وحدة الإحياءدراسات عامة

الإنسان بين الوحي والكون.. تأملات في آيات الوجهة في القرآن الكريم

يقول الله، تبارك وتعالى، في كتابه الحكيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الروم: 29).

انطلاقا من هذه الآية الكريمة، ومن آيات عدة أخرى توجه حركة الإنسان في الكون، سيعمل هذا البحث على استخراج بعض محددات الحوار بين الإنسان والكون، ليكون حوار ذا وجهة سليمة متوافقة مع الرؤية القرآنية لما ينبغي أن يكون عليه هذا الحوار.

تبدأ قضية العلاقة بين الإنسان والكون من قصة الاستخلاف، استخلاف آدم، عليه السلام، التي تحدد العلاقة بين الإنسان وسائر المخلوقات، والوجهة التي ينبغي عليه سلوكها في علاقته مع هذه المخلوقات، ليعود إلى الجنة بعد خروجه منها نتيجة تغيير أساليب حواره مع الكون، هذا التغيير الذي يرمز إليه أكله من الشجرة المحظورة رغم انتفاء الحاجة إليها ورغم وجود ما يغنيه عنها، والإذن المطلق له في ما سواها: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 34).

فالله تعالى قد ميزه عن الملائكة بتعليمه الأسماء كلها، وأذن له بأن يأكل من الجنة رغدا من حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة فقط من خيرات الجنة، لكن الشيطان تدخل ليغير وجهة آدم، فأصبح همه الخلد، أو الملائكية (رمز السلطة أو القوة): ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (الأعراف: 19)، ولذلك أكل من الشجرة، فأخرجه الله من الجنة بعد أن سخر له المادة وزوده بالعلم، وأعانه بالمغفرة، ودله على الوجهة، وأمره أن يعيد التفاعل مع كل تلك العناصر بشكل صحيح ليتمكن من الرجوع إلى الجنة، لكن عليه أن يقاوم الشيطان الذي سيعمل على تغيير وجهته باستمرار وإصرار.

من خلال هذا الملخص عن قصة بداية الخلق تتضح مقومات استخلاف آدم وذريته في الأرض.

مقومات الاستخلاف

كما سبقت الإشارة، فإن الله تعالى لما استخلف آدم وأنزله إلى الأرض، موضوع الاستخلاف، قد سخر له المادة و زوده بالعلم وأعانه بالمغفرة، ودله على الوجهة، وهذه هي مقومات استخلافه في الأرض.

1. تسخير الكون

يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن التسخير، أن الكون كله مسخر للإنسان تسخير امتلاك، تسخيرا يفعل الإنسان بموجبه ما شاء وكيف شاء متى شاء، والحقيقة أن هذا التسخير مشروط بشرطين:

أ. الشرط الأول: حفظ كرامة الإنسان في علاقته مع الكون/المادة؛ إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يسخر الإنسان؛ أي إنسان للكون، أو أن تصبح المادة هي الهدف ولو تم الوصول إليه عبر امتهان كرامة الإنسان التي هي ميزته وخاصيته، قال سيد قطب إنه من الاعتبارات التي يمكن استخلاصها من استخلاف آدم وذريته في الأرض: “أن الإنسان سيد هذه الأرض، ومن أجله خلق كل شيء فيها… فهو إذن أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي، ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعا. ولا يجوز، إذن، أن يُستعبد أو يُستذل لقاء توفير قيمة مادية أو شيء مادي.. لا يجوز أن يُعتدى على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة، ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي كسب مادي، أو إنتاج أي شيء مادي، أو تكثير أي عنصر مادي. فهذه الماديات كلها مخلوقة ، أو مصنوعة، من أجله. من أجل تحقيق إنسانيته. من أجل تقرير وجوده الإنساني. فلا يجوز، إذن، أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية، أو نقص مقوم من مقومات كرامته”[1].

ب. الشرط الثاني: حفظ النظام العام للكون بكل عناصره بما فيها الإنسان ذاته، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41). وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 55)، ونهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن قطع الأشجار ودعا إلى غرسها ولو عند قيام الساعة كما بين أجر الغرس والزرع.

فإذا كان الكون بكل عناصره مسخرا للإنسان، فإن الإنسان يبقى عنصرا مهما من هذه العناصر الفاعلة في إعمار الأرض أو خرابها، ذلك أن الإنسان وهو يعمل في المختبر، مثلا، لا يقصد، غالبا ولحد الساعة، إلا اكتشاف التفاعلات الممكنة بين عناصر الكون المختلفة، غير أنه، في معظم الأحيان، لا يعي بأنه بعمله ذاك في المختبر، إنما يحقق تفاعلا من التفاعلات التي له مع هذه العناصر، إذ يشكلها بتفاعله أيضا معها خدمة لوجهات مختلفة، هذا التفاعل الذي هو سبب تميزه عن سائر المخلوقات، والذي هو من تجليات تعليمه الأسماء كلها ومن ثم إسجاد الملائكة له. ولذلك، كان الإنسان، في النظرة القرآنية، عنصرا مهما في هذا الكون، مطالبا، بموجب الخلافة أن يُسَير الكون ويُخضعه لمطالب الخلافة، لا أن يخضع هو للكون على حساب كرامته التي تجعله فوق سائر المخلوقات، فوقية السياسة والتدبير والإصلاح، لا فوقية الصراع والتدمير والإفساد.

وإذن فتفرد الإنسان بهذا التميز لا ينبني على مجرد التفاعل مع باقي عناصر الكون، بل على نوع التفاعل وأهدافه، وذلك ما سيتضح من خلال الحديث عن ثاني مقومات الاستخلاف وهو العلم.

2. تزويده بالعلم

لو أعدنا التأمل في قصة الاستخلاف، خاصة الجزء الذي تفردت سورة البقرة بذكره، وهو قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ..﴾ (البقرة: 29-33)، فإننا بإعادة النظر في هذه القصة نخلص إلى عدة نتائج، إذ نعلم جميعا أن الله تعالى خص آدم، عليه السلام، بعلم لم يعلمه الملائكة، وقد ذكر المفسرون أقوالا في معنى الأسماء التي تعلمها آدم، ومجمل الأقوال تدور على قسمين:

ـ الأول يتمثل في أن تعليم آدم، عليه السلام، الأسماء يعني تعليمه أسماء جميع المخلوقات، حيث يرى أصحاب هذا الرأي أن جميع المخلوقات عرضت على آدم ثم علمه الله أسماءها، جاء في بعض التفاسير أن “الله، تبارك وتعالى، حشر الطير والدواب وهوام الأرض كلها، فعلم آدم، عليه السلام، أسماءها، فقال: يا آدم، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار، حتى سمى له كل دابة وكل طير باسمه، ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾، ثم عرض أهل تلك الأسماء على الملائكة الذين هم في الأرض”[2]. بل ذكر أنه علمه أسماء جميع ما يحتاجه من مسميات حتى القصعة والقصيعة كما ورد في معظم التفاسير.

ـ أما الرأي الثاني فيتمثل في أنه علمه المسميات وخصائصها وطبائعها، وقد نسب ابن الفرس(ت 595ﻫ) هذا القول إلى أكثر العلماء، قال: “وقال أكثر العلماء: علمه تعالى منافع كل شيء، ولما يصلح”[3]، ووردت العبارة نفسها في عدة تفاسير[4].

وقال الشيخ أبو زهرة في معرض تفسيره للآية: “بهذه الخاصة التي وهبها الله تعالى للإنسان، وهي الاستعداد للمعرفة والعلم بكل ما في الأرض، فكان بذلك ممتازا على الملائكة ويتبعهم الجن[5]“.

لكن بمزيد تأمل في الآية ندرك أن الأسماء تلك لم يكن عِلْمها عند آدم ابتداء، بل عَلّمه الله إياها في معرض إعداده للخلافة، وإفحام الملائكة الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، وهذا العلم نفاه الملائكة عن أنفسهم لأنه لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله قد علَّم آدم ولم يُعَلم الملائكة، ولو علَّمهم لعلِموا، ففيم امتياز آدم وهو أيضا لا علم له لولا تعليم الله إياه؟ ثم فيم استمرار تميزه ثم استحقاقه الاستخلاف بعد أن سمع منه الملائكة الأسماء ووعوها، وبذلك قد يكون علمهم بالأسماء تساوى مع علم آدم بها بعد سماعهم أسماءها منه؟

هذا الجو العام للقصة يجعلنا نتساءل عن ماهية علم آدم عليه السلام، وما إذا كان قاصرا على علم محدود في الزمان والمكان، كما هو شأن تعلم مجرد الأسماء التي عرضها عليه، أو حتى خصائصها ومنافعها، وكل ذلك مما يمكن للملائكة إدراكه، وهو نفسه ما لم يتيسر لآدم، عليه السلام، إلا بتعليم من الله حيث قال: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.

 ومن ثم أقول: ألا يكون هذا العلم علما خاصا قد يكون من قبيل التفاعل المستمر مع الأسماء والمسميات، ولذلك فهو في حقيقته تطوير للعلم وحوار مع موضوعاته، وهذا الذي تقف قدرة الملائكة دونه، لأن علمهم يقف عند حدود ما علمهم الله تعالى دون مزيد عليه؟

وبهذا المعنى يفهم قول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، ولقد حضر في ذهني هذا الفهم بعد طول تأمل للآية، ثم رحت أبحث في التفاسير علني أجد ما يطمئنني إلى صواب ما وصلت إليه، فوجدت إشارة غير مباشرة من الشيخ الطاهر ابن عاشور الذي يرى بأن المقصود بالأسماء هو القدرة على النطق ووضع اللغة، وبعد أن قرر هذا المعنى قال: “وأيا ما كانت كيفية التعليم فقد كان سببا لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية للتعبير عما في الضمير. وكان ذلك أيضا سببا لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم[6].

فعبارته الأخيرة التي تفيد بأن استفادة المجهول من المعلوم هو مبدأ العلوم، مع كونها جاءت في سياق مخالف لما أنا بصدد إثباته، إلا أنها تفسر تفوق جنس بني آدم على سائر المخلوقات، وتبين أن قوته تلك هي أداة تسخيره للكون، كما أنها، من وجه آخر، ربما تمثل الفرق بين علم آدم عليه السلام وعلم الملائكة في قصة الخلق والاستخلاف.

وأقرب من كلام الطاهر ابن عاشور، مما وجدته في هذا السياق، ما جاء في تفسير عبد الله محمود شحاته (ت 1423ﻫ)، قال: “اختلف في هذه الأسماء التي علمها الله سبحانه آدم، أعني الإنسان، والرأي في هذا أن الله سبحانه أودع في الإنسان القدرة على البحث والنظر والكشف عن خصائص الأشياء وعللها وأسبابها والوقوف على أسرارها المودعة فيها، وحلها وتركيبها… وبهذه القدرة عرف حقائق كثير من الأشياء، وهو جاد أبدا في الكشف عن المزيد منها يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل وعصرا إثر عصر، وكلما عرف حقيقة وضع لها اسما تعرف به. فالمراد بالأسماء هنا هو مسميات تلك الأسماء، والمراد بالمسميات خصائص هذه المسميات وحقائقها”[7].

فمعرفة الخصائص، والتفاعل مع المخلوقات بناء على هذه الخصائص، هو ما تعجز عنه الملائكة، لأنه من متطلبات الخلافة في الأرض، ومن ثم من خصائص الإنسان المعد لهذه الخلافة.

3. إعانته بالمغفرة

خلق الله تعالى ابن آدم خطاء، وجعل إبليس له بالمرصاد يقف في طريق وجهته التي فطره الله عليها، ولكنه أعانه بالمغفرة ليتمكن من الإقدام على السير في طريق الرجوع إلى الجنة دون توقف، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ. وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 19-21)، وقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 28)، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 111).

4. دله على الوجهة

اشتقاق الوجهة التي تتضمن معنى القصد من الوجه، ذلك أن “الوجه يطلق على وجه البدن ووجه النفس؛ وهو ما تتوجه إليه من المقاصد ومنه “أسلمت وجهي لله…” “قاله رشيد رضا في تفسير المنار[8]، ثم استدل في موضع آخر من تفسيره على أن الوجه يراد به القلب أيضا، قال: “ومن الشواهد على استعمال الوجه بمعنى القلب حديث: “لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم “، وفي رواية: قلوبكم. رواه أحمد وأصحاب السنن”[9].

قلت: ومن الشواهد على ما قاله أيضا قول إخوة يوسف لبعضهم بعضا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف: 9).

وعليه، فالوجهة هي كل ما يستقبله الإنسان بوجهه؛ أي ببدنه أو بقلبه. جاء في اللسان: “والجِهَةُ والوِجْهَةُ جَمِيعًا: الموضعُ الَّذِي تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَتَقْصِدُهُ. وضَلَّ وِجْهَةَ أَمْرهِ أَي قَصْدَهُ”[10].

ولقد ورد من مشتقات مادة وجه في القرآن الكريم: الوجه والوجهة، ووردت الوجهة في موضع واحد من القرآن الكريم هو قوله سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 147)، ومن هذا الموضع نستفيد أن الوجهات متعددة، وأن استباق الخيرات محدد لخيرية الوجهة ودليل على كونها الوجهة الأفضل والأصوب كما قاله بعض المفسرين.

ـ وورد الوجه بمعنى قريب من الوجهة والمقصد في عدة آيات قرآنية، منه ما اقترن بالله تعالى مثل قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 114).

ـ ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 271).

ومنه ما ارتبط بالإنسان بمعنى وجه النفس كما سبق، أو الوجهة التي عليه أن يقصدها، وورد هنا بمعنيين متقابلين:

الأول؛ ورد فيه مرتبطا بالإكباب والانقلاب وصفا لمن يزيغ عن المقصد، من ذلك قوله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ. قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الملك: 23-25).

ـ وقوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: 11).

والثاني؛ وهو الوجهة السليمة التي على الإنسان قصدها، وفيه اقترنت استعمالات الوجه بالتوجه والإقامة والإسلام، فجاءت بلفظ: توجيه الوجه، وإقامة الوجه، وإسلام الوجه، وتفصيل ذلك في ما يلي:

  1. توجيه الوجه في قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ إلى قوله. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 78-80).
  2. إقامة الوجه في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 28).

ـ ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس: 105).

ـ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 29).

ـ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ (الروم: 40-42).

  1. إسلام الوجه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ. وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 19-21).

ـ ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 110-111).

ـ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا. وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ (النساء: 123-125).

ـ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 19-20).

إذا حاولنا ترتيب الاستعمال بحسب النزول سنحصل على النتيجة الموالية:

ـ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 28).

ـ ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس: 105).

ـ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 80).

ـ ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 21).

ـ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 29).

ـ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (الروم: 42-43).

ـ ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 111).

ـ ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 20).

ـ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ (النساء: 124-125).

يلاحظ أن هناك تدرجا في ضمائم الوجهة ومحدداتها، بمعنى آخر، هناك تدرج في معاني المصطلحات المرتبطة بالوجهة، ففي القرآن المكي، باستثناء آية سورة لقمان، كان الحديث عن إقامة الوجه هو الغالب، أما توجيه الوجه إلى الله، فقد ورد حكاية عن إبراهيم، عليه السلام، وهو قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 80).

فهو أسبق زمنيا من إقامة الوجه، وهو يختص بالعقيدة؛ لأن الأمر يتعلق ببحث إبراهيم عن الخالق للكون، ثم بعد رحلة البحث تلك ومعاناته في سبيل الوصول إلى الحقيقة، عزم على توجيه وجهه للذي فطره، فالأمر لا يتعدى جانب العقيدة في بداياتها الأولى المتمثلة في معرفة الخالق سبحانه.

ثم في الآيات التالية، جاء الأمر بإقامة الوجه للدين، وهو وإن كان مختصا بالعقيدة، فقد تضمن معنى العبادة مع إضافة شرط التوحيد، بدليل مقابلته للشرك مع وصف “الحنيف”الدال على الاستقامة على طريق التوحيد والميل عن الشرك في مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس: 105).

أما القرآن المدني فوردت فيه صيغة (إسلام الوجه) مع إضافة لفظ الإحسان في موضعين من ثلاثة، ونفس الصيغة وردت في القرآن المكي في موضع واحد هو الآية 21 من سورة لقمان، مع تسجيل الاختلاف الوارد في تعدية الإسلام بـ(إلى): ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ على خلاف تعديته في جميع القرآن المدني باللام..

 وهاهنا نكتة لطيفة تتمثل في أن الأمر في القرآن المكي كان يتعلق بالدعوة إلى التعرف على بداية الطريق الموصل إلى الحق، بينما في القرآن المدني أصبحت الدعوة متعلقة بسلوك هذا الطريق إلى نهايته مع الإحسان فيه، يدل على ذلك ما قاله الدارسون عن الفرق بين التعدية بـ(إلى) والتعدية باللام، مثل قول الرازي إن “أسلم لله أعلى درجة ممن يسلم إلى الله، لأن إلى للغاية واللام للاختصاص، يقول القائل أسلمت وجهي إليك أي توجهت نحوك، وينبئ هذا عن عدم الوصول، لأن التوجه إلى الشيء قبل الوصول، وقوله أسلمت وجهي لك يفيد الاختصاص ولا ينبئ عن الغاية التي تدل على المسافة وقطعها للوصول”[11].

أما عن معنى الإحسان فقد قال المفسرون إنه العمل الصالح، وبذلك ينتقل الأمر في القرآن المدني من العقيدة، إلى العقيدة والشريعة مع الإحسان الذي هو أعلى المقامات التي يمكن أن يصل إليها المؤمن في طريق رجوعه إلى ربه، هذا الإحسان الذي هو موضوع الابتلاء وعليه مدار الفوز أو الخسران، ولأجل تمحيصه خلق الله الموت والحياة، وهذا ما يفسره قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2).

والإحسان مفهوم شامل لكل حركة الإنسان في الكون، وهو حسب التعريف النبوي، أن يتحرك الإنسان في الكون تحت إحساس بالرقابة الإلهية، تلك الرقابة التي دربه الله على استشعارها، بشكل مباشر في قصة بداية الخلق، الواردة في آيات القرآن الكريم، عندما خلق الله آدم فأمره بأشياء ونهاه عن أخرى، وعلمه كيف يجب عليه امتثال التعاليم والوقوف عند الحدود من خلال ذلك النموذج الذي من المفروض أن يُرَسخ عند الإنسان الغاية من خلقه، المتمثلة في عبادة الله بمفهوم العبادة الشامل، فدربه على استحضار الله تعالى في كل حركاته وسكناته، وهذا هو معنى الإحسان المطلوب..

 فالله تعالى هناك في الجنة كان يتولى الأمر والنهي والثواب والعقاب في اللحظة بعد اللحظة دون تأخير، بشكل يحيل على حقيقة الحساب التي يجب استحضارها في حياة المؤمن، كما يحيل على علاقة الإنسان السليمة بالكون، وعلى القصد الذي ينبغي أن يكون له من وراء تفاعله مع الكون في إطار علاقة العبادة التي تربطه برب الكون. هذه المعاني كلها يمكن ملاحظتها من خلال مجمل آيات ورود الوجهة، من ذلك أنها تربط الإنسان بالفطرة، وأنها تذكره بقصته مع الغواية، وبنعم الله التي سخرها له، وفي كل ذلك تأكيد على محددات الوجهة السليمة ودرجات الطريق الموصل إليها، بما يتيح رجوعه بسلام إلى الجنة التي بدأت منها رحلته في هذا الكون.

خاتمة

أختم بنص قرآني يدل على شبه الإنسان بما يحيط به، في تفاعله مع الذكر، وفي ذلك تذكير باعتباره عنصرا من عناصر الكون، في ثلاثية لابد من الاستمرار في البحث عن محددات العلاقة بين مكوناتها (الوحي، الإنسان، الكون) للوصول إلى الله عبر رحلة وجودية آمنة من مبدئها إلى منتهاها.

يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ. أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 20-22).

فتفاعل الإنسان مع الذكر، يشبه تفاعل الأرض مع الماء، والماء والذكر كلاهما ينزلهما الله تعالى للذكرى، والإنسان مطالب بأن يتذكر ويتفاعل مع الذكر تفاعل الأرض مع الماء، حتى يحقق النفع لنفسه وللكون، و﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.

الهوامش

[1]. سيد قطب، في ظلال القرآن، بيروت: دار الشروق، ط17، 1412ﻫ، 1/60.

[2]. أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخي، تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق: عبد الله محمود شحاتة، بيروت: دار إحياء التراث، ط2، (1423ﻫ/2002م)، 1/98. وانظر: تفسير الطبري أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، (تفسير الطبري) جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، (1420ﻫ/2000م).

[3]. عبدالمنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد الخزرجي الغرناطي، أحكام القرآن، طبعة ابن حزم، (1427ﻫ/2007م)، ضمن الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم، فاس: مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، الإصدار الأول، (1432ﻫ/2011م). نسخة إلكترونية.

[4]. عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي أبو محمد، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، (1422ﻫ/2001م)، 1/120. عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف أبو زيد الثعالبي المكي، الجواهر الحسان في تفسير القرآن (تفسير الثعالبي)، تحقيق: علي معوض-عادل عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي،  (1418ﻫ/1997م)، 1/209.

[5]. محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، د. ط، د. ت، 1/196.

[6]. محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، الدار التونسية للنشر، 1984م، 1/410.

[7]. عبد الله محمود شحاتة، تفسير القرآن الكريم، القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 2000م . الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم، م، س.

[8]. رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، الهيئة المصرية للكتاب، 1990م، 5/55.

[9]. المرجع نفسه، 7/469. والحديث لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، صحيح مسلم: المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، باب: تسوية الصفوف… حديث رقم:127. قال محمد فؤاد عبد الباقي: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) قال النووي قيل معناه يمسخها ويحولها عن صورها لقوله صلى الله عليه وسلم: يجعل الله صورته صورة حمار وقيل يغير صفاتها والأظهر والله أعلم أن معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب]. وورد في صحيح البخاري رقم:717.

[10]. ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، بيروت: دار صادر/لبنان، ط1، (1410ﻫ/1990م)/ وجه.

[11]. الفخر الرازي عند تفسيره للآية 22 من سورة لقمان.

Science
الوسوم

دة. كلثومة دخوش

عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق