مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

الامام مالك وريادته في مختلف العلوم

 

         قال القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه:

        “الفصل الثاني في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر، وفيه ثلاث اعتبارات: الاعتبار الأول: أن نبين جمع مالك لدرجات الاجتهاد في الدين، وحوزه خصال الكمال في العلم، وبلوغه في ذلك المنزلة التي لم يبلغها أحد من هؤلاء المقلدين، قاصداً بذلك مقصد الحق غير راكن إلى التعصب، بائحا بالصدق ومقتصداً فيما أذكره من ذلك، غير مستبيح عرض أحد من الأئمة، وقادة الخلق. وها هنا معارك النزاع و الاعتلاج ومثار العناد واللجاج، فأقول والمستعان الله: لا خفاء على منصف بمنصب مالك من الإمامة في علوم الشريعة وعلم الكتاب والسنة وأنه إمام المسلمين وأعلمهم في وقته بسنة ماضية وباقية وأمير المؤمنين في الحديث، ثم العلم بالاختلاف والاتفاق، وهذا كله ما لا ينكره مخالف ولا مؤالف إلا من طبع على قلبه التعصب، وأنه القدوة في السنن وهو أول من ألف فأجاد التأليف ورتب الكتب والأبواب، وضم الأشكال، وصنع من ذلك ما اتخذه المؤلفون بعده قدوة وإماماً إلى وقتنا هذا في أقطار الأرض، هذا مع صعوبة الابتداء وحيرة الاختراع، وهو أول من تكلم في غريب الحديث وشرح في موطئه الكثير منه، وقد قال الأصمعي: أخبرني مالك أن الاستجمار هي الاستطابة ولم أسمعه إلا من مالك، وله في تفسير القرآن كلام كثير وقد جُمع، وتفسير يرويه عنه بعض أصحابه، وقد جمع أبو محمد مكي مصنفاً فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه مع تجويده له، وإحسانه ضبط حروفه، وقد ذكره أبو عمرو المقري في كتابه في طبقات القراء المتصدرين وذكر رواية عن نافع،  قال البهلول بن راشد وغيره ما رأيت أنزع بآية من مالك بن أنس، مع معرفته بالصحيح والسقيم، والمعمول به من الحديث المتروك، وميزه للرجال وصحة حفظه وكثرة نقده، إلى ما يؤثر عنه من الكلام في غير ذلك من العلوم كرسالته إلى ابن وهب في الرد على أهل القدر، وكقوله: جالست ابن هرمز ثلاث عشرة سنة، ويروى ست عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد من الناس، قال: وكان من أعلم الناس بالرد على أهل الأهواء، وبما اختلف فيه الناس، وقال المهدي: أخبرني بعض نقاد المعتزلة من القرويين قال: أتيت مالك بن أنس فسألته عن مسألة من القدر بحضرة الناس فأومأ إلي أن اسكت فلما خلا المجلس قال لي سل الآن وكره أن يجبني بحضرة الناس.

       قال: فزعم المعتزلي أنه لم تبق مسألة من مسائلهم إلا سأله عنها وأجابه فيها، وأقام الحجة على إبطال مذهبهم حتى نفذ ما عند المعتزلي وأقام عنه، وتأليفه في الأوقات وفي النجوم وإشاراته إلى مأخذ الفقه وأصوله التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها، وقواعد بنوا عليها، وغيره ممن ذكرنا، لم يجمع هذا الجمع ولا وصل هذا الحد مع استقلالهم بالفقه ووصفهم بالعلم ولكن فوق كل ذي علم عليم، مع الثقة التامة والتقوى وشدة التحري في الحديث و الفتيا.

    ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض،    تحقيق: د. علي عمر، الطبعة الأولى 1430هـ- 2009، دار الأمان، 1/72.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق