مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

الأخطاء المرتكبة يوم الجمعة

يقول العلامة محمد بن محمد بن عبد الله بن المؤقت (ت1369م): «فما شاهدناه من مثالب الجمعة اليوم: هو أن الناس لا يعرفون إلا إدراك الصلاة خلف الإمام، وإن فاتت فبدلها الظهر، لا يعرفون شيئاً مما لها من الحقوق، فمن ذلك تغافلهم باللهو واللعب والبيع والشراء عنها حتى إذا حان وقتها دخلوا المسجد بقدر ما يدركون الصلاة ولو الركعة الأخيرة.

وقد ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه دخل المسجد يوم الجمعة فوجد ثلاثة سبقوه فتأسف على فوات فضيلة السبق لما كان يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رَوَاحهم إلى الجمعات»، فقال متأسفاً: «رابع أربعة، وما رابع أربعة من الله ببعيد»، فانظر ما حال من لا يجيء إلاَّ والإمام أحرم، أو في الثانية خصوصاً؟ وقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بَدَنَة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».

فعندنا معشر المالكية محمول على ساعة الصلاة، والمراد تقسيمها أي من جاء في القسم الأول من ساعة الصلاة فكأنما قرّب كذا، أو في القسم الثاني وهكذا، وقد ورد وعيد كبير في التهاون بأمر الجمعة أو تركها أورده الديلمي وغيره، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال العبد متهاونا حتى يغضب الله عليه»، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: «لينتهينّ أقوام عن وَدْعهِم الجمعات أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثم ليكوننّ من الغافلين»، والوَدْع: بفتح الواو وسكون الدال: الترك، ومنها ما رواه الطبراني من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَسْعَ إلى الجمعة، ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد»، ومنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرّات من غير ضرورة طبع الله على قلبه».

ومن مثالبهم: الغفلة عن فضائل الجمعة كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما طلبت قراءته من القرآن يومها وليلتها كسورة الكهف، فقد ورد عن أنس كما روى البيهقي في شعبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن فعل ذلك كنت له شهيداً وشافعاً يوم القيامة» (…) وقد ذهب بعض العلماء إلى أفضلية الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها عن الصلاة النافلة وقراءة القرآن إلاّ الكهف ويس.

ولكون إخوان العصر لا يعرفون إلاَّ اللغو في المساجد أو حديث الدنيا، والصالح فيهم يجلس ساكتاً لا يصلي على الرسول ولا يقرأ لأنه مشغول البال، إمّا بغير الله أو بغلبة النوم وقتئذ، بل لا يعرفون غسل الجمعة مع أن بعض العلماء أوجبه، ولا الطيب ولا السواك ولا غير ذلك من آدابها، فلا تجد جماعة أعظم منها يمتلئ المسجد وقتها من المصلين، وبعدها قد يصلي الإمام وحده أو بجماعة قليلة ليس فيهم من التجار والأغنياء إلاَّ القليل، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم، اللهم أصلح حال أمة نبيك، وَأَزِلْ عنهم حِجَابَ العَمَى حتى يعرفوا ما عليهم من حقوق العبودية.

ومن مثالبهم: رفع الصوت فيه بتلاوة القرآن أو بالصلاة والسلام على سيد ولد عدنان، ولا يخفى ما ورد من النهي فيه ما لم يشوِّش على نحو مصلّ وإلاّ حرم، ومنها السؤال فيه بالقراءة وبغيرها، ولا يخفى ما فيه من الوعيد، ومنها الصبيان فيه، والصبيان لا تحترز عن القَذَر، وذلك يؤَدِّي إلى عدم تنظيف المسجد، وقد ورد الأمر بتنظيفها (…).

ومن مثالبهم التي أفسدت عليهم صلاتهم وأعمت بصائرهم كثرة نومهم حالة الخطبة، فقد وجدنا أكثر أهل المسجد حالة خطبة الإمام نائمين، ولا شك أن النوم الثقيل القصير من نواقض الوضوء، وعلامته أن تَنْحَلَّ حبوته أو يسيل لعابه أو تسقط السبحة من يده أو لا يتفطن لشيء من الخطبة، وكلُّ ذلك قد كان لعدد منهم، ولا شك أن الإنصات للخطبة واجب اتفاقاً وكذا الصمت ولو لغير سامع ولو بخارج المسجد، وبالجملة فحال الناس اليوم في هذه القربة بئس الحال.

الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية – ويسمى أيضاً: السَّيف المسلول على المُعرض عن سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم للعلامة محمد بن محمد بن عبد الله المؤقت: (ص: 154-158)، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ط3، 2000م.

إنجاز: ذ.محمد فوزار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق