مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الإيمان 4

 

د/جمال بوشما 

باحث بمركز دراس بن اسماعيل

ويتوافق هذا التقريب المغربي للمتن العقدي لابن أبي زيد القيرواني مع التقريب القيرواني التونسي الذي جاء عند العالم محمد بن سلامة الأنصاري عند شرحه لقول ابن أبي زيد القيرواني ” الإيمان بالقلب ،والنطق باللسان أن الله إله واحد” يقول أن الإيمان في الشرع هو” التصديق بالقلب بوجود الحق تعالى ، وصفات كماله وجلاله،وصحة الرسالة وما جاءت به الرسل من عنده مع الجزم بذلك كله،والإقرار باللسان به مع القدرة والتمكن من النطق …. وأما من صدق بقلبه ونطق بلسانه ولم يعمل بجوارحه،فمذهب أهل السنة أنه مؤمن ، غير أنه عاص بترك العمل متوعدا عليه بالعقوبة. فإن نفذ فيه الوعيد فلا بد أن يخرج من النار ويدخل الجنة بإيمانه. وقالت المعتزلة: من لم يعمل بجوارحه فليس بمؤمن وهو مخلد في النار،وهذا خلاف لأهل الحق أجمعين،إذ أجمعوا على الصلاة عليه وتوريثه وعده في سواد المسلمين…. وما وقع في الأحاديث من تسمية أعمال الجوارح إيمانا فذلك باعتبار كمال الإيمان ،لا بأنها جزء ماهيته ، وقد وقع الإجماع على أن الإيمان شرط في العمل، والشرط يغاير المشروط بالاتفاق،وقد فرق عليه الصلاة والسلام بين الإيمان والإسلام في حديث جبريل ،ويكون الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى باعتبار العموم والخصوص،لاشتراك الإيمان والإسلام في الانقياد، فكل مؤمن مسلم،وليس كل مسلم مؤمنا، قال الله تعالى” قالت الآعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا” (الحجرات الآية14). وإذا كان الإيمان بمعنى التصديق ،وكان الإسلام بمعنى الاستسلام صح أن يكون الإسلام بالجوارح إيمانا وتصديقا،وصح أن يكون الإقرار باللسان عن تصديق القلب استسلاما، فأطلق اسم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف إذا اختلفا ففارق الباطن الظاهر،فيسمى الظاهر إسلاما ولا يسمى إيمانا، فثبت بهذا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس” النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة /68-71.

فتبين من الشرحين أن المتن العقدي للرسالة القيروانية يندرج ضمن المذهب السني، كما بينته الشروح المغربية والقيروانية.

وقد تبين أن العمل غير داخل في قوام حقيقة الإيمان ،وغير مندرج في ماهيته. كما أنه غير ساقط بالكلية، بل إن العمل هو شرط كمال الإيمان ” فمن أتى بالعمل فقد حصل الكمال،ومن تركه فهو مؤمن لكنه فوَّت على نفسه الكمال إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أوشك في مشروعيته” تحفة المريد على جوهرة التوحيد للبيجوري /94.

ومن هنا يفهم معنى كون العمل كالتتمة والتكملة ” كما يقال الرأس واليدان من الإنسان، ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنسانا بعدم الرأس ولا يخرج عنه بكونه مقطوع اليد،وكذلك يقال التسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل بفقدها ، فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان إذ ينعدم بعدمه وبقية الطاعات كالأطراف بعضها أعلى من بعض،وقد قال صلى الله عليه وسلم”

لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن” [متفق عليه من حديث أبي هريرة] والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا ولكن معناه غير مؤمن حقا إيمانا كاملا كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسان” إحياء علوم الدين ج1/169.

إن العمل هو شرط كمال الإيمان وليس شطرا منه ، وهذا يجلي وسطية الأشعرية التي أحيت مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة حدِّ الإيمان ، فلم تتطرف جهة من اعتبروا العمل ركنا من أركان الإيمان وأصلا من أصوله ، فنشروا القول بالتكفير والتفسيق وسط الأمة، ولعل بسط القول في التطرف سيجلي أكثر الوسطية والاعتدال عند الأشاعرة في هذه المسألة. فبضدها تعرف الأشياء. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق