويرتب في سلم الأوليات بالنسبة لحاجة البشرية بقدر ما يسهم في تيسير سبل الحياة، ويسعى في نفس الآن إلى الترقي في سلم القيم المطلقة في رحلة العودة من الأرض إلى الجنة التي أخرج منها، وتلك رسالة التربية ودورها  العظيم.

ثانيا: الإطار الفلسفي للتربية على القيم الإسلامية: (رؤية وتأملات جديدة في علاقة المعرفة بالقيم من منظور إسلامي)

حين ينظر المربي والمدرس بعين فاحصة إلى القرآن الكريم وإلى سنة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم،  يجد فيها من الجزئيات والتفاصيل ما إن جمعه وتصنيفه ودراسته في ضوء النظريات التربوية الحديثة ليشكل توجهات نفسية واجتماعية وتربوية ومعرفية جامعة تستهدف تكوين شخصية الإنسان من لحظة الفطرة التي فطره الله عليها إلى لحظات تشكل أعقد المفاهيم والتصورات وتكون الاتجاهات والميولات لديه، ومن تم الاعتقادات والجوازم بفعل مروره بخبرات متعددة ومتنوعة ومتغيرة خلال مسيرة حياته.

ومعلوم أن النظرية التربوية الإسلامية من حيث أسسها ومبادئها العامة أسهمت بشكل كبير في صياغة نظرة الإنسان إلى نفسه، ومن ثم إلى الكون والحياة والمصير، سواء أكان مسلما مؤمنا بأصول هذه النظرية ومنقادا لأحكام الإسلام بفهم سديد ورأي رشيد، أو مستفيدا من هذه النظرية من باب الاطلاع على التجارب والخبرات المختلفة كما نجد عند كثير من المفكرين والكتاب المهتمين بالتربية المنتمين إلى مختلف المدارس الفكرية وخاصة المنفتحة والمنصفة منها، والتي تقر بأهمية هذه النظرية في بناء الإنسان.

ونجد أنفسنا في هذا المدخل نثير تساؤلا محوريا نتلمس معالم الإجابة عنه في أصول هذه النظرية ومقاصدها، وهو سؤال لم يكن بارزا في كتابات المفكرين المسلمين المشتغلين بالبعد المقاصدي للأحكام الشرعية كمقاصد الصلاة ومقاصد الزكاة وغيرها، ذلكم هو سؤال التربية، وحظ النظرية التربوية الإسلامية من تفكير المشتغلين بالعلوم الإسلامية وبمقاصد التشريع الإسلامي على وجه الخصوص.

وسنجزئ هذا السؤال المحوري إلى أسئلة فرعية تستدعي التأمل والتفكير فنقول:

ـ لماذا شرعت الأحكام وكلف الإنسان بها؟ وهل قصد الشارع من أمره الإتقان في أدائها بمعرفة أحكامها والالتزام بها، أم أن هناك مقصدا أسمى من كل ذلك؟

ـ ما علاقة القيم الإسلامية بالأحكام الشرعية؟ وهل يمكن الاتصاف بالقيم دون الالتزام بالأحكام؟

ـ هل تستهدف التربية الإسلامية تربية النشء على أداء الشرائع والأحكام في بعدها المعرفي والتطبيقي؟ أم أن الشعائر والأحكام ليست إلا وسائل قد تحقق التربية إن قدمت بمنهج يمزج بين المعرفة والوجدان والسلوك،  وقد لا تحققها إن قدمت بالمنهج المعرفي الصرف؟

ـ إذا كانت إعادة التربية هي الوسيلة التي تعيد الإنسان إلى مركز الفلاح (الجنة) الذي تبوأه قبل هبوط آدم من الجنة، فما هي المحطات الأساسية لمسيرة العودة؟ وما دور الأحكام الشرعية فيها؟ وهل دعوة الرسل كانت إلى الأحكام كمقاصد، أم كوسائل للترقي نحو القيم؟ 

 للمساهمة في الجواب عن  هذه الأسئلة نسوق هذه التأملات:

1.  فلسفة إعادة التربية من الاختبار إلى المصير

إن هذه السؤالات وما يمكن أن يتفرع عنها يعيد من جديد سؤال التربية إلى الواجهة وفق سلم يقتضي كثيرا من التفكير والتحليل ثم إعادة البناء بما يمكن أن يعيد تشكيل العقل المسلم ويرتب أولياته ويركز مجهودات الإصلاح على الأهم فالأهم.

وتفسير ذلك أن الإنسان نزل من الجنة لخلل أصاب جهازه التربوي عند الاختبار (مخالفة سلوكية) رغم قوة التكوين المعرفي. قال تعالى: ﴿وعلم ءادم الاَسماء كلها﴾ (البقرة: 30)، وغاية نزوله إلى الأرض إعادة تصفية جهاز القيم عن طريق التربية وغسل درن المخالفة بالهدى قال تعالى: ﴿فإما ياتينّكم مني هدى. فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ (طه: 120-121) ليعود من تفوق في اختبار إعادة التربية إلى مكانه الأصلي الطبيعي (الجنة) وقد صفت قيمه، وتنفي النار درن المخالفة عن المخطئين في تطبيق وصفة العلاج (الأوامر والنواهي الشرعية) كما تنفي الصدأ عن الحديد ليعودوا بعد مغفرة الله ومنه إلى الجنة؛ لأن نظام القيم لدى المخطئ يظل متماسكا وإن أصابه درن مخالفة بعض الأحكام، أما الخاطئ المنكر لها ﴿فليس له اليوم هاهنا حميم. ولا طعام اِلا من غسلين. لا ياكله إلا الخاطئون﴾ (الحاقة: 35-37) خالداً مخلداً مادام نظام القيم قد انهار لديه ولم يعد قابلا للترميم وذلك هو مصداق قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾ (النحل: 108).

وهكذا بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين يملكون أمهر الوسائل وأرقى درجات الحكمة مزودين بتوجيهات وأوامر إلهية تقرب من القيم وتنهي عن سلوكيات ومخالفات تبعد عن القيم.

وقد بعث الله تعالى لكل أمة رسولا وجعل الرسل تترى في الزمان، وختمهم برسالة محمد، صلى الله عليه وسلم حين نضجت وسائط التواصل بين البشر وأصبحت المجموعات البشرية أكثر احتكاكا، وقربا فناب العلماء عن الرسل في القيام بواجب التوجيه والإرشاد.

ولم تكن الشرائع والأحكام إلا وسائل للتربية وليست مقصودة لذاتها، ولذلك علم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس الصلاة وقال: “صلوا كما رأيتموني أصلي[1]” ولكنه قال للمصلين: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا[2]” وأمر الناس بالزكاة وبين لهم أنصبتها ومقاديرها وأوجه صرفها ثم قرأ عليهم قوله تعالى: ﴿خذ من اَموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ (التوبة: 104)، وعلمهم الصيام وفرائضه وسننه ثم قال لهم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع شرابه وطعامه[3]” وقس على ذلك.

والأنبياء والمرسلون يعلمون أن التشريعات والأحكام وسائل ليس إلا، وأن الغاية والمقصد منها أن يرتقي الإنسان بها في سلم القيم، فذاك وحده هو الدليل على نجاح عملية إعادة التربية، ولذلك كانوا يسلكون من الأساليب والوسائل ما يجعل الناس مقبلين على تناول (جرعات) من دواء الصلاة أو  الزكاة بإقبال نفس وراحة ضمير وقبول وطاعة فيؤتي الدواء أكله في إعادة تصفية جهاز القيم، أما إذا كان أمر تطبيق أحكام الشريعة مبنيا على الإكراه والمراقبة الخارجية الصارمة عوض المراقبة الذاتية الناعمة، فإن الدواء لن يؤتي أكله، فيقع الشرخ بين ممارسة الشعائر وجهاز القيم وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن[4].”

وقد يقول قائل: ما دامت الأحكام والتشريعات وسائل للتربية على القيم وليست مقصودة لذاتها أفلا يمكن أن تكون وسائل أخرى قد تكون اجتهادية بشرية محققة لهذا المقصد؟ وهنا يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ما دام الأمر يتعلق بقيم إنسانية عالمية كالعدل والصدق والأمانة والوفاء وغيرها لخوض تجارب إنسانية متعددة قد توجد في الكنفشيوسية أو البوذية أو لدى عباد الأصنام أو الصابئة أو حتى الذين يدينون بديانة الإلحاد ما دام التدين ضرورة بشرية لا يتخلف عنها أي إنسان.

والجواب عن هذا التساؤل واضح من خلال القرآن الكريم فقد اعترف بكل الديانات وفسح المجال أمام الإنسان ليختار معتقده ومسيرته قال تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (الكافرون: 6)؛ وقال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿اَفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين﴾ (يونس: 99)؛ وقال تعالى: ﴿فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29) وبذلك وضع الخالق سبحانه وتعالى الإنسان أمام اختبار الاختيار وذكر القرآن الكريم كثير من الديانات الوضعية وناقشها بقوة العقل وحجة المنطق بين أنها وصفات دواء لا تمكن الإنسان من الترقي نحو القيم المطلقة.

وبناءً على ذلك يمكننا أن نقسم سعي الإنسان نحو الترقي في سلم القيم وتحقيق مكاسبها إلى قسمين:

أ. قسم يسعى إلى ترسيخ القيم وتحقيق مكاسبها في “العاجلة”، فهو ينال حظه ونصيبه منها من غير ظلم ولا بخس قال تعالى: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها، وما له في الاَخرة من نصيب﴾ (الشورى: 18)، فمن ابتغى العدل كقيمة في بعدها الإنساني النسبي نال نتيجة سعيه في الدنيا وما له في الآخرة من نصيب مادام لا يؤمن بها ولا يسعى إليها بمحض اختياره.

ب. وقسم يسعى إلى ما هو أبعد من العاجلة؛ أي ترسيخ القيم وتحقيق مكاسبها في الدنيا والآخرة؛ لأنه يعلم أن الدنيا مزرعة للآخرة فهو يرقى في سلم القيم إلى ما هو أسمى من مكاسبها “العاجلة” وبذلك يكون تمسكه بقيمة العدل مثلا أقوى وأبقى أثرا؛ لأنه يعلم أن الفائدة المادية حاصلة في الدنيا من انتشار العدل، وهو خطوة للفوز والفلاح في الآخرة وهو هدف أسمى لدى المؤمن.

ثم إن الترقي في سلم القيم المطلقة للعودة إلى الجنة لن يكون إلا وفق ما أمر الله تعالى في القرآن الكريم وبين رسوله، صلى الله عليه وسلم، ومن ثم كانت شريعة الإسلام الوسيلة الوحيدة للرقي نحو هذه القيم المطلقة، وباقي الوسائل الاجتهادية الأخرى تقف عند سقف مكاسب القيم في العاجلة. قال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن اَراد الاَخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نُمِد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا﴾ (الاِسراء: 18-20).

وغاية الشريعة الإسلامية أن توضح هذا السبيل ولا تلزم الناس به ولا تنفي باقي السبل فالله تعالى يقول: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم﴾ (هود: 118) وتلك هي عظمة الاختيار في الإسلام؛ لأن صقل القيم بالتربية لا يكون قسرا عبر عرض النموذج الواحد، وإنما يكون بوضع الخيارات المتعددة مع توضيح وبيان انجح الطرق وأفضل الخيارات بقوة العقل والبرهان وللإنسان أن يختار ويتحمل بعد ذلك مسؤولية اختياره.

ونقر هنا أن أي وسيلة وضعية من قوانين وأعراف تستهدف بصدق التربية على القيم الإنسانية الكونية تكون الفئة السالكة لها أقرب إلى الإسلام، وهذا الذي يجعل كثيرا من السالكين العقلاء الباحثين عن الطريق السوي يصلون في نهاية الأمر إلى الوسيلة الأمثل المتمثلة في شريعة الإسلام فيجعلهم ذلك يعيدون النظر في منظومتهم الفكرية والسلوكية ويحولون الاتجاه بعد الاستماع إلى الضمير السليم، والعقل السليم، في لحظات الخلوة بالنفس، أو القراءة الهادئة، أو الدراسة الواعية الفاحصة، أو التجربة الدقيقة الباهرة داخل مختبر فيجد في هذه اللحظات صفاء يقوده إلى الاتجاه الصحيح.

وحين يصل الإنسان بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الالتزام بالأحكام والتشريعات الإسلامية كوسيلة للترقي نحو القيم يصل إلى التزكية، وهي الخطوة الأخيرة في مسيرة العودة إلى مقر الفلاح (الجنة) المقر الأصلي الطبيعي للإنسان ذو القيم الصافية قال تعالى: ﴿قد اَفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ (الشمس: 9-10).

2. مفهوم الأمر والنهي في ضوء فلسفة القيم

إن منظورنا لعلاقة الأحكام بالقيم وهي كما قررنا علاقة السبب بالمقصد تحيلنا إلى تحليل بنية الأحكام الشرعية إلى جزئيات الأوامر والنواهي كما وردت في القرآن الكريم وفي سنة وسيرة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم، والنظر إليها في سلم الترقي نحو القيم.

أما الأوامر الإلهية فهي توجيهات على طريق الارتقاء في سلم القيم، تسدد الخطى وتسرعها بقدر درجة الالتزام بها، فالحريص على الفرائض منها فقط أقل سرعة وحركة من الحريص على الفرائض والنوافل، ومعلوم أن السرعة مطلوبة للوصول إلى المقصد في أقل وقت ممكن ما دام العمر محدودا وساعة كل فرد علمها عند ربي في كتاب، ولا شك أن العاقل سيختار الوسيلة الأسرع.

وفي هذا السياق نفهم قوله تعالى: ﴿لا يستوى القاعدون من المومنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما﴾ (النساء: 94).

أما النواهي فهي لدرء المحرمات والتي تعتبر في سياق الترقي نحو القيم معيقات تضيع على الواقع في شراكها الجهد والوقت، ولذلك سماها الله تعالى بالسبل حين قال في محكم التنزيل: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (الاَنعام: 154)، والدخول إلى السبل الضيقة الصغيرة قد يكون سببا في التأخر في انتظار التوبة والعودة إلى الطريق المستقيم، وقد يكون سببا في الضياع فينتهي الزمن المقدر لحركة الإنسان نحو القيم (العمر) وهو عالق في السبل كسفينة جانحة في الصخور لم تتمكن طواقيم الإغاثة من انتشالها فعلاها الصدأ وتآكلت ألواحها وهوت إلى قاع البحر.

وبما أن الله تعالى رحيم وغفور كتب على نفسه الرحمة، فقد نبه الناس إلى هذه المسارب الضيقة وأمرهم باجتنابها والسير في الطريق المستقيم من أجل الوصول السريع إلى صفاء القيم ومنها إلى النجاة، والمتأمل يرى أن النهي عن المحرمات هو رحمة بالسالكين و إلا كان منطق العدل البشري أن يترك السالك، وهو صاحب العقل والتفكير، يختار ما يشاء ويتحمل مصير اختياره، ولكن العدل الإلهي عدل رحمة وتيسير: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 184)، وهكذا يعتبر النهي عن المحرمات في سلم الترقي نحو القيم ترشيدا لمسيرة الإنسان وليست قضاء على شهوة أو تكليفا بما لا يطاق، فمن نظر إلى المحرمات بهذا المنظور تتجلى له، بلا شك، نعمة الخالق في النهي عنها، وسارعت نفسه إلى اجتنابها؛ لأن المعادلة الواضحة في ذهنه تدعو إلى ضرورة تجنب كل معيقات الوصول إلى القيم في صراع حقيقي مع الزمن المحدود.

3. ميزان الأعمال في ضوء فلسفة القيم

ويتفرع عن هذا التصور وضع ميزان للأعمال الصالحة والطالحة انطلاقا من فلسفة القيم، ذلك أن العبرة في هذا الميزان بنوعية العمل لا بكثرته، ولنوعية العمل دور حاسم في الدلالة على نضج القيم في نفس الإنسان، ولذلك كان الفعل الصغير من الأوامر قوة هائلة دافعة نحو القيم وعلامة بارزة على نضجها في النفس، وكان الفعل الحقير من النواهي علامة كبرى على ضمور القيم في النفس وسببا في السقوط في الهاوية والعودة إلى نقطة الانطلاق مما يعني ضياع كل الجهود السابقة.

ويتضح هذا من التأمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعله يغرف له به حتى أرواه فشكر الله فأدخله الجنة[5]“؛ وأن “امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها ا تأكل من خشاش الأرض[6]“؛ وأن “الرجل يذكر الكلمة لا يرى بها بأسا تهوي به سبعين خريفا في النار[7]“، ومعنى ذلك أن الرجل رجع إلى نقطة الصفر في سلم الترقي نحو القيم وقد يدركه الزمن (العمر) دون أن يتمكن من  الترقي نحو القيم بما يكفي فيظل في الخطيئة فيدخل النار إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى غير ذلك.

ونستنتج من هذا أن الغاية ليست هي العمل ذاته، فالرجل حين سقى الكلب قام بحركة بسيطة، والمرأة ربطت الهرة لسويعات، ولكن كل عمل من العملين دليل على درجة الترقي في سلم القيم، فالرجل الذي سقى الكلب لم يدفعه لذلك، وقد كان لوحده في الصحراء، إلا نضج قيمة الرحمة وقيمة ابتغاء مرضاة الله في نفسه. فدفعه كل ذلك إلى الإحسان فعبد الله كأنه يراه وذلك أرقى صور نضج القيم وسلامتها، وفي المقابل انمحت من نفسه رذائل القسوة والرياء والاحتقار وغير ذلك مما يكون عادة سببا في العزوف عن القيام بالكثير من الأعمال الجليلة القدر البسيطة الشكل فكان أجره عظيما.

وأما سلوك المرأة فدل على ضعف قيمة الرحمة في نفسها وحضور القسوة والجفاء مكان ذلك، وقوة دافعية البخل على قيمة البذل والكرم، والأخطر من كل ذلك أنها لم تستحضر رقابة الخالق سبحانه وتعالى في فعلها فهي لا زالت تعتقد أن لا رقيب يحاسبها على عملها ذلك، وهذا أكبر خلل في منظومة القيم وعلامة خطيرة على انهيارها. فكان جزاؤها من جنس قيمها لا من جنس عملها.

4. من المعرفة إلى العمل: منهج للترقي نحو القيم

إذا كنا قد عرفنا أن نوعية العمل هي العملة الوازنة في ميزان القيم فكيف يتوصل الإنسان إلى اختيار العمل النوعي؟ وكيف يرتب أولويات عمله في ضوء ذلك؟

نتصور أن هذا المنهج ينبني على أربع قضايا كبرى هي: البحث عن المعرفة، طرق اكتسابها ونشرها، انعكاس أثرها تطبيقا في السلوك، مقومات الاستمرار والثبات على هذا السلوك.    

وكل قضية لها وجهان فقد تكون دافعة في اتجاه الترقي نحو القيم  كما قد تكون في الوجه الآخر معيقا ومثبطا.

فأما المعرفة؛ فقد تكون دافعة حين تكون موثوقة المصدر تجمع بين قراءة الوحي وقراءة الكون، معتمدة على كتاب الله وما صح من سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واجتهادات العلماء العاملين المشهود لهم بالورع والتقوى وسعة الاطلاع، ولذلك يطلب من الإنسان أن يبني معرفته عن طريق التحري والسؤال، وهو مسؤول عن المعرفة الصحيحة التي يكتسبها ويترجمها إلى سلوك دافع نحو القيم، وإذا توصل إلى معرفة خاطئة وبنى عليها اختياره يكون كمن ركب حافلة تتوجه إلى غير الاتجاه المقصود، والسبب في الغالب يعود إلى عدم السؤال الكافي، وعدم التحري في دقة الجواب فيضيع الجهد والوقت، وذاك شأن المعرفة المعيقة فكثيرة هي السلوكيات المبنية على أحاديث ضعيفة أو موضوعة أو فهم غير سليم لآي من الذكر الحكيم، أو اعتماد اجتهاد غير معتبر ولا مستند إلى منطق ولا دليل، وهذه السلوكيات تبعد عن المسار الصحيح للقيم..

 ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد[8]” ولا يحدث الإنسان في أمر الدين شيئا إلا من معرفة خاطئة بأصوله وضوابطه، وعليه فالبدعة في هذا السياق هي عبادة الله تعالى عن جهل وهذا هو سياق تفسير الإمام البخاري لقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ (محمد: 20) في ترجمته لكتاب العلم في صحيحه قال: “باب العلم قبل القول والعمل” وتلك هي المعرفة الدافعة نحو القيم.

أما في طرق اكتساب ونشر المعرفة فهي بدورها دافع أو معيق، ونقصد بالطرق: تلك المسلكيات اللفظية والمادية التي يعتمدها العالم والمتعلم في نقل واكتساب المعرفة، فالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن هي أنجح الوسائل التي ترغب الناس في تقبل المعرفة والتوجه نحو الطريق السوي وهم راضون مطمئنون تدفعهم الرغبة في السلوك، وذلك هو منهج القرآن الكريم في حفز الهمم نحو القيم وهذا المنهج دافع إلى الاستمرار والثبات على الطريق ولو كان السالكون قلة؛ لأن الأهم هو قوة إيمان السالكين وليس كثرة عددهم.

ونشير هنا إلى أن المربي، بناء على هذا التصور، لا ينبغي أن يتسرع النتيجة في دفع الناس نحو القيم بما اتفق من الوسائل والطرق، ولا ينبغي أن ييأس حين ينظر إلى قلة السالكين؛ لأن اليأس والتسرع قد يدفعانه إلى الخروج عن الحكمة فيتضخم الضلال والغي في عينيه، فيحكم على الناس من زاوية مظلمة فتحدثه نفسه بأسوأ السبل المنفرة من القيم كالتكفير والعنف والترهيب والطعن في النيات، وهذه أقصر السبل لانهيار سلم القيم في النفوس وإبعاد الناس عن المسار والمسير.

وكثيرا ما رأينا من بعض المربين سلوكيات نفرت الناس من الإسلام ونأت بهم عن طريقه، وكثيرا ما شاهدنا الرجل يقود ابنه أو أخاه أو صديقه إلى أحكام الإسلام قودا بالضرب أو الترهيب والزجر بدافع الغيرة، حتى إذا وضعه على السكة نفر؛ لأن الأحكام في الإسلام دواء، ولا يؤثر الدواء في المريض إن لم يتناوله برغبة وشوق وأمل في الشفاء.

وكثيرا ما شاهدنا بالمقابل إشهار إسلام على الملأ في فرح واحتفال بسبب سلوك بسيط حسن، خلق في نفس المشاهد (غير المؤمن بالإسلام قبل لحظات) رغبة في التطلع تحولت إلى البحث، فالاقتناع فالإيمان فالانخراط في سلم الترقي نحو القيم والأمثلة في هذا كثيرة ومتعددة.

وكثيرا ما كانت تجليات القيم في سلوكيات الناس دافعا إلى الإيمان قبل السؤال عن الأحكام والتشريعات، ولكن كثيرا من الناس يخطئون الوسيلة فيركزون على التشريعات والأحكام وتفاصيلها وجزئياتها مع الغفلة عن تمثل وبيان آثارها في الوجدان والسلوك.

وهذا الانفصام بين المعرفة والسلوك، هو الذي يدفع داعية إلى المناقشة الصاخبة في سنة عملية من سنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، “كالقبض في الصلاة” مثلا، مع المبتدئين والمؤلفة قلوبهم، ويجد لمخالفة هذه السنة النبوية الشريفة أثرا بليغا في نفسه ويضخم خطورتها في ذهن المدعو وتصوره، في حين لا يلقي بالا لتطفيف في المكيال والميزان، أو رمي للقمامة في الشارع وإذاية الجيران بذلك، والحالة أن ضرر المخالفة الثانية أضر على الإسلام والمسلمين من الأولى، وكلاهما ضرر، ومعالجة الثانية أولى من الأولى، وكلاهما يحتاج إلى علاج.

ومثل هذا السلوك هو الذي ضخم الانفصال بين أفعال العبادات، وبين آثارها في السلوك مع النفس والأهل والبيت والجيران والمحيط اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

أما العمل والتطبيق فهو بدوره قوة دافعة للترقي في سلم القيم إن كان صالحا، أو معيق إن كان  طالحا، فأما الصالح فميزانه الاعتدال والوسطية اقتداء بسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتكليف النفس بما تطيق، والمداومة على العمل الصالح والترقي فيه بتدرج، كل ذلك يجعل من العمل قوة دافعة نحو القيم لأننا علمنا مما سبق أن العمل بالأحكام وسيلة وليس غاية.

ومن اعتقد أنها غاية ضخمها أكثر من اللازم فوقع في الغلو والتطرف ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه منبها المغالين ممن زاروا بيته يسألون عن أعماله: “أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له غير أنني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني[9]“، فالعمل من هذا القبيل معيق في طريق الترقي نحو القيم رغم اعتقاد صاحبه بصلاحه.

أما مقومات الاستمرار والثبات على العمل والسلوك فهو الوجدان المتفاعل والمتوازن، فحين تحدثنا عن المعرفة الصحيحة، والطريقة والوسيلة الحكيمة، والعمل الوسطي المعتدل، كنا بذلك نضع أسس المنهاج السليم الذي يضع الإنسان على سكة الترقي نحو القيم، غير أنه يحتاج بالإضافة إلى كل ذلك إلى مقومات الثبات والاستمرار، وهنا بالضبط يحضر الجانب الوجداني والنفسي والعاطفي بما يوفره من شحنات قوية تغذي الدافعية نحو القيم، فكثيرا ما كان الحماس الفياض والعاطفة الجياشة والغيرة الحية دافعا نحو التضحية من أجل المبدأ، شريطة أن تكون مبنية بناء سليما متدرجا وفق المنهج السالف الذكر..

 أما الوجدان والعاطفة المبنية على معرفة خاطئة أو غير موثقة كالقصص والحكايات الموضوعة، أو المركبة بعنف في ذهن صاحبها بوسيلة غير سليمة، أو الناتجة عن عمل هو أقرب إلى الرهبنة المبتدعة أو هي كذلك، وجدان غير مستقر وعاطفة غير سليمة لا تضمن الثبات في المسير؛ لأنها هباء تذروه رياح العقل حين يفكر، والوجدان الصافي حين يتحرك، أما الوجدان والتعاطف المبني على معرفة صحيحة مستقيمة، ووسيلة وطريقة حكيمة، وعمل وسطي، فيؤدي إلى التمازج والاندماج ويصبح قناعة راسخة غير قابلة للتغيير، ولذلك كان أحب الدين إلى الله أدومه وإن قل.

وبهذا تكون تقوية الجانب الوجداني والعاطفي على أسس متينة وقودا لسالكي طريق الحق، ومحفزا للثبات عليه ويكون ضعف هذا الجانب أو بناؤه على أسس غير سليمة، مثبطا ومنفرا يخلق الاضطراب والاغتراب.

ولذلك ندعو المربين إلى تجنب استخدام الصدمات الوجدانية والعاطفية في التربية؛ لأنها تخلق رد فعل ظرفي لا ينبني عليه عمل ولا يضمن ثباتا ولا استقرارا على الطريق، وهنا نفهم كيف يتحول شاب أو شابة في لمح بصر من معاقر للخمرة ومستهلك للمخدرات أو قاطع للطريق، إلى شخص تظهر عليه كل أمارات الصلاح، ثم لا يلبث أن يترك كل ذلك وراءه ظهريا إلى ما هو أفظع وأنكى من السلوكيات التي كان عليها في جاهليته، وعليه نؤكد أن سلوك هذه الطريق المتمثل في (استخدام الصدمات الوجدانية والعاطفية في التربية) من طرف المربي دليل على عجزه واستعجاله.

إن بناء هذه الدعائم الأربعة لمنهج الترقي نحو القيم (المعرفة السليمة، والطريقة الحكيمة، والتمثل العملي الوسطي، والوجدان المحفز) هي صميم المجال النظري والتطبيقي للتربية على القيم الإسلامية، والغايات الكبرى التي تتوخاها سواء في بعدها العام أو في منهاج التعليم على وجه التحديد.

وإذا تم استيعاب هذا الجانب النظري استطعنا أن نتلمس تجلياته التطبيقية في جميع مجالات التنمية؛ لأن التربية على القيم تعد أقوى دافع للإنتاج، وأقوى محفز للإخلاص وحب الخير والمصلحة العامة، ونعرض في ما يلي نماذج وأمثلة من ذلك.

ثالثا: التربية على القيم الإسلامية وأثرها في مجالات التنمية: (قضايا ونماذج)

 ننتقل من الإطار الفلسفي العام للتربية على القيم الإسلامية كما حاولنا بناءه برؤية جديدة، إلى الجانب العملي للتربية على القيم الإسلامية كعامل مؤثر في التنمية المستدامة، أو ما يمكن تسميته بتيسير سبل الحياة، وخدمة الصالح العام وتحقيق مبدأ الاستخلاف، والنجاح في معركة العودة إلى مركز الفلاح عبر تصحيح منظومة القيم الفردية والجماعية.

وهذا يقتضي منا بدأ تحديد مصطلحي لمفهومي “التربية على القيم الإسلامية” و”التنمية”؛ لأن الاختلاف في مفهوم المصطلح يقود إلى الاختلاف الحتمي في النتائج، ثم تحديد ميادين التنمية المعاصرة ودور التربية على القيم الإسلامية فيها من بيئة وتكنولوجيا وتسيير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ثم البحث العلمي والإعلامي وغيره.

1. مفهوم التربية على القيم الإسلامية

يقول الكاتب الإسلامي محمد قطب: “لقد أحسست، بطبيعة الحال، أن في القرءان توجيهات تربوية كثيرة وأن لهذه التوجيهات أثر في النفس، وأن الإنسان حين يتدبرها ويتأثر بها يصبح سلوك معين وشعور معين هو أقرب إلى الصلاح والتقوى، ويصبح الإنسان أكثر شفافية وأكثر إنسانية[10].”

لقد خلق الله في البشر مجموعة من الأحاسيس والطاقات وأنواعا من أساليب التفكير والعمل، ولم يكن ليترك هذه الأحاسيس وهذه الأساليب والطاقات محكومة بهوى النفس؛ لأنه خلق الإنسان لهدف ﴿وما خلقت الجن والاِنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: 56)، فكان لابد أن توجه هذه الطاقات إلى الانسجام التام مع الغرض من الخلق، وفي هذا الصدد ترتبط القيم الإسلامية مع نمط متكامل من التوجيهات التي ترسم الطريق للإنسان وتتلخص في:  

أ‌.   الإيمان أو ما يمكننا أن نسميه تربويا الارتباط بالرقابة الذاتية النابعة من الجانب العقائدي الذي يربط عمل الإنسان بفلسفة الجزاء “الثواب والعقاب “الشيء الذي تعجز عنه القوانين الوضعية لارتباطها بالرقابة الخارجية وتوفر أدلة الإثبات.

ب‌. الربط بين مبدأ التربية ومبدأ الاستخلاف ﴿وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الاَرض﴾ (النور: 53)، ﴿وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الاَرض خليفة﴾ (البقرة: 29). وهذا الربط يشكل جوهر المنظور الحضاري في التصور الإسلامي.

ج‌. التوازن والتكامل بين الجوانب العقلية والمادية والنفسية والروحية ﴿وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الاَخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الاَرض، إن الله لا يحب المفسدين﴾ (القصص: 77).

وبهذا تكون التربية على القيم الإسلامية هي “توجيه طاقات الإنسان الإبداعية إلى تحقيق العبودية لله تعالى والتخلص من عبوديات المكونات المادية التي تعتبر في فلسفة التربية الإسلامية وسيلة لا هدفا”، وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:  “ليس الدين أحكاما جافة وأوامر ميتة، إنه قلب يتحرك بالشوق والرغبة يحمل صاحبه على المسارعة إلى طاعة الله وهو يقول، وعجلت إليك ربي لترضى[11].”

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: “ولما ختم الله كتبه بالقرآن، وختم رسالته بالإسلام، وختم النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، أكد هذه الحقيقة، وأعلن في كتابه “الخلود”: إن الغاية من خلق المكلفين أن يعرفوا الله ربهم ويعبدوه، فهذا سر خلق الجنس الناطق المفكر المريد في هذا العالم[12].”

1. مفهوم التنمية في بعدها الحضاري

من الخطأ أن نعتبر التنمية مجرد عملية اقتصادية فنحصرها في مناصب الشغل مع إغفال مؤشرات التقدم والتخلف المرتبط بالقيم التي تحكم المسار الثقافي والاجتماعي والسياسي.

وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عادل حسين، في مقال له تحت عنوان “التراث ومستقبل التنمية “غني عن البيان أن حديثنا عن التطورات المقبلة خلال عقدين كاملين. هو حديث عن تنمية مركبة تشمل المجتمع كله وتصيب مكوناته كلها (سياسية وثقافية واجتماعية إلى جانب المكون الاقتصادي) بشكل ينبغي أن يكون متكاملا ومنسقا… ويلاحظ في السنوات الأخيرة أن المتحدثين عن التنمية العربية أصبحوا جميعا يتناولونها باعتبارها عملية أوسع من أن تكون مجرد عملية اقتصادية، ولذا يتابعون بتحفظ مؤشرات التقدم في مختلف القطاعات وليس في القطاع الاقتصادي وحده[13]. ومن هنا نقول إن مهمة التربية الإسلامية لا تنفك عن هذا المنظور الشامل للتنمية بحيث لا تنحصر في بناء السلوك الفردي بقدر ما توجه وتربى كل الطاقات الفاعلة في ساحة التنمية سواء في ذلك المهندسون والإعلاميون وتقنيوا الفلاحة وملاحوا الفضاء والبحر وغيرهم.

2. دور التربية على القيم الإسلامية في توجيه حركة التنمية

لقد تركزت الأخلاق الاقتصادية في الغرب على أسس عقلانية نفعية صرفة، فكان الإخلاص في العمل والوفاء بالعهد وعدم الغش وغيرها من مبادئ حسن التصرف والإدارة تأخذ بعين الاعتبار عدم فقدان الزبون، وفي كتاب “ثروة الأمم” يعلن منظر الليبرالية آدم سميت: “إننا لا نعتبر قوتنا منة من القصاب أو الخباز بل إن عملهما يعود بفائدة عليهما، إننا لا نخاطب إنسانيتهما، بل أنانيتهما فلا نكلمهما عن حاجياتنا بل عن مصالحهما[14].”

يدل هذا التحليل على الارتباط الصرف بالمصالح الآنية، وتختلف الوسيلة باختلاف نسبة ما يتحقق من هذه المصالح المادية الظرفية، ولعل هذا ما يفسر طغيان المصالح المركزية للغرب حيث ترتبط التصرفات بفلسفة تربوية تعتمد المذهب النفعي، ويتجلى ذلك بوضوح حينما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والحوار الحضاري والرؤية الجيوسياسية للعالم، فلا تكاد تحضر القيم المتنوعة  لكافة الشعوب في أي مشروع تغييري، ولا تتحد المضامين المصطلحية للثوابت الحضارية (حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، السلم، الحوار…) إلا وفق ما تنسجه مصلحة الغرب ولو على حساب المفهوم الحضاري للإنسانية. وهذا لا ينفك عن الفلسفة التربوية التي ذكرنا.

وإذا رجعنا بذاكرتنا إلى ما سبق وأن قررناه من أن فلسفة التربية على القيم الإسلامية قائمة على الارتباط بالجانب العقائدي الذي يخلق الرقابة الذاتية، وبمبدأ الاستخلاف الذي يأخذ بعين الاعتبار فلسفة الجزاء (ثواب عقاب) كموجه أساسي، وبمبدأ التوازن انسجاما مع مكونات الإنسان، تبين أن أخلاقيات التنمية في المشروع الإسلامي مرتبطة بما هو أبعد من تحقيق المصلحة الذاتية الفردية؛ إذ تعتبر العقيدة ورقابة الله تعالى ومبدأ التقوى بوصلات موجهة لأي فعل اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي فيقاس النفع والضرر بمدى الاستجابة لأمر الله لا بالمصالح الذاتية الفردية والظرفية.

ويصبح مقياس حقوق الله وحقوق المكلفين (كما يقول علماء الأصول) والتعارض بينهما قائم على درء المفاسد وجلب المصالح العامة، هو الموجه المتحكم. وبهذا تكون العقيدة الإسلامية كخلفية للقيم، عنصرا متحركا وليست إيمانا جامدا لا يتجاوز حدود القناعات الخاصة الداخلية غير المؤثرة في السلوك العملي لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل[15].”

وبقراءة بسيطة لبعض نماذج الدعوة في القرءان الكريم نرى كيف وظفت العقيدة الإسلامية، في إصلاح ما فسد من أحوال اقتصادية واجتماعية وسياسية. ومن أمثلة ذلك؛ نبي الله شعيب وإصلاح الفساد الاقتصادي، ودعوة نبي الله لوط إلى إصلاح الفساد الأخلاقي والاجتماعي، ودعوة نبي الله موسى إلى إصلاح الفساد السياسي، وكل من هؤلاء جعل من تثبيت عقيدة التوحيد  مدخلا للإصلاح، وعبر هذه النماذج يظهر بجلاء أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مرتبطة ارتباطا وثيقا بفلسفة التربية السائدة، ويمكننا أن نتلمس الآثار الإيجابية للتربية على القيم الإسلامية في ميادين التنمية المعاصرة من خلال رصد واقعها أولا، ثم معرفة انعكاسات التربية على القيم الإسلامية في مستوياتها العملية. لتطبعها ببصمات الاستمرار الناجح والتخطيط المسؤول. ومن ذلك على سبيل المثال:

أ‌. التربية الإسلامية وتسيير المؤسسات

يحتاج تسيير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قبل القوانين الضابطة، إلى تكوين متين ومستمر يستوعب التغيرات، ويحتاج أيضا إلى من يتصف بأخلاق المهنة والإخلاص لها، ثم هو يحتاج ثالثا إلى تخطيط مستقبلي ورؤية بعيدة.

وتأتي القوانين المنظمة، خاصة الزاجرة منها، لسد الثغرات، وتفويت فرض الاستهتار على المتهاونين، ويحتاج القانون المتعارف عليه إلى جيش من الأطر يسهر على حمايته، ثم إلى مجموعة أخرى تسهر على حمايته ومراقبة حماة القانون؛ لأن المتعارف عليه في زماننا من خلال الواقع المعيش أن بعض أهل القانون هم من أقدر الناس على اختراقه باعتبار الإطلاع الكبير على الحلقات المفرغة ونقط الضعف وصيغ التأويل، وما أوتيت كثير من المؤسسات إلا من قبيل سوء التدبير واختراق القوانين المنظمة نظرا لغياب الضمير المهني من جهة، ثم ضعف الرقابة البشرية من جهة ثانية.

وأمام هذا الوضع لا شك أن تسيير المؤسسات في حاجة إلى رجال يتوفرون إلى جانب ما ذكرنا من تكوين مستمر ومتين على رقابة داخلية مكتسبة من منظومة تربوية إسلامية تربطهم بأهداف أسمى من “الضمير الحي والواجب الإنساني” إلى تحقيق مبدأ خلافة الله في أرضه والإحساس بالمسؤولية أمام أصحاب الحقوق وأمام الله الذي يعتبر رقيبا وحسيبا وشاهدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته[16]“..

 ولن يتم هذا إلا إذا كان التكوين المهني والمعرفي لا تنفصل فيه الجوانب التقنية عن التوجيهات الروحية العقائدية، ولذلك لا نستغرب من كون الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو المعضد بالوحي، قضى ثلاثة عشر سنة في صقل الجانب العقائدي لدى الرجال الذين سيساهمون في بناء أول دولة إسلامية بالمدينة.

 ومن هنا يظهر أن هدف التربية على القيم الإسلامية يتجلى في أمرين اثنين هما: طرح البديل الإسلامي في الواقع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ثم ترسيخ الرقابة الذاتية التي تجعل الشخص المسؤول يرقى بالمسؤولية من التشريف إلى التكليف؛ لأنه يعي جيدا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته[17]“..

 ومن هنا ندرك أن سر قول عمر: “لو عثرت بغلة في العراق لسئل عمر لماذا لم يعبد لها الطريق[18]“، وقال حين حضرته الوفاة: “ما ندمت على شيء ندمي على تولي الخلافة[19]“، وندرك أيضا سبب عزوف أبي حنيفة عن تولي منصب القضاء، غير أنه كان من سننهم أيضا إذا رأوا أنهم أهل لتولي منصب قد يفسده من ليس أهلا له، قالوا مثل ما قال يوسف، عليه السلام، للعزيز ﴿اجعلني على خزائن الاَرض إني حفيظ عليم﴾ (يوسف: 55)… والحفظ يعني الشعور برقابة الله تعالى، والعلم يعني الكفاءة وهما شرطان أساسيان لتسيير المؤسسات، وهذا ما توفره التربية على القيم  الإسلامية.

ب‌.  التربية على القيم الإسلامية واستخدام التكنولوجيا

يشعر الإنسان في العالم المعاصر أنه أسير التكنولوجيا، وأنها سلبته حريته فأصيب بهذيان وارتجاف خوفا من أن تكون عاملا مدمرا للحياة أو على الأقل عامل استعباد للضعفاء وتهديد لمصادر رزقهم وتحكم في خياراتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما حصل بالفعل في عالم النظام الجديد، وقبله أيام الحرب الباردة، وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد عزيز الحبابي رحمه الله: “التكنولوجيا بحد ذاتها هي مصدر للروائع بالنسبة للإنسانية، لكن هذه الأخيرة ليست أبدا سوى وسائل مادية فاترة ذات بعد متساو من الخير والشر على الصعيد الإنساني، إن للتكنولوجيا دورا وهو الدراسة العقلانية للتقنيات، يجب أيضا إقامة انشطار واضح بين الاستعمال الحسن أو الاستعمال السيئ للتقنيات، غير أن ما يميز التكنولوجيا ظاهريا في مرحلتنا الراهنة، هو بداية قسوة تطبيقاتها:أفران حرق الجثث، هيروشيما، التمشيط المنتظم للثائرين “الثوار ضد فرنسا”، رش البلدان بالنابالم في الصبائح الهادئة، الشواهد لا تنقص أبدا، إن المنطق ينكسر في هذه اللعبة، ويتموضع “الأنا” في البداية أو في النهاية، ويصبح الكلام عبر منطق مكسور. وهناك بعض الوقائع التي تسبب الخوف والارتجاف، إنها مراجع مرقمة، مدوية وحادة جارحة بشكل مفارق:

900 مليار دولار تقريبا للتسلح مقابل 35 مليار لمساعدة العالم الثالث، وجزء عيني من هذه المساعدات معطى على شكل سلاح أو يقدم لشراء أسلحة… كيف يمكن لمسلم أن يكون رد فعله على هذا الدجل العالمي[20].”

 وبعد عرض مستفيض لمختلف المواقف المتخذة من التكنولوجيا خلص الدكتور الفاضل إلى فكرة تجسد اهتمامات العالم المعاصر وهو ما يصطلح عليه “بأخلاقيات التكنولوجيا” بما يخدم قيم الإنسانية ويحقق خلافة الله في الأرض وعمارتها مخالفين بذلك منطق السيطرة الذي يؤدي في غالب الأحيان إلى الاستعمال السيئ للتكنولوجيا، يقول الدكتور محمد عزيز الحبابي: “وبالفعل الإسلام والتكنولوجيا سوف يجدان وجه فائدة لكل منهما، فالآلية المنتقدة بسبب تفلتها الجنوني، سوف تأخذ وجها إنسانيا، والإسلام سوف يجد أوبته الجسور التي انتزعها منه التفاوت التاريخي، وسوف يعود الإيمان قوة احتجاج متيقظة، وهكذا فإن زواج العقل والخلاص بين العلم والتكنولوجيا من ناحية والإسلام من ناحية أخرى، تعيد للمجتمع بعده الروحي وسوف نسترجع عندها الصفاء والسكينة الخامدتين منذ أمد طويل[21].”

ج. التربية على القيم الإسلامية وأثرها في مجال الإعلام

يستطيع الإعلام أن يخلق صورة سيئة عن إنسان ما، أو شعب ما، كما أن له قدرة على خلق صورة إيجابية، وإن لم تكن حقيقية عن إنسان آخر أو شعب آخر، وعن طريق سلطة الإعلام ودورها في تكييف الإطار الفكري للإنسان، نخلص إلى أن وسائل الإعلام تلاحق الفرد في العصر الحديث أينما كان، وبغض النظر عن مكونات العقلية المرجعية فإننا نجده مستعدا للتجاوب مع الخبر والصورة بشكل كبير، ويبقى الصدق والكذب وقواعد الإعلام مثل “الخبر مقدس والتعليق حر” تخضع للنسبية المرتبطة بأخطبوط إعلامي موجه لخدمة أهداف معينة، ليست بالضرورة في صالح المستمع، بل لتوجيهه والتأثير عليه..

 وقد أضحى الارتباط متينا بين المؤسسات السياسية والإعلامية، ولم تعد الاستقلالية واردة على الإطلاق، فلا يمكن بأي حال من أن تخرج توجهات محطات الإرسال التلفزيوني في الولايات المتحدة، مثلا، عما تخططه المؤسسة الحاكمة في إطار النظام العالمي الجديد،  وكم كان الإعلام الغربي مقدمة ممهدة لضربات عسكرية موجعة في عدة مناطق من العالم عن طريق استعداء العقلية الغربية باستعمال مصطلحات “الإرهاب”، “التطرف”، “الشرعية الدولية”، “التدخل لحماية حقوق الإنسان”، “إعادة الأمل”؛ فيشعر الشارع الأوروبي إما بالتعاطف مع العمليات العسكرية أو بالخوف على المصالح الذاتية.

ولقد أصبح المسلمون اليوم، بعد فترات الانحطاط، يعتمدون على وسائل الإعلام الأجنبية. في مادتهم الإخبارية التي ترتبط، في كثير من الأحيان، بمركزية الغرب، وفي كثير من الأحيان الأخرى بالمؤسسات الصهيونية التي تعمل عبر شركات دعاية إعلامية ترصد لها الأموال الطائلة لصناعة أبطال مزيفين، وتهميش كل من لا يدور في فلك هذه المؤسسات أو يعمل ضدها.

إننا نجد في الإسلام ضمانات الخبر الصادق واستقلال المؤسسة الإعلامية نظرا لتحملها المسؤولية في تحري الدقة، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (الحجرات: 6)، وقوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول اِلا لديه رقيب عتيد﴾ (ق: 18)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت[22].”

وقد صدر مقال للأستاذ محمد إدريس، من إسلام أباد  في مجلة العالم اللندنية[23] يتحدث فيه عن قوانين الصحافة كما وضعها القرءان الكريم من خلال قصة النبي سليمان، عليه السلام، مع الهدهد في سورة النمل ومن الموازين الصحفية التي ذكرها:

ـ احتواء الخبر على الجديد بالنسبة للسامع، وهذا واضح في قوله تعالى على لسان الهدهد: ﴿أحطت بما لم تحط به﴾ (النمل: 22).

ـ كون الخبر مؤكدا في قوله تعالى: ﴿وجئتك من سبأ بنبإ يقين﴾ (النمل: 22)، فليست الصحافة الإسلامية صحافة تزييف وتزوير.

ـ تحديد الزمان والمكان ووصف الحالة وهذا وارد في ثنايا القصة.

ـ الصحافة الميدانية أرقى صور الإعلام المعاصر وهذا متوفر؛ لأن الهدهد صحافي لم يعتمد تغطية الحدث من مكتبه وإنما زاره ميدانيا ﴿وجئتك من سبأ بنبإ يقين﴾.

ـ تجرد الخبر عن أي مؤثرات، وعدم استجابته لأي ضغوطات، فالهدهد نقل الخبر وانتقد الأخطاء دون أن يخشى ملكة سبأ.

 إن ميدان الإعلام يحتاج إلى تربية وتكوين يضمنان وجود أخلاق المهنة، ويتحرر الإعلام ليصبح أداة ترشيد وتثقيف عوض أداة ضغط وتزييف، وذلك عن طريق تطعيم برامج التدريب بالبعد القيمي سواء في المناهج أو المواد الدراسية؛ لأن الواقع الحالي يتحدث عن ضعف الحس القيمي والأخلاقي عند كثير من معدي البرامج عموما، أو عن خبرة ضعيفة عند معدي البرامج الدينية خصوصا فلا هذا ولا ذاك نريد، إنما نريد إعلاما متطورا منضبطا إلى التوجهات التربوية الإسلامية وأساسيات الإعلام الحر النزيه.

د‌. التربية على القيم الإسلامية وأثرها في حماية البيئة

حينما نتحدث عن البيئة، فإننا نقصد كل ما يحيط بالإنسان مما سخر الله له في الكون من مخلوقات، قال تعالى: ﴿والاَرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ (الحجر: 19-20).

وقد تحدثت كثير من الدراسات عن البيئة وعوامل تلويثها، فتحدثت عن تلوث الماء، وعن تلوث الهواء والتربية والغذاء، والتلوث الضوضائي، وتلوث الطبقات الجوية، واستنزاف الثروات الطبيعية، وأشارت بأصابع الاتهام إلى الإنسان عبر أنشطته الصناعية التي خلفت نفايات خطيرة،  وأنشطته العسكرية التي خلفت دمارا وخرابا للبيئة يبقى مفعوله عبر الحقب والأزمان ومخزون العالم من أسلحة الدمار الشامل يكفي لتدمير الكرة الأرضية بكاملها مرات عديدة.

إن من أساسيات التنمية، الحفاظ على البيئة ومقاومة التلوث، ولن يتم هذا بواسطة قوانين محلية أو دولية يصادق عليها في مؤتمرات من حجم قمة ريوديجانيرو (قمة الأرض) أو كيوتو، وإنما يتم ذلك بواسطة التربية؛ لأن الفرد هو الذي يفسد البيئة ويلوثها قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت اَيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ (الروم: 40).

إن غياب هذا الحس التربوي الإنساني هو الذي يجعل الغرب يصدر نفاياته إلى بلدان العالم الثالث بما في ذلك النفايات النووية المشعة، مقابل عقد صفقة مع نظام حاكم في بلد جائع وفقير ومريض، إن غياب هذا الحس هو الذي يجعل الصناعات الغربية تصب الأطنان من النفايات في عرض البحر، وإن الفرق كبير بين الفكر والممارسة.

إن الإسلام حينما تحدث عن الطهارة الحسية والمعنوية فإنما يربط ذلك بالتصور العقائدي والعبادي، فربط الطهارة بالشعائر التعبدية حيث لا تجوز بدونها، ولا تخلو تعليمات الإسلام في كل الميادين من إجراءات لحماية البيئة.

فحينما تحدث عن الماء، وهو المكون الرئيسي للبيئة، ربطه بالحياة قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ (الاَنبياء: 30) لذلك نهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن تلويثه في الحديث الذي رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، حيث قال: “لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه[24].” وبالقياس يكون النهي بهذا الحديث عن كل ما يلوث الماء.

وحينما يتحدث عن الحروب ومخلفاتها ينهى عن حرق المزروعات وتدمير مقومات الحضارة؛ لأن الحرب في الإسلام استثناء من قاعدة السلام، يقول أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في وصيته لأسامة بن زيد قائد جيش المسلمين  إلى الشام: “ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل..” وعن التصرفات العامة للإنسان في تعامله مع بيئته اعتبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فعن أبي برزة قال قلت يا نبي الله علمني شيئا أنتفع به قال: “اعزل الأذى عن طريق المسلمين[25].”

هذه توجيهات إسلامية أوردناها كنماذج لدعوة الإسلام إلى المحافظة على البيئة يحتاج تأصيلها إلى دراسة واسعة. يقول الأستاذ عبد الله هلال من هيئة الطاقة الذرية في القاهرة: “والواقع أن التقدم الصناعي الذي أحرزه الإنسان هو أكبر مسبب للتلوث، ذلك لأنه لم يقترن بالقيم الصالحة التي تحرم الإضرار بالبيئة واستنزاف ثرواتها، وإذا كنا نجتهد في هذه الأيام لدفع التنمية في بلادنا ومواكبة التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب فيجب أن تحكمنا قيمنا الإسلامية “ويضيف” صدرت التشريعات وتكونت المنظمات وعقدت المؤتمرات العديدة لبحث إجراءات اللازمة للتصالح مع البيئة، ومع أن إهمال الجوانب الروحية والدينية هو أهم أسباب التدهور البيئي فمن المؤسف أن المواثيق والتوصيات التي صدرت عن مؤتمرات حماية البيئة، لم تتطرق إلى هذه العوامل المهمة، إن الرقابة الوحيدة التي يمكن أن تلازم الإنسان في كل زمان ومكان هي رقابة الضمير والقانون الوحيد الذي نضمن له الاحترام والتطبيق هو القانون الإلهي[26].”

ﻫ. التربية على القيم الإسلامية وأهداف البحث العلمي

إن الأخذ بالمنهج الإسلامي في مجالات البحث العلمي يجب أن يقبل على أنه حقيقة منطقية وضرورة حضارية ويكفي شاهدا على ذلك أن علوم الكون والحياة إسلامية بطبيعتها؛ لأن موضوع البحث فيها هي كل خلق الله في كتابه المنظور.

من هنا كانت إسلامية المنهج العلمي ضرورة حضارية ملحة لضمان مواصلة التقدم العلمي والتقني مع الحفاظ على إنسانية الإنسان؛ لأن الإيمان الخالص، والسمو الروحي يأتيان في مقدمة الخصائص التي يتميز بها المنهج العلمي الإسلامي وإليهما تعزى كل القوى الدافعة لملكات الباحث العلمي عن طريق الإبداع والابتكار.

لذلك بنيت فلسفة البحث العلمي من المنظور الإسلامي على نظرية التوحيد التي شكلت دافعا من حيث المنطلق وهدفا من حيث النتائج، فهي دافع من حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له[27]“، فهذا دافع يتضمن مصلحة الإنسان وتطوير البحث العلمي والسيطرة على الطبيعة، ليتجاوزها إلى ما هو أسمى وهو الأجر والثواب المتواصل بتواصل نفع النتائج المتوصل إليها، وهي هدف من حيث أن “من الصفات الجديدة للمعرفة العلمية المعاصرة، أن الحواجز الظاهرية بين فروع العلم المختلفة أخذت تذوب تدريجيا لكي تحل العلوم المتداخلة والمتكاملة محل العلوم المتعددة والمنفصلة، ولقد توقع “هيز تبرنج” هذه النتيجة للعلوم المعاصرة عندما ذكر في محاضرة ألقاها بجامعة ليبزج عام 1941م أن فروع العلم المختلفة قد بدأت في الانصهار في وحدة كبيرة وحول فكرة العلم الموحد[28].”

وهذا هو هدف البحث العلمي من المنظور الإسلامي؛ إذ كل العلوم ووسائل البحث فيها تهدف إلى إثبات وحدانية الله وعظمته، لذلك نجد كثيرا من الآيات تحث على النظر في المخلوقات لإدراك عظمة الخالق وهو الهدف الأسمى من البحث العلمي.

وهكذا تدفع التوجيهات الإسلامية الباحث العلمي إلى تصحيح نيته في البحث وتوجيهه إلى ما هو أسمى من المصلحة الظرفية، وفي هذا التصحيح دفع قوي وتجاوز للصعاب،  وترشيد في طبيعة توظيف النتائج لخدمة الإنسان وتحقيق الخلافة في الأرض.

والخلاصة أن التربية على القيم الإسلامية فلسفة عامة توجه الفعل الحضاري الإنساني إلى التوفيق بين متطلبات الحياة المادية والغاية العلوية التي تتمثل في خلافة الله في الأرض، وإذا كانت التنمية تقوم أساسا على العنصر البشري فإن تأهيله وتكوينه يمر بالضرورة عبر صياغة برامج للتكوين تستهدف التربية على القيم وتنمية الكفايات.

وقد بقي هذا المطلب يتردد في توصيات المؤتمرات والندوات الفكرية، دون أن تصاغ في تنزيله إلا قلة من المشاريع  التنفيذية والإجرائية، بل واعتقد الكثيرون ممن يشتغلون ببناء مناهج التعليم، أن ترسيخ القيم الإسلامية يمر فقط عبر تدريس مادة التربية الإسلامية وعلوم الشريعة، وأن باقي المواد الأخرى في المنهاج التعليمي هي مواد تعليمية منفصلة عن القيم، وسنحاول في سياق هذا البحث أن نبرز دور كل المواد المكونة للمنهاج التعليمي في التربية على القيم الإسلامية من خلال إبراز هذا الارتباط أولا، ثم صياغة مقترحات عملية في كل مادة تعليمية، حتى يكون المنهاج التعليمي منطلقا من فلسفة واحدة وقاصدا أهدافا موحدة تتجلى في التربية على القيم وتنمية الكفايات. والإسهام الفاعل انطلاقا من ذلك في حركة التنمية.

رابعا: مناهج التعليم ودورها في ترسيخ القيم

حين ينظر المربي بعين متأملة وفاحصة إلى مناهج التعليم بصفة عامة يجد نفسه محاصرا بسؤالات الهوية الحضارية والقيم الموجهة لهذه المناهج، ونوعية الكفايات المعرفية والوجدانية والسلوكية التي تبتغي هذه المناهج خلقها وتنميتها وتطويرها في نفسية المتعلم، وكيف يمكن أن تسهم كل المواد الدراسية في تكامل وانسجام، في بناء منظومة القيم الإسلامية لدى المتعلم، سواء في محتواها التعليمي أو طرق تدريسها، أو أنشطتها التعليمية.

ونستهدف من خلال إبراز  العلاقة بين مختلف المواد الدراسية والقيم الإسلامية باعتبارها مواد حاملة، توجيه المدرسين لهذه المواد وإرشادهم إلى الترابطات التي توجد بين كل مادة على حدة والقيم الإسلامية المتنوعة مما يساعدهم على صياغة الأهداف العامة للمحتوى الدراسي ككل والأهداف الخاصة بكل درس وأهداف مختلف الأنشطة التعليمية والتربوية المصاحبة.[29]

وحيث أن تسمية المواد تختلف من نظام تعليمي إلى آخر في بلدان العلم العربي والإسلامي فإنني سأتحدث عن المواد الكلية التي لا يكاد يخلو منها أي نظام تعليمي، وما يمكن أن يوجد من مواد فرعية أخرى فيمكن أن تدخل ضمنا تحت مادة من هذه المواد الكلية وانطلاقا من ذلك سأبحث العلاقة بين:

ـ مادة التربية الإسلامية                                       والقيم الإسلامية

ـ مادة اللغة العربية أوالوطنية)                           والقيم الإسلامية

ـ مادة اللغة الأجنبية                                            والقيم الإسلامية

ـ مادة الرياضيات                                                والقيم الإسلامية

ـ مادة العلوم الطبيعية والفيزيائية                            والقيم الإسلامية

ـ مادة التربية الفنية والتكنولوجية                           والقيم الإسلامية

ـ مادة التربية البدنية                                            والقيم الإسلامية

1. مادة التربية الإسلامية: (اليقين والتصورات)

“إن واقع التربية في البلدان الإسلامية اليوم يقصر التربية الإسلامية على تحفيظ واستظهار وفقه بعض الآيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية الشريفة والسيرة النبوية وبعض التراجم لأعمال بعض القادة، وما إلى ذلك، وهذا قاصر عن مفهوم التربية الإسلامية كنظام متكامل.. فالتربية الإسلامية بفلسفتها وأهدافها تتميز بسمات وقواعد حددت وفق نظرتها الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وفيما يخص جوانب التربية المباشرة للفرد فقد غطت بشمول وتوازن كل جوانب النمو عنده، عقله وجسمه وروحه وحياته المادية والمعنوية، كما غطت كل جوانب المعرفة من علوم شرعية وعلوم كونية، باتساق واضح منطلق من فلسفة إيمانية حددت لكل نوع من المعرفة أهدافه التي تسعى إلى تلبية حاجة الفرد الروحية والمادية والاجتماعية[30].”

انطلاقا من هذا التعريف الشامل يظهر أن مادة التربية الإسلامية مادة كلية حاملة لمختلف القيم الإسلامية المنظمة لجميع مجالات الحياة والموجهة لمختلف سلوكيات الفرد وتصوراته.

ونريد أن ننبه هنا إلى قضية جد هامة وهي أن محتوى مادة التربية الإسلامية في كثير من بلدان العالم الإسلامي لا يعكس هذه الصورة الكلية العملية المحددة في التعريف السابق وإنما يتجه أكثر إلى التركيز على الجانب المعرفي المرتبط بالعلوم الإسلامية كالقرآن حفظا وتفسيرا والحديث حفظا وتفسيرا، وأحداث السيرة وبعض أحكام العبادات والمعاملات، وتدريس هذه المكونات بأسلوب نظري عام يكاد يخلو من الجانب التطبيقي العملي المرتبط بسلوك المتعلم اليومي، مما يجعل محتوى المادة قاصرا عن أداء رسالتها الكبرى وهي ترسيخ القيم الإسلامية التطبيقية العملية خاصة في مرحلة التعليم الأساسي التي يحتاج فيها المتعلم إلى تنمية الكفايات الوجدانية والسلوكية أكثر من حاجته إلى المعطيات المعرفية.

ولذلك ندعو إلى ضرورة إعادة النظر في محتويات المادة حتى تحتفظ بدورها كمادة رسمية حاملة للقيم الإسلامية بصفة مباشرة ونتصور أن تكون مكونات المحتوى الدراسي كالتالي:

ـ المجال العقائدي والتعبدي بمفهومه العام؛

ـ المجال الفكري والمنهجي؛

ـ المجال الاجتماعي والأسري؛

ـ المجال الاقتصادي والمالي؛

ـ المجال الوقائي والصحي؛

ـ المجال الحقوقي؛

ـ المجال التواصلي والإعلامي؛

ـ المجال الفني والجمالي؛

ـ المجال البيئي.

 وكل مجال من هذه المجالات يتضمن دروسا ومحاور تنطلق من النصوص القرآنية والحديثية والفكرية، والأمثلة والقصص المشوقة، والأشغال التطبيقية العملية، والأنشطة الموازية خارج الفصل التي ترسخ المكسبات وتعمقها.

وهكذا يمكن للمادة من خلال محتويات برامجها وأنشطتها وتكييف طرق ووسائل تدريسها أن تشكل العمود الفقري للنظام التعليمي الذي له صلة مباشرة بالقيم الإسلامية وباقي المواد الأخرى تدور في فلكها من حيث التكامل في حملها للقيم الإسلامية جزئيا.

 2. اللغة العربية: (التواصل والبيان)

اللغة العربية لغة القرآن وهو خطاب الله تعالى إلى العالمين، وقد اختارها الله تعالى من بين كافة الأسماء التي علمها لآدم كوعاء ليحمل القيم الإسلامية للعالمين، ولذلك لا يمكننا أن نفصل بين هذه المادة والقيم الإسلامية، مما جعلنا نعتبرها مادة حاملة لهذه القيم بصفة مباشرة؛ لأنها ليست وسيلة اتصال فقط ولكنها خطاب حامل لقيم تستهدف تكييف ميولات المتعلم واتجاهاته.

وهنا نشير، كما أشرنا سابقا في مادة التربية الإسلامية، إلى أن مناهج تدريس اللغة العربية في المدارس العربية والإسلامية يركز على البعد التقعيدي من نحو وعروض وبلاغة ويطغى فيه هاجس امتلاك اللغة كوسيط للتواصل لا غير دون محاولة تطعيم محتويات الدروس بالبعد التربوي القيمي الإسلامي.

ونحن لا نعتقد أنه بالإمكان الفصل بين اللغة والثقافة التي تحملها، فلا نتصور تدريس اللغة الإنجليزية، مثلا، دون أن ننقل عبرها إلى المتعلم بعضا من القيم الغربية، ولذلك لا يمكننا أن نفصل بين اللغة العربية والثقافة الإسلامية التي تحملها وأي إغفال لهذا الجانب سيكون فيه كثير من التجني على هذه اللغة لغة الوحي.

وإذا ما انتقلنا من تدريس اللغة العربية كمادة دراسية إلى مجال أوسع وهو اعتمادها كلغة تدريس لجميع المواد، لاتسع المجال أكثر لإبراز البعد التربوي والمعرفي لهذه اللغة، يقول الدكتور إسحاق الفرحان: “نظرا لأهمية اللغة العربية في تراث الأمة الإسلامية وكيانها، ونظرا لأن اللغة ليست وسيلة اتصال فقط، وإنما هي ظلال فلسفة حياة وتحمل في طياتها طريقة تفكير الأمة ومنهاج حياتها فإنه يجب اتخاذ اللغة العربية لغة القرآن الكريم لغة أساسية لتدريس كافة المعارف والعلوم، في جميع مراحل الدراسة في التعليم العام والتعليم الجامعي، كما يجب السعي لدى الدول الإسلامية التي لا تتكلم العربية وتشجيعها لتتخذ اللغة العربية لغة رسمية ثانية تعلم في المدارس  كلغة وكوسيلة لتعلم العلوم الشرعية كذلك ليتسنى للطلاب في الأمة الإسلامية الاطلاع على التراث الإسلامي من أوسع أبوابه[31].”

 وانطلاقا من هذا التأسيس النظري نتصور أن أستاذ مادة اللغة العربية يمكن أن يوظف هذه المادة لنقل القيم الإسلامية من خلال:

ـ اختيار النصوص التي تحمل قيم العدل والحرية والكرامة وكل الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة وجعلها موضوع التحليل والدراسة وخاصة منها النصوص القرءانية والحديثية والنصوص الأدبية المتميزة من شعر وقصة وأمثال..

ـ اختيار نصوص الكتاب والمؤلفين المسلمين المتميزة كتاباتهم بالسلاسة والوضوح، والمستحضرين للقيم الإسلامية في إبداعاتهم وإنتاجاتهم وجعلها مناسبة للتعريف بهم وبجهودهم..

ـ تجنب اختيار النصوص الحاملة للقيم السلبية وإن كانت تحمل إبداعا لغويا؛ لأنه يوجد في غيرها ما يغني عنها حتى وإن كان أعذب الشعر كما يقال أكذبه..

ـ توجيه الطلبة إلى القراءة الذاتية الموجهة من خلال إرشادهم إلى قصص وأشعار ودراسات وأبحاث تنمي الملكة اللغوية وترسخ القيم الإسلامية..

ـ العناية بالكتابة الموجهة للطفل الهادفة إلى تنمية قدراته اللغوية وتحبب له التعامل مع اللغة العربية..

ـ العناية بإنتاج واستعمال كافة الوسائل التعليمية السمعية والسمعية البصرية والإعلاميات في تعليم اللغة العربية.

 3. اللغة الأجنبية: (التواصل مع الآخر)

لا شك أن إدراج مادة اللغة الأجنبية في مناهج التعليم سواء كانت اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو غيرها الغرض منه تعزيز قدرات المتعلم على التواصل بألسنة متعددة تمكنه من الاطلاع إلى الثقافات الأخرى والتعريف بثقافته الأصلية.

وهذا مقصد مهم يحقق ما يطمح إليه النظام التعليمي العام من انفتاح على المحيط، إلا أننا نعلم أن الفصل بين اللغة والثقافة أمر يكاد يكون مستحيلا لما تتضمنه اللغة من مفاهيم ومصطلحات تكون في العادة وليدة البيئة والمحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولذلك يحتاج المربُّون في كثير من الأحيان إلى بذل مجهودات كبيرة لتكييف اللغة الوافدة مع الثقافة الأصلية للمتعلم حينما يكونون بصدد بناء برامج المواد اللغوية المرتبطة باللغة الأجنبية وكثيرا ما لا يبذل هذا المجهود فتنقل اللغة وحمولتها الثقافية، بل وحتى القيمية إلى المتعلم، مما يعارض حتى المنطلقات الأساسية التي ينبني عليها التعليم فيصبح التلميذ أمام مرجعيتين أو أكثر، وأمام أنماط ثقافية متعددة في التعليم الأساسي، وهو ليس قادرا بعد على فهم الأبعاد الأساسية للاختلاف ولم يمتلك بعد أصول خاصية ثقافته الأصلية، وقد أجريت كثير من الدراسات التقويمية لبرامج مواد اللغات الأجنبية تكشف التناقضات الموجودة بين برامجها وما تنص عليه المنطلقات العامة للنظام التعليمي في كثير من البلدان العربية والإسلامية، وتخلص هذه الدراسات في الغالب إلى اقتراح ضرورة الملاءمة بين محتويات مختلف المواد الدراسية والمنطلقات العامة للنظام التعليمي التي تعتمد ترسيخ قيم العقيدة الإسلامية وتصوراتها للكون والحياة والإنسان كمبدأ أساس[32].

ومع ذلك تبقى محتويات مواد اللغات الأجنبية حاملة لثقافتها رغم مجهودات الملاءمة التي تحدثنا عنها وقد تسربت المرجعيات الثقافية المتعددة إلى محتويات مواد أخرى غير اللغات إنما هي في هذه الأخيرة أظهر وأبرز.

انطلاقا من كل ذلك ندعو إلى ضرورة بذل مجهودات كبرى لتكييف محتويات مواد اللغات الأجنبية مع متطلبات النظام التعليمي لجعلها مواد حاملة للقيم الإنسانية النبيلة العامة والقيم الإسلامية التي تأخذ طابع الإنسانية والعالمية أيضا انطلاقا من عالمية رسالة الإسلام وذلك باعتماد التوجهات الآتية:

ـ اختيار نصوص الثقافة الإسلامية المكتوبة باللغات الأجنبية واعتمادها في تنمية مهارات القراءة والكتابة والتحليل والتقويم..

ـ اختيار نصوص من الثقافة العالمية المكتوبة باللغات الأجنبية لا يناقض محتواها القيم والتصورات الإسلامية، وتدعو إلى الأخلاق والآداب العامة أو تتضمن معلومات ومعطيات عن الحضارة الإنسانية في أبعادها الإيجابية..

ـ التعريف بأعلام الفكر والثقافة والحضارة الإسلامية من خلال إنتاجاتهم وإبداعاتهم وكذا أعلام الثقافة الإنسانية الذين قدموا خدمات جليلة على مستوى البحث والابتكار..

ـ اختيار نصوص الحفظ والأشغال التطبيقية من مصادر ومراجع يحال عليها المتعلم لاستكمال خبراته وتحضير دروسه تكون محتوياته منسجمة مع القيم الإسلامية..

ـ تنظيم أنشطة موازية موجهة من طرف المدرس؛ كالقراءة الجماعية لكتاب أو قصة أو مشاهدة أفلام فيديو أو الاستماع إلى نصوص مقروءة عبر الشريط السمعي أو غير ذلك على أن تخضع مادة هذه الأنشطة إلى الإعداد المسبق من طرف الموجه التربوي حتى يتم استثمارها إيجابيا في تعزيز قدرات التلميذ اللغوية وتنمية اعتزازه بقيمه..

ـ العناية الكبرى بالكتابة الموجهة للطفل والمراهق باللغة الأجنبية، وتشجيع الكتابات التي ترسخ لدى التلاميذ الأخلاقيات والآداب العامة من خلال طبعها وتوزيعها على أوسع نطاق.

وهكذا يمكننا أن نقول أن مواد اللغة الأجنبية إذا استلهمت هذه التوجيهات يمكن أن تسهم، بشكل كبير، في تعزيز كل القيم الإسلامية لدى المتعلم ونشرها في محيطه.

4. المواد العلمية: (الخلق والتسخير)؛ الرياضيات العلوم الطبيعية الفيزياء والكيمياء

لم يكن ثمة انفصال بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية في التراث التعليمي الإسلامي اعتبارا لوحدة هدف التعليم وهو معرفة الكون والحياة المفضية إلى معرفة الله وإفراده بالعبادة.

هذه قيم كبرى تخدمها المنظومة التعليمية ككل، غير أن الأنظمة التعليمية العربية الإسلامية الحالية التي تعددت مشاربها أضحت العلوم الكونية فيها (التجريبية الطبيعية) تكاد تكون منفصلة عن تحقيق البعد القيمي الإسلامي، علما بأن قدرتها على ترسيخ القيم في نفوس المتعلمين، قد تكون أفضل بكثير من العلوم النظرية اللغوية والإنسانية، فمواد الرياضيات والهندسة والعلوم الطبيعية والفيزياء القائمة على التجربة الحسية الممارسة والتفكير المنطقي التحليلي إذا ما تم توجيه نتائجها وآليات التفكير فيها إلى التأمل في الصنع الإلهي البديع، وقدرته على الخلق والتدبير كفيلة بأن تخلق للمتعلم ربطا متسقا بين ما يتلقاه في العلوم النظرية والعلوم التطبيقية؛ فيقع الإيمان في نفسه موقع الاطمئنان تماما كما حصل لنبي الله إبراهيم حين أجابه الله تعالى عن سؤاله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تومن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (البقرة: 259).

 فأمره بعد الإيمان النظري أن يجري تجربة تطبيقية: ﴿قال فخذ اَربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم ادعهن ياتينك سعيا، واعلم اَن الله عزيز حكيم﴾ (البقرة: 259)، فتزاوج النظر والتجريب، فكانت النتيجة حصول الاطمئنان القلبي، وهذا هو منهج القرآن الكريم في بناء المعرفة.. فهو ليس كتاب في علم من العلوم الكونية أو الطبيعية وليس مصدرا لاكتشاف النظريات العلمية التجريبية، ولكنه أشار إشارات حاسمة إلى مجالات الكون والميادين العامة للمعرفة التي يجدر بالعقل الإنساني أن ينظر فيها ويتعلم قال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والاَرض﴾ (يونس: 101)، وقال: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ (الواقعة: 78-79)، وقال: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلف اَلوانها، ومن الجبال جُدد بيض وحمر مختلف اَلوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والاَنعام مختلف اَلوانه كذلك، إنما سيخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور﴾ (فاطر: 27-28)؛ ولذلك تجدر الإشارة إلى هذه الآيات الكريمة عند (تدريس) الميادين العلمية ذات العلاقة، وذلك لتعزيز الإيمان بالله. إن هذا الاتجاه من شأنه أن يثبت في نفس الطالب عظمة الخالق الواحد الأحد والإيمان بالله وحده لا شريك له[33].

إننا نخنق في الطالب نفس امتداد التفكير في عوالم الملكوت وانفلات أسئلته الواسعة المفضية إلى الإيمان حينما نختزل قانون ظاهرة من الظواهر الطبيعية التي يتوصل إليها المتعلم عن طريق إجراء التجربة في (الطبيعة) وليس في عظمة خالقها.

إن من شأن تدريس العلوم الكونية بنفس إسلامي أن يحقق لدى المتعلم قيما شتى أشير فقط إلى بعضها؛ معرفة تكريم الإسلام للعقل والعلم والعلماء ووضع المعرفة في سياقها الطبيعي وهو معرفة الله وخشيته وعبادته؛ وإدراك المتعلم لقدرة الله تعالى الخالق المبدع والمدبر لكل القوات المتحكمة في كل الظواهر؛ وكذا تعميق العقيدة الإسلامية لدى المتعلم مما يعمق تجلياتها في سلوكياته وتصرفاته؛ بالإضافة إلى تنمية الحس المنطقي في التفكير والقدرة الذاتية على الحوار والإقناع بأدوات العقل والنقل.

إن المتعلم في مادة الرياضيات يتعامل مع مسلمات أولية ويبني عليها عمليات تجريدية منتظمة في الأسلوب تفضي إلى وحدة في النتائج. وعقيدة الإسلام تنطلق من مسلمات وتوجد لها سلوكية في الواقع وتفضي بدورها إلى وحدة في النتائج بحسب اختيار الإنسان.

وإن المتعلم في مادة العلوم الطبيعية والفيزياء يتعامل مع ظواهر علمية تجريبية مبسطة في المراحل الأولى من التعليم، وقد يكون أبسطها تركيبا يفضي إلى عميق الأثر في نفس المتعلم بعظمة الخالق، كتكون النباتات ونمو الأشجار، وجريان المياه وفق دورتها، وتغذية الحيوانات وتصرفاتها، والتربة وطبقات الأرض بهضابها وسهولها وجبالها، ينبغي أن يتناول المعلم كل ذلك بالشرح والتفسير والتطبيق لكنه لا يمكن أن يقف عند رصد الظواهر، بل ينبغي كلما لاحظ في أعين التلاميذ تجليات السؤال الكبير: “من خلق ودبر كل هذا؟” قال اللطيف الخبير، وإلا يكون قد قصر في مهمته وما أدى رسالته.

إن النظرة في الأهداف المسطرة لدروس العلوم الطبيعية والتجريبية والأنشطة العلمية المصاحب لها تجدها تنحصر في: (تنمية حب الاستطلاع، تنمية روح النقد، تنمية القدرة على التعبير المتعدد الأشكال، تنمية القدرة على التواصل، تنمية روح التعاون، احترام المياه والطبيعة، العناية بالذات من الناحية الصحية والوقائية، الوعي بالقضايا السكانية والصحية والغذائية… وغيرها).

كل ذلك جميل ولكنه سيكون أجمل إذا ما ربط بالقيمة الكبرى والهدف الأسمى الذي يحكم كل تلك القيم الجزئية وهو تنمية روح الإيمان في المتعلم، وهذا هو دور المعلم وهذه هي روح رسالته.

يقول الدكتور حمدي أبو الفتوح عطيفة: “وتعد مجالات العلوم الطبيعية والبيولوجية من أخصب المجالات التي يمكن للإنسان أن يكتسب فيها تلك المعرفة التي تساعده على العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى فمن خلالها يعرف الإنسان نفسه، ومن ثم يعرف قدره وحجمه وحدود دوره المرسوم له في هذه الحياة الدنيا، كما أنه من خلال دراسته لتلك العلوم يتعرف على بيئته وما سخر الله تعالى من تلك البيئة لخدمته، فسخر له الدواب، وأنزل له من السماء ماء فأخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، ومن خلال دراسته لتلك العلوم يتعرف الإنسان على ذلك الكون الهائل المعجز ويعرف فضل الله عليه؛ إذ سخر له الشمس ليستمد منها الطاقة التي تسير بها حياته، وسخر له القمر ليعرف عدة الشهور وسخر له النجوم ليهتدي بها في الظلمات[34].”

5. التاريخ والجغرافية: (الاجتماعيات) (العبرة والاعتبار)        

إن للزمان والمكان أثرا كبيرا في إدراك المتعلم لمحيطه وقضاياه، وفي ضوء كل ذلك يبني علاقاته ويحرك طاقاته وإبداعه، وفي ظل عدم الوعي الكافي بالزمان والمكان والمحيط قد لا يكون المتعلم قادرا على ممارسة دوره في المحيط بالشكل المطلوب.

وفقا لهذه الرؤية تحدد الأهداف العامة لمادة الاجتماعيات في تنمية قدرات المتعلم على التفاعل مع محيطه عن طريق معرفة بيئته، وتاريخ وطنه ومقوماته الحضارية، وخواص الطبيعة البيئية والبشرية والاقتصادية، وعلاقته ببلدان أخرى، وتحديد موقعه ومواقفه من كل ذلك ثم تتفرع هذه الأهداف في الإطار النوعي إلى أهداف خاصة بالتاريخ وأخرى خاصة بالجغرافية.

إن النظرية التربوية الإسلامية تعتمد كل هذه الأهداف وتستوعبها مهما اختلفت وتطورت في شكل جزئيات وتفاصيل لكنها تضع له إطارا عاما وهو فهم الإنسان للحياة والكون فهما إسلاميا يعتمد الاعتبار من تاريخ الأولين وسنن الكون زمانا (تاريخ) وأداء مهمة الخلافة مكانا (جغرافيا).

فالإسلام يدعو من خلال تعليم مواد التاريخ والجغرافية إلى تمكين المتعلم القدرة على التفكير في أحوال العالم وسنة الله في الخلق وأحوال الأمم والشعوب على مدار التاريخ، دون أن يقف عند الوعي بها ولكن في خدمتها عبرة يعيد في ضوئها قراءة الواقع والتفاعل معه، والاعتزاز بما حققته الأمة الإسلامية من حضارات زاهرة حين ربطت العلم بالقيم وما تعانيه من تخلف نتيجة الفصل بينهما.

وهذه قيم سامية تعطى للتلميذ في شكل جرعات مناسبة لسنه وقدراته العقلية فلكل حدث صغير عبرة تناسبه، ولكل ظاهرة اجتماعية طريقة مناسبة للتحليل والاستنتاج ويمكننا أن نحدد القيم التي يمكن أن تحققها مادة الاجتماعيات حسب هذا المنظور في:

ـ معرفة التلميذ لأصوله وانتمائه الحضاري الإسلامي واعتزازه به وطنيا وعالميا..

ـ إدراك التلميذ لنسبية الزمان والمكان والحياة ككل من خلاله معرفته بفناء الأمم السابقة وخضوع المرحلة التاريخية التي يعيشها بدورها لدورة الزمان والمكان..

ـ بناء سلوكياته وتصرفاته اليومية انطلاقا من القيم الإسلامية الاجتماعية الداعية إلى احترام الآخرين والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، ونبذ العنصرية، ومحاربة الميز على أساس اللون أو العرق، واحترام الثقافات الأخرى، والمجادلة بالتي هي أحسن..

ـ الاعتبار بأحوال الأمم السابقة سواء في هلاكها ودمارها حين سلكت طريق الانحراف أو ازدهارها ورقيها حين اختارت طريق الاهتداء، من خلال قصص الأولين في القرآن الكريم أو مصادر التاريخ الأخرى.

إننا نؤكد أن مدرس الاجتماعيات لا يذكر الحادثة التاريخية لمجرد تحقيق هدف معرفي ولا يرصد الظاهرة الاجتماعية لمجرد أنها ظاهرة اجتماعية، ولكنه ينبغي أن يستهدف من ذلك حمل قيم إسلامية إلى التلميذ، فلكل حادث عبرة في الزمان، ولكل ظاهرة اجتماعية عبرة في المكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

6. المواد الفنية والتكنولوجية: (الحس والملكة)

تشمل في العادة المواد الفنية والتكنولوجية على الرسم والأعمال المسطحة والنحت كمرحلة أولى ثم الأشغال التركيبية الأولى المؤدية إلى التعامل مع التكنولوجيا كصناعة المجسمات المركبة ومعرفة خواص الأشياء؛ كالأسلاك والقطع الخشبية والبلاستيكية، والمزج بين الأجسام الصلبة والسائلة وغير ذلك مما يمكن أن يعتبر أنشطة تربوية موجهة قبل أن ينتقل التلميذ إلى التعامل مع التكنولوجيا الحديثة من وسائل سمعية بصرية وإعلاميات، وتهدف هذه الأنشطة التربوية في العادة إلى: إذكاء روح الإبداع والابتكار لدى المتعلم وتحفيزه على التفكير وشحذ الذهن والإنتاجية، وتنمية حواس الذوق الجمالي والفني لدى المتعلم والتفاعل الإيجابي مع البيئة، وتذوق وتقدير الإنتاج الفني والجمالي ثانيا، فضلا عن اكتساب المهارات وضبط التقنيات الأساسية للتعامل مع مختلف الوسائل في إنجاز إبداعات وابتكارات لأشكال متعددة للتعبير والتواصل مع المحيط تتيحها الأعمال الفنية.

 وتعد هذه الأهداف أساسية في تكوين شخصية المتعلم وانفتاحه على محيطه، كما تعتبر هذه المواد فضاء واسعا لإدماج القيم الإسلامية من خلال إدراك التلاميذ لمفاهيم الذوق والجمال في الإسلام، فالله جميل يحب الجمال، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، والله تعالى يحب إتقان العمل والصنعة. والإسلام يطلب منا أن نتأمل في صنع الله وفي خلقه، فكل شكل من الأشكال وكل جسم من الأجسام وكل مادة من المواد صلبة كانت أو سائلة كل شيء عنده بمقدار، ولم يخلق عبثا، وفي كل صورة للإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد إبداع إلهي، ولا وجود للزائد ولا للفائض، وأن الله تعالى متع الإنسان بقدرة فائقة على الإبداع والابتكار أقواها قدرة العقل والحواس من سمع وبصر ولمس، وأن الإنسان لولا هذه القدرات التي متعه بها الخالق، ولولا الكون الذي سخره له لما استطاع أن يكون مبدعا؛ فعليه أن يسخرها في الإبداع الإيجابي.

وهذه المواد بتكامل مع غيرها من المواد الأخرى داخل نسق تعليمي واحد تزود المتعلم بقيم التعامل مع التكنولوجيا الحديثة سواء في التعامل مع الوسائل السمعية البصرية أو الإعلاميات التي أصبح التلاميذ في السلك الأساسي يعتبرونها الوسيط الأفضل لممارسة أنشطتهم التعليمية والترفهية، فكان لابد أن يشجعوا على التعامل مع هذه الوسائل بتوجيه يستهدف ترسيخ القيم الإسلامية وتجنب ما يخل بهذه القيم ويهدمها مما يكسبهم مناعة ذاتية.

وهكذا يمكن للمواد الفنية التكنولوجية أن ترسخ لدى المتعلم القيم الآتية:

ـ إحساس التلاميذ بدقة صنع الخالق للحياة والكون..

ـ اعتزاز التلاميذ بفنون الحضارة الإسلامية والمبدعين من علمائها..

ـ الإحساس بإيجابية توظيف مهاراتهم التقنية في التوعية بالقيم الإسلامية..

ـ تهذيب الخلق العام والأحاسيس الذاتية للمتعلم واستثمار ذلك في تعامل مع المحيط كحرصه على النظافة والنظام وغير ذلك.

وهكذا يبدو أن معلم هذه المواد ينبغي أن يضع إلى جانب الأهداف المهارية والذوقية الصرفة أهدافا تربوية ذات أبعاد قيمية يفهم معها التلاميذ أن جمال الإبداع وجمال النفس وجمال المحيط وجمال السلوك كلها وحدة لا تتجزأ، وأن لا قيمة لفن تحضر معه المهارة وتغيب رسالة القيم فالله جميل يحب الجمال.

7. التربية البدنية والرياضة: (سلامة الجسم والعقل)

تستهدف التربية البدنية بلورة قدرات المتعلم الجسمية والعقلية والتفاعلية، بواسطة تمارين حركية منظمة وموجهة تنمي فيه الجهد، وقوة الإرادة والتحمل، وتدفعه إلى الانسجام داخل المحيط، وتخلق لديه حب المنافسة الشريفة وتقوي مناعة الجسم عنده، وبهذا التوجه تبدو مادة التربية البدنية مادة حاملة لكثير من القيم التي تجد نفسها متجذرة في التصور الإسلامي فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير[35].”

وينسب إلى أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه، قوله: “علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل”، وثبت عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه سابق عائشة، رضي الله عنها، فسبقته في الأولى وسبقها في الثانية، فقال هذه بتلك. فقوة الجسم ومناعته والعناية بصحته وتنشيط كافة أجهزته الدموية والتنفسية والعصبية والعناية بالهياكل العظمية والعضلية، ليس مستهدفا لذاته في التصور الإسلامي، ولكن العناية بكل ذلك هو استعداد للقيام بمهام العبادة بمفهومها الواسع؛ لأن من شأن الجسم السليم أن يدفع إلى التفكير السليم والأداء السليم لأركان العبادات وإتقان العمل والصنعة والصبر على صعاب الحياة النفسية والمادية، وقد صدق من قال: “العقل السليم في الجسم السليم”.

وإذا أضفنا إلى ذلك القيم الإسلامية المتعلقة بتنمية الروح الاجتماعية كالتنافس الشريف، والتعاون والتضامن واحترام الغير، والإخاء والصداقة والتعايش وحسن المعاملة، فإننا نتيقن أن مادة التربية البدنية تعد المحك التطبيقي الذي يمكن أن نختبر فيه مدى تمكن القيم الإسلامية الفردية والجماعية في نفسية المتعلم، والتي يتلقاها في مختلف المواد الدراسية الأخرى، وبناء على ذلك يمكن لمعلم التربية البدنية أن يرسم لحصصه الدراسية وما يتعلق بها من أنشطة أهدافا مرتبطة بالقيم الإسلامية والتي يمكن تقويمها في فترات ومراحل محددة بناء على تخطيط سليم ومتدرج للمناهج  المتعلقة بهذه المادة؛ لأن من شأن تنمية روح التعاون مثلا كقيمة إسلامية عملية أن لا تقاس في حصة أو حصتين ولكن تجلياتها تكتشف عن طريق الملاحظة الأولية في كل حصة دراسية، شأنها في ذلك شأن تنمية القدرات الجسمية التي لا يمكن أن تحقق إلا عبر مراحل.

ونختم الكلام في هذا المحور بضرورة العناية بالجو العام الذي تمارس فيه التربية البدنية مما يسمح بترسيخ القيم الإسلامية السالفة الذكر حيث تتوفر فيه شروط الاحترام والأخلاق العامة فلا تمارس التربية البدنية بشكل مختلط بين الذكور والإناث؛ (لأن من شأن ذلك أن يؤثر على ممارسة الأنشطة الحركية الضرورية لكل فئة على حدة)، مع تهييء القاعات اللازمة لذلك، وتنظيم الحصص الدراسية في المادة بالتناوب مع تخصيص معلمات للتربية البدنية للإناث ومعلمين للتربية البدنية للبنين خاصة في مرحلة السلك الثاني من التعليم الأساسي.

ومن الملاحظ أن كثيرا من الفتيات يحرمن من الاستفادة من التمرينات الرياضية نظرا لغياب الجو المناسب لذلك، وأعتقد أن الإقبال على هذه المادة الضرورية بالنسبة للجميع سيزداد ويتقوى كل ما توفرت الشروط الضرورية لممارستها في ظروف تسمح بتنمية القدرات الجسمية وتنمية الملكات العقلية والروح الجماعية ترسيخا للقيم الإسلامية.

وهكذا نكون قد أبرزنا أوجه الترابط بين مختلف المواد الدراسية، ومنظومة القيم الإسلامية ومن شأن هذا أن يسهل على مدرس المادة صياغة الأهداف الخاصة بمادته عموما وبتفاصيل دروسها.

الهوامش


[1]. رواه البخاري.

[2]. رواه  الطبراني في “الكبير”.

[3]. رواه أحمد في “المسند”.

[4]. رواه مسلم في صحيحه.

[5]. رواه البخاري في صحيحه.

[6]. متفق عليه.

[7]. رواه الترمذي والحاكم.

[8]. متفق عليه.

[9]. رواه البخاري.

[10]. محمد قطب، منهاج التربية الإسلامية، ج2، ص7.

[11]. محمد الغزالي، الجانب العاطفي من الإسلام، ص6/والآية من سورة طه رقمها84.

[12]. يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام، ص8.

[13]. مجلة الحوار، العدد 1 السنة الأولى، ص21-22.

[14]. المصدر نفسه، ص21 وما بعدها.

[15]. انظر: موقع العمل من الإيمان في ذكر القاضي عياض ونقله، ابن حجر في فتح الباري، ج1، ص52.

[16]. رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس في كتاب الجمعة.

[17]. المصدر نفسه.

[18]. عبد الوهاب النجار، الخلفاء الراشدون، ص112 وما بعدها.

[19]. المصدر نفسه.

[20]. محمد عزيز الحبابي، نظرة إسلامية على التكنولوجيا، مجلة الحوار، ع10.

[21]. المصدر نفسه.

.[22]. رواه البخاري.

[23]. مجلة العلم اللندنية، ع24، 1986.

[24]. رواه البخاري في كتاب الوضوء.

[25]. رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب.

[26]. عبد الله هلال، الإسلام والبيئة، مجلة منبر الحوار، العدد 23-24، 1994.

[27]. رواه مسلم.

[28]. فرانس هزنبرغ، المشاكل الفلسفية للعلوم النووية، ترجمة أحمد مستجير، القاهرة، 1972.

[29]. انظر المشروع بالتفصيل في كتابنا: القيم الإسلامية في المناهج الدراسية، الصادر عن منظمة الإسيسكو سنة 2003.

[30]. إسحق الفرحان وآخرون، نحو صياغة إسلامية لمناهج التعليم ص59.

[31]. المصدر نفسه، ص 73.

[32]. انظر الدراسة القيمة التي أعدها الأستاذ عبد المجيد بنمسعود في موضوع: المنظومة التعليمية بين تأصيل ثقافة الحوار وتعزيز ثقافة المقاومة؛ ضمن كتابه: م”نظومتنا التربوية إلى أين؟”، ص55.

[33]. إسحاق الفرحان وآخرون، نحو صياغة إسلامية لمناهج التعليم، ص68.

[34]. عطيفة أبو الفتوح، أسلمة مناهج العلوم المدرسية، ص49.

[35]. رواه مسلم.

Science

خالد الصمدي

• دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية من جامعة محمد بن عبد الله بفاس.
• أستاذ التعليم العالي ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان المملكة المغربية .
• مدير المكتب التنفيذي للمركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية .
• مدير مجلة البصيرة التربوية الصادرة عن المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية.
• رئيس المنتدى الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب.
• المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بالمغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق