مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

التحسينات المالية في المذهب المالكي وتطبيقاتها المعاصرة 6

ذ/ عبد السلام اجميلي 

من علماء القرويين

 

الضابط الرابع: أن يعمل بالاستحسان إذا كان في تطبيق الحكم الشرعي بعد عن مقاصد الشريعة:

إن الاستحسان علاج ناجح عندما تكون لوازم الأدلة ومآلاتها بعيدة عن مقاصد الشريعة، ولاشك أن النظر في مآلات الأدلة ولوازمها معتبر ومقصود شرعا([1]).

إن الحكم الشرعي لا يخلو من مصلحة تجلب أو مفسدة تدرأ، ولكن قد يكون في اطراد تطبيق هذا الحكم مآل على خلاف ما قصد منه، فيؤدي إلى مفسدة تساوي أو تزيد على المصلحة المراد استجلابها أو المفسدة المراد درؤها([2]).

ومثال ذلك: النهي عن بيع المعدوم، أو بيع مالا يمكن الإنسان، فلو اطرد حكم المنع والنهي لوقع كثير من التجار في حرج ومشقة، لأنه لا يستطيع أن يشتري أو يبيع ما هو موصوف في الذمة، والذي يكون عادة أقل ثمنا، وأكثر ربحا للمشتري، وفيه قضاء الحوائج، واتفاق السلعة للبائع، وبهذا المنع يتوقف كثير من التجار عن البيع والشراء، لأن شراء السلع الحاضرة من أصحابها يكون وفق القيمة السوقية، وقد يرتفع السعر بعد الشراء وقد ينخفض، فإذا كان رأس المال المتاجر به لا يقوى على مبايعة تقلبات الأسعار، اضطر صاحبه لعدم المغامرة برأس ماله، وبالتالي تتوقف حركة المال مما يؤدي إلى هلاكه ونفاذه.

وهنا يأتي الاستحسان ليعالج هذه المشقة التي قد تنتج عن اطراد تطبيق الحكم الشرعي، فيستثني بيع السلم، ليحقق مصالح تربو على المفاسد التي أراد الشارع درأها بنهيه عن بيع المعدوم، وتربوا على المصالح التي أراد الشارع تحقيقها من نهيه عن بيع المعدوم([3]).

الضابط الخامس: أن يكون المستحسن هو المجتهد:

والمجتهد: هو كل من اتصف بصفة الاجتهاد([4]):

وإذا أردنا تفصيل هذا المعنى نقول: هو كل من كان قادرا على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية([5]).

وقد فصل العلماء الأجلاء أهم الشروط التي يجب أن يحققها الإنسان كي يصل إلى رتبة الاجتهاد وهي مبسوطة  في كتب الأصول([6]) فمن لم يصل رتبة الاجتهاد فليس من أهل استنباط الأحكام من أدلتها، وبالتالي لا يقدر على الاستحسان.

الضابط السادس: ألا يؤدي الحكم المستحسن إلى ذريعة فساد:

الذريعة: هي التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة([7]).

والمفسدة: هي كل ما فوت مقصود الشارع([8]).

إذا كان الاستحسان رقيبا أمينا على مآل تطبيق الأحكام الشرعية، يحفظ خط سيرها من الميل عن طريق مقاصد الشرع، -وفي هذا مصلحة عظمى- فلا يجوز أن تنقلب الغاية من الحكم المستحسن لتصير مفوتة لمقاصد الشرع([9]).

ومثال هذا الضابط: بيع الوفاء الذي يؤول تجويزه، إلى إباحة الربا وان الحكم المستحسن كغيره من الأحكام تتطبق عليه قاعدة المقاصد والوسائل فكل وسيلة  لمصلحة لاشك أنها مصلحة، وكل وسيلة لمفسدة لا ريب أنها مفسدة، لأن وسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما عند الشارع مقصود([10]).

 

 


[1] -الموافقات في أصًول الشريعة للشاطبي، 4/153-165.

[2] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، دار الطباع 1992، ص 609.

[3] -التحسينات المالية عند الحنفية، للدكتور حسن عوض، ص 19.

[4] -الموافقات في أصول الشريعة 4/157.

[5] -الوجيز في أصول الفقه، لزيدان ص 402.

[6] -المستصفى، للإمام الغزالي، 2/511.

[7] -الموافقات في أصول الشريعة 4/157.

[8] -المستصفى من علم الأصول للغزالي 1/636.

[9] -التحسينات المالية، لحسن عوض ص 20.

[10] -إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية 3/135.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق