مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الإرشاد إلى تقريب الاعتقاد

إعداد:

الدكتور عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل.

الدكتور مولاي إدريس غازي باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

الخامس: الاستثناء في الكلمة المشرفة استشكل بأنه إن كان متصلا لزم أن يكون من الجنس، ولا مجانسة بين الذات العلية وبين شيء من الأشياء، وإن كان منقطعا لزم ألا يصدق عليه تعالى لفظ إلا له حقيقة وهو باطل، وجوابه أنه متصل، وليس المراد بقولهم  الاستثناء المتصل ما يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، إذ هنالك مشاركة بينهما في الماهية والحقيقة، بل المراد بالمجانسة مجرد دخول ما بعد الأداة في مفهوم المستثنى منه وصدق المستثنى منه عليه من حيث اللغة، وذلك موجود هنا، لأنك تقول الله إله.

السادس: إذا كان اسم لا النافية للجنس مفردا أي غير مضاف ولا شبيه به كما في كلمة التوحيد فعند سيبويه  لا عملت في محله النصب، وهو مبني على الفتح لفظا للتركيب أو لتضمين معنى من الاستغراقية، ولا عمل لها في الخبر، بل اسم لا مرفوع المحل أيضا بالابتداء باعتبار ما قبل دخولها، والخبر المذكور أو المقدر خبر المبتدأ من حيث هو مبتدأ لا من حيث إنه اسم لا، فلا عمل لِلَا فيه، بل هو مرفوع بالابتداء كما كان قبل دخول لا.

 ويتسمح المعربون فيقولون مجموع لا مع اسمها في محل رفع بالابتداء عند سيبويه، ولا وجه لذلك، لأن المبتدأ اسم، و المركب من الحرف والاسم ليس باسم، فالتحرير الموافق لنص كلام سيبويه أن الاسم  بعدها فقط في موضع رفع بالابتداء عنده باعتبار ما كان قبل دخولها، فليست ”لا” جزءا من المبتدأ حتى كانت القضية معدولة الموضوع.

 فإن قلت الابتداء زال بدخول الناسخ فكيف يراعى ويكون عاملا في الاسم بعد دخول ما يضاده. قلت ”لا” ناسخٌ ضعيف بكونها حرفا ثنائيا ثانيه لين مع أن أصلها أن لا تنسخ الابتداء ولا تعمل، ولكن حملت على أن المحمولة في العمل على كان المتأصلة في النسخ، ومع كونها كالجزء من اسمها لاسيما على القول بالتركيب ولم يشاركها غيرها من النواسخ فيما ذكر، فلذا لم تبطل عند سيبويه حكم الابتداء، وذهب الأخفش إلى أنها عاملة في الخبر مطلقا وأنه خبرها لا خبر المبتدأ، فعلى قول سيبويه يجوز أن لا يقدر في الكلمة المشرفة محذوف بأن يكون اسم الجلالة بعد إلا هو الخبر، لأنه خبر المبتدأ عنده لا خبر “لا”، فلم تعمل في موجب ولا معرفة، وتضعيف السعد لهذا الوجه معنى غير سديد، بل المعنى عليه كالمعنى على تقدير موجود سواء، وعلى قول الأخفش لا يجوز أن يكون اسم الجلالة خبرها، لأنها لا تعمل في موجب ولا معرفة، فيجب تقدير الخبر قبل إلا، والتقدير: لا إله أي معبودا بحق موجودا وفي الوجود إلا الله، وهذا التقدير الذي يوجبه الأخفش يجوزه سيبويه ولا يوجبه، بل ينبغي أن يكون عنده مرجوحا، لأنه إذا أمكن استغناء الكلام عن التقدير فلا ينبغي ارتكابه، واسم الجلالة على هذا التقدير بدل إما من ضمير الخبر المحذوف معه وهو أولى، لأنه أقرب ولأنه إبدال على اللفظ، وإما من اسم لا باعتبار ما قبل دخولها فهو إبدال على المحل، و انظر هل يجوزه الأخفش مع قوله إنها عاملة في الخبر، والظاهر لا لأنها إذا عملت في الخبر وكان الخبر لها فقط أبطلت  حكم الابتداء، فلا محل لاسمها باعتبار الابتداء حينئذ، فإن قلت هل يجوز أن يراد بالإله المعبود مطلقا، ويقدر الخبر لنا فلا يلزم الكذب باعتبار المعبودات الباطلة، لأن ذلك إذا قدر موجودا وفي الوجود، أما إن كان المعنى لا معبود لنا إلا الله فهو صحيح. قلت يمنع هذا أنه لا يحصل به المقصود من نفي ألوهية غير مولانا جل وعلا في الواقع جملة ورأسا فتأمله. ولم يأت اسم الجلالة في هذه الكلمة المشرفة في التنزيل إلا مرفوعا باتفاق السبعة، ولا يجوز نصبه على البدلية من اسم لا باعتبار عملها فيه، لأن اسم الجلالة معرفة موجب وهي لا تعمل في معرفة ولا موجب، نعم يجوز نصبه على الاستثناء لكنه مرجوح صناعة، لأن المختار في المستثنى المتصل من كلام تام غير موجب الإتباعُ لا النصب على الاستثناء كما قال في الخلاصة: وبعد نفي أو كنفي انتخـب * اتباع ما اتصل، ومرجوح معنى أيضا  لقول ابن يعيش حسبما نقله في الأشباه: الفرق بين البدل والنصب في قولك: ما قام أحد إلا زيد أنك، إذا نصبت جعلت معتمد الكلام النفي، وصار المستثنى فضلة فتنصبه كما تنصب المفعول، وإذا أبدلته منه كان معتمد الكلام إيجاب القيام لزيد، وكان ذكر الأول كالتوطئة هـ. فعلى هذا إذا نصب اسم الجلالة على الاستثناء صار المعتمد من الكلام نفي الألوهية عن غيره تعالى، لا إثباتها له، فإنما قصد تبعا، وقد يجاب عن المرجوحية الأولى بأن رجحان البدل إنما هو حيث تحصل به مشاكلة المستثنى منه حتى أنه يستوي مع النصب على الاستثناء في نحو: ما ضربت أحدا إلا زيدا. و يترجح النصب على الاستثناء في نحو: لا رجل إلا زيدا، إذ المشاكلة ح إنما هي في النصب لا في الرفع على الإبدال على المحل، وعليه فالنصب في الهيللة أرجح من الإبدال بالرفع، وعن المرجوحية الثانية بأن الأهم من الكلمة المشرفة إنما هو نفي الألوهية عن غيره تعالى، إذ كُفْر من كَفَر إنما كان بإثبات الإله مع الله، وأما إثبات ألوهيته تعالى فلا نزاع فيها بين العقلاء إلا من شذ من الدهرية .

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص: 110-111-112.

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق