مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

البعد الأخلاقي في سيرة الإمام مالك 1

 

    الدكتور عبدالله معصر

    رئيس مركز دراس بن إسماعيل

 

         إن الناظر في سير الأئمة الأعلام يسترعي انتباهه ذلك الطابع الأخلاقي الذي كان صفة ملابسة لسيرهم، وهي حقيقة تؤكد أن اشتغالهم بالفقه لضبط أحكام الجوارح لم يكن ينفصل عن الحكم الأخلاقي الذي يوجه ويضبط الجوانح، بل إنهم كانوا يرون أن كل بناء فقهي لم يؤسس على أساس أخلاقي لا يجدي صاحبه نفعا.

         ومن هنا نحتاج إلى إعادة قراءة سير الأئمة قراءة أخلاقية، حتى نتبين المنهج الأخلاقي والتربوي الذي أخذوا به ولقنوه لتلاميذهم.

 ولعل الجانب الأخلاقي في سيرة الإمام مالك يعد من أهم المقاصد التي ينبغي أن يحرص على دراستها الباحثون ،حتى يقربوا مضامينها للأجيال، ليحصل النفع بها، ويتمثلوها في سلوكهم، ويدركوا أن الفقه لا ينفصل عن جوانبه الأخلاقية.

 

الأساس الأخلاقي للفتوى عند الإمام مالك : 

يعتقد كثير من الناس أن الفتوى صناعة يمكن أن تتعلم بمجرد معرفة بعض الأحكام والاجتهادات، أو بذل أي جهد عقلي، حتى ولو أوصل إلى الآراء الشاذة، أو المتسيبة أو المتطرفة.

والحقيقة أن المعرفة الفقهية وحدها لا تكفي، بل لابد من تحصيل الشروط الأخلاقية، وهذه الشروط هي :

 

         1- الأهلية الأخلاقية الكاملة :

وهي صفة تمكن صاحبها من عدم التسرع في الفتوى دون ربطها بالمسؤولية الأخلاقية للمفتي، وفي ذلك يقول الإمام مالك : ” إذا سألك إنسان عن مسألة فابدأ بنفسك فأحرزها ” [1].

 وقال أيضا : سمعت ابن هرمز يقول : ” ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري، حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري، قال : لا أدري “[2].

وكان مالك يقول : ” من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب ” [3].

 فالمسؤولية الأخلاقية للمفتي تقتضي أن يكون محصلا لهذا الشرط الأخلاقي، ولذلك كان من منهج الإمام مالك عدم التسرع في الفتوى، بل كان يحرص على تقليب النظر، ويحذر من الآفات الباطنة التي يمكن أن تلابس الفتوى، قال ابن عبد الحكم :

 كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل : ” انصرف حتى أنظر فيها فينصرف ويتردد فيها، فقلنا له في ذلك فبكى وقال : إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم ” [4].

وقد سار على  هذا المنهج مع تلاميذه، فيروي ابن وهب قائلا : ” جاء رجل يسأل مالكا عن مسألة فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقبل عليه مالك كالمغضب وقال له : جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمان ؟ يكررها عليه، ما أفتيت حتى سألت هل أنا للفتيا موضع ؟ فلما سكن غضبه قيل له: من سألت ؟ قال : الزهري وربيعة الرأي “[5].

 وفي حكاية أخرى جاء إلى مالك رجل يوما بعد صلاة الصبح ،وكان مالك لا يتكلم حتى تطلع الشمس فجلس الرجل ما شاء الله ثم قام ليذهب فقال ابن دينار : ما شأنك؟ فأخبره فأفتاه ابن دينار، فلما انفتل مالك قال : يا محمد تفتي ؟ قال : أصلحك الله، لم يطمع الرجل فيك، وقام ليذهب، فخشيت أن يذهب بجهالة، فأفتيته بما أعلم من مذهبك، فقال له مالك : عجلت “[6].

والأهلية والأخلاقية لا تحصل إلا بتزكية الباطن، وتحليته بالأوصاف الحميدة، ومجالسة الصالحين والأخيار، قال مالك : ” كنت كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة فأتعظ بنفسي أياما “[7].

 

1   : ترتيب المدارك، ج : 1، ص : 18.

2   : نفس المرجع، ج : 1، ص : 182.

3   : نفس المرجع، ج : 1، ص : 179.

4  : نفس المرجع، ج : 1، ص : 178.

5   : نفس المرجع، ج : 1، ص : 142.

6   : نفس المرجع، ج : 3، ص : 19.

7   : نفس المرجع، ج : 2، ص : 52.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق