مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

الاهتمام بتعليم النشء

  قال العلامة الحجوي رحمه الله تعالى بعد أن ساق مناظرة بين فقيهين من القرن الهجري الخامس؛ وتعريفا لمسألة فقهية، قال متأسفا على ما آل إليه الفقه من التعقيد والغموض، مستدلا في الوقت نفسه بأصلي المذهب: الموطإ والمدونة على بساطة لغة الفقه عند الأولين، مشيراً أيضا إلى ما ينبغي تعليمه لأجيالنا القادمة، وبأي طريقة ومنهج نلقنهم العلوم، قال – رحمه الله- :

  «وهذه الموطأ والمدونة شاهدتان بذلك، وهكذا بقية المجتهدين، ولهذا كانت المجالس الفقهية في الصدر الأول مجالس تهذيب لجميع أنواع الناس عوامهم وطلبتهم، فأصبحت اليوم لا ينتابها إلا الطلبة، فإذا جلس عامي حولها، لم يستفد منها شيئا، فيفر عنها، ولا يعود إذ يجدهم يحلون مقفلات التآليف بأنواع من القواعد النحوية المنطقية التي لا مساس له بها، ولو أنه وجدهم يقرءون تأليفا من تآليف الأقدمين فقهيا محضا مبينا فيه الفرع وأصله من الكتاب والسنة لاستفاد، وأفاد أهله. ومن هو مسئول عن تعليمهم فهذا سبب نقصان العلم في أزماننا، وغلبة الأمية على رجالنا ونسائنا، وحصول التأخر في سائر علومنا حتى النحو وغيره من العلوم العربية، مع أن النحو ضروري لارتقاء أمتنا الأدبي.

   إذ لا سبيل لأن نصير أمة معدودة من الأمم الحية إلا بتعميم القراءة والكتابة بين الحواضر والبوادي، وتعميم التعليم الابتدائي حتى يصير جل أفرادها رجالا ونساء يقرءون ويكتبون باللسان العربي الفصيح، بحيث يعرفون مطالعة الكتب البسيطة السهلة يستفيدون منها دينهم ودنياهم، ومطالعة الجرائد، وأخبار ما يقع في العالم، ليستوي الناس في إدراك ما لهم وما عليهم، ويتساوى السوقي والعالم، والوزير والصانع في معرفة ما هو الضار للهيئة الاجتماعية، وما هو نافع لها ليحسوا جميعا بالألم، ويعرفوا موضعه، ويتطلبوا أدواءه، فينهضوا بأجمعهم لنفعهم ودفع ضرهم ويفهموا ما يلقى إليهم من الخطاب، وما هي عليه حياة غيرهم من الأمم ليجاورها في معترك الحياة.

وهذا القدر لا نتوصل إليه إلا بتأليف كتب نحوية في غاية البساطة والسهولة تعليمية لأبناء المدارس الابتدائية وأن يكون اهتمامنا بأولادنا، وأول ما يمرنون عليه الكتابة والقراءة باللغة العربية الأصلية، وتثقيف أذهانهم بالآداب والتهذيب الديني الصحيح الخالي من كل وهم وخيال، وبث العقائد الصحيحة فيهم والضروري من الفقه.

  ولا سبيل لذلك إلا بوضع كتب على نسق كتب المتقدمين يمكن للصغار فهمها بحيث لا يصل التلميذ إلى العاشرة من عمره إلا وهو عارف بالعقائد والضروري من الدين، ولا يصل الثانية عشرة حتى يحصل على القدرة على فهم الكتب السهلة ومطالعتها على الأقل ويحصل على القدرة على الإبانة عما في ضميره بقلمه ولسانه، وفهم ظواهر الكتاب والسنة، وكتب الشريعة السهلة التي هو متدين بها.

 الفكر السامي للعلامة الحجوي: (2/702)، المكتبة العصرية، بيروت، سنة 1427هـ/2006م.

إنجاز: ذ. سعيد بلعزي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق