مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

اختلاط الراوي وأثر ذلك على رواياته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيئين والمرسلين محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

أما بعد:

فيعد علم الحديث من أشرف العلوم وأرفعها، والاشتغال به من أفضل الأعمال وأنفعها، وقد اشتمل على كثير من القواعد التي تبين أحوال الرواة وروياتهم من حيث القبول والرد، ومن بين مباحث هذا العلم: «معرفة المختلطين من الرواة» ؛ إذ يتوقف على معرفة أحوالهم معرفة كثير من الأسانيد والأحاديث من حيث الصحة والضعف.

قال أبو عمرو ابن الصلاح: «هذا فن عزيز لم أعلم أحدا أفرده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقا بذلك جدا، وهم منقسمون، فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه، ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك، والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده»([1]).

ولأهمية هذا الموضوع فقد تناولته من حيث التعريف بلفظ: الاختلاط لغة واصطلاحا، وتحديد أسباب اختلاط الراوي، مع ذكر طرق معرفة ذلك عند المحدثين، وبيان حكم روايته عندهم، فأقول وبالله التوفيق:

أولا: تعريف الاختلاط لغة واصطلاحا وأسبابه:

أ-تعريف الاختلاط لغة واصطلاحا:

الاختلاط لغة: يقال خلطت الشيء بغيره خلطا فاختلط ، وخالطه مخالطة وخلاطا، اختلط فلان ، أي: فسد عقله ، والتخليط في الأمر: الإفساد فيه والمختلط من الاختلاط ، اختلط عقله إذا تغير، فهو مختلط، واختلط عقله: فسد([2]).

أما في اصطلاح المحدثين: فقد قال السخاوي: وحقيقته فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال، إما بخرف، أو ضرر، أو مرض، .. أو ذهاب كتب أو احتراقها  أو غير ذلك ([3]).

ب-أسباب الاختلاط:

يمكن حصر أسباب اختلاط الراوي فيما يلي:

1-ذهاب البصر: فقد كان بعض الثقات يعتمد على كتبه، فلما ذهب بصره حدث من حفظه فأخطأ في حديثه بسبب تأثير الفجيعة عليه عندما فقد بصره كعبد الرزاق بن همام، قال ابن حجر: “عمي آخر عمره فتغير”([4]).

2-ضياع الكتب أو احتراقها:  فقد يعتمد الراوي في ضبطه على كتبه، فإذا ضاعت كتبه             أو احترقت وحدث من حافظته دخلت العلة في حديثه كما حصل لهشيم بن بشير([5])،   وعبد الله بن لهيعة([6]).

3-من لم يأخذ معه كتابه وحدث من حفظه: كما وقع لمعمر بن راشد قال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب لأن كتبه لم تكن معه([7]).

4-الانشغال عن العلم بمهام أخرى: فقد ضعفت روايات بعض الرواة لانشغالهم عن العلم كشريك بن عبد الله النخعي الذي ولي القضاء بالكوفة سنة 155هـ قال ابن حجر: تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة([8]).

5- كبر السن أو الخرف: وبعضهم قد كبر سنه إلى حد يجعله يفتقد تلك الحافظة القوية التي كانت معه في السابق، فربما اختلطت عليه بعض الأحاديث كما وقع لصالح بن نبهان مولى التوأمة قال أحمد: كان مالك قد أدركه وقد اختلط وهو كبير([9]).

ثانيا: طرق معرفة الاختلاط:

كان المحدثون يسمعون الحديث من الراوي مرارا ليتأكدوا من أنه خلط فيه أم لا، وفي ذلك يقول حماد بن زيد :«ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة واحدة يعاود صاحبه مرارا»([10]).

وأحيانا كان الناقد منهم يدخل على الراوي ليختبره،  فيقلب عليه الأسانيد والمتون، ويلقنه ما ليس من حديثه، فإن لم ينتبه الراوي لما يراد به فإنه يعد مختلطا([11]).

ثالثا: حكم رواية المختلط:

الحكم في ذلك يكون باعتبار الرواة عن المختلط فمن روى عنه قبل الاختلاط: قُبِل حديثه، ومن روى عنه بعد الاختلاط، أو أُشكل أمره، فلم يُدْرَ  روى عنه بعد الاختلاط أو قبله: لم يُقْبل حديثه كذا قال غير واحد من أهل العلم([12]).

ولكن إذا توبع المختلط فيما روي عنه بعد الاختلاط، أو فيما لم يتميز من حديثه؛ حيث وُجد لروايته أصلٌ من غير طريقه: بأن وافقه ثقة، أو من يصلح حديثه للاعتبار: قُبلت روايته([13]).

وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي وفقني لإتمام هذا المقال حول مبحث من أهم مباحث المصطلح وهو: « اختلاط الراوي وأثر ذلك على رواياته »، راجية منه سبحانه وتعالى أن ينفع به، ويذخر لي أجره يوم لقائه.  وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

 والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

([1])  مقدمة ابن الصلاح (ص: 660).

([2])  الصحاح (3/1124)، لسان العرب (7/291)، القاموس المحيط (ص: 665) .

([3])  فتح المغيث (4/458-459).

([4])  تقريب التهذيب (ص: 296).

([5])  فقد كتب صحيفة بمكة عن الزهري، فجاءت الريح فحملت الصحيفة فطرحتها فلم يجدها. انظر: تهذيب التهذيب (11/60).

([6]) وقد حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ. انظر ترجمته وأقوال العلماء في روايته: تهذيب التهذيب (5/373- 379).

([7]) انظر: تاريخ دمشق (59/415).

([8])  تقريب التهذيب (ص: 207).

([9])  انظر: تهذيب الكمال (13/101).

([10])  انظر: الجرح والتعديل (1/161).

([11])  انظر مثاله في: المحدث الفاصل (398-399).

([12])  مقدمة ابن الصلاح (ص: 660)، التقريب والتيسير (ص: 120).

([13])  نزهة النظر (ص: 129).

******************

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة:  

تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها. أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي ابن عساكر. دراسة وتحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمراوي. دار الفكر بيروت. 1415-1995.

تقريب التهذيب. ابن حجر العسقلاني. بعناية: عادل مرشد. مؤسسة الرسالة. ط1/ 1420-1999.

التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير. محيي الدين بن شرف النووي. تقديم وتحقيق وتعليق: محمد عثمان الخشت. دار الكتاب العربي. بيروت لبنان. ط1 /1405-1985.

تهذيب التهذيب. ابن حجر العسقلاني. مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الهند. ط1 /1326.

تهذيب الكمال. يوسف بن الزكي المزي. تحقيق : د. بشار عواد معروف.  مؤسسة الرسالة  بيروت. ط1 /1400 – 1980

الجرح والتعديل. ابن أبي حاتم الرازي. دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان. ط1 /1371-1952.

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. إسماعيل بن حماد الجوهري. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. دار العلم للملايين القاهرة. ط3 /1404-1984.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي. دراسة وتحقيق: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن الخضير- محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد. مكتبة دار المنهاج الرياض. ط1 /1426.

القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي. مؤسسة الرسالة. ط8/ 1426-2005.

لسان العرب. أبو الفضل جمال الدين محمد ابن منظور. دار صادر بيروت (د.ت).

المحدث الفاصل بين الراوي والواعي. الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي. قدم له وحققه وخرج أخباره وعلق عليه ووضع فهارسه: د/ محمد عجاج الخطيب. دار الفكر. ط3/ 1404-1984.

مقدمة ابن الصلاح ومعه محاسن الاصطلاح. دة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ). دار المعارف. القاهرة.

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق وتعليق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي. ط1/ 1422-2001.

*راجع المقال الباحث: يوسف أزهار

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق