مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

ابن ناصر الدرعي(ت1085هـ)

هو الشيخ الكبير، الإمام النحرير، الزاهد الشهير، سيف السُّنَّة، ومصباح الظلمة، أبو عبدالله محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ناصر الدرعي، وبه عُرف، التمكروتي ثم الأغلاني، ولد سنة (1011هـ)، في بيت علم وورع وزهد، وأصل أسرته عربي، رُفع نسبها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

قرأ ابن ناصر القرآن على والده الشيخ الزاهد محمد بن أحمد ابن ناصر(ت1052هـ)، وكان جلُّ استفادته في علم الظاهر من الشيخ الفقيه الصالح علي بن يوسف بن أحمد الدرعي(ت1045هــ)، وأخذ عن الشيخ العلامة الفهامة أبي محمد عبد القادر بن علي الفاسي(1091هـ) بسنده، وعن الإمام العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد المرغيتي السوسي المراكشي(ت1089هـ)، وأجاز له ولأخيه الحسين إجازة طويلة، ورحل إلى المشرق مرتين سنة(1070هـ) و(1076هـ)، والتقى أعلاما استفاد منهم وأفاد، منهم: أبو بكر السجستاني، ومحمد بن سليمان الروداني(1094هـ) الذي سبق أن تتلمذ عليه في تمكروت طوال أربع سنوات، وأخذ عن إمام الحرمين الشيخ محمد البابلي الشافعي(1077هـ). وأما علم الباطن فسنده فيه واعتماده الشيخ الزاهد الورع عبدالله بن حسين الرقي الدرعي التمكروتي(ت1045هـ)، وقد أجاز له سائر مروياته.

وهكذا كانت للمترجَم مشاركة واسعة في فنون من العلم، كالفقه، والعربية، والكلام، والتفسير، والحديث، والتصوف. ومن علمه الواسع غَرَف أعلام مشاهير، وعلى يديه تربى الجمُّ الغفير، وعلى رأس هؤلاء: الإمام المفضال، العلامة الرَّحال، الذي طوى مشرق الأرض ومغربها بالتِّجوَال، صاحب الرحلة الشهيرة، والمناقب الأثيرة: أبو سالم عبدالله بن محمد بن أبي بكر العياشي(1090هـ).ومنهم: أخوه العالم العامل، الفقيه النحوي المحصِّل: حسين بن مجمد ابن ناصر الدرعي(1091هـ)، وكان المترجَم من تولى تعليمه وتربيته ونشأته.ومنهم: الإمام العلامة، واحد أوانه، ونابغة عصره وزمانه: أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي(ت1102هـ). ومنهم: العالم العلامة العامل الشهير: أبو مروان عبد الملك بن محمد التجموعتي الفلالي(ت1118هـ). ومنهم: ولده، ووارث علمه وفضله، المتصدِّر للمشيخة بعده أبو العباس أحمد بن محمد ابن ناصر الدرعي(ت1129هـ)، وغيرهم ممن لا يُعَدُّ كثرة، ولا ينكر تقدما وشهرة، وكانت زاويته المعروفة بالناصرية في تمكروت قِبلة للعلماء والمريدين والأتباع من مختلف البقاع.

وقد عُرف عن المترجَم اعتناؤه بكتب العلم، وحرصه الشديد على اقتنائها، وبذل الغالي والنفيس لجلبها، بل إنه عكف على نسخها بيده، ومقابلتها وتصحيحها، وتقييد الفوائد على طررها، ومن عجيب ما يحكى عنه أنه انتسخ مخطوطات في لحظة من حياته وصل إلى درجة من الفقر لم يجد فيها ثمن اقتناء حصيرة لافتراشها، وأرسل إليه أحد تلامذته حصيرا لافتراشه، فاستغنى عنه لصالح كتبه، فوضع تحتها لحفظها من الرطوبة. وقد جَمَعَ المترجم إلى كل هذا الانكبابَ على تدريس العلم، والمشاركة في التأليف، وأغلب ما ينسب إليه من تآليف جمعه عنه تلامذته، من ذلك: كتاب «الأجوبة» المعروف بالأجوبة الناصرية، جمعها تلميذه محمد بن أبي القاسم الصنهاجي، و«غنيمة العبد المنيب في التوسل بالصلاة على النبي الحبيب»، طبع قديما بالمطبعة الوطنية بالرباط سنة(1351هـ)، واعتنى به مؤخرا أحد الباحثين وهو قيد الطبع، وللمترجم «منسك» لطيف، وأرجوزتان مشهورتان: «الدعاء الناصري»، «وسيف النصر لكل ذي بغي ومكر»، و«الممتع في شرح المقنع» في علم الفلك، و«الدرعية» منظومة في فقه مالك، و«شرح فرائض خليل»، و«شرح لامية الأفعال»، وكتاب في الطب، وآخر في خطبه، و«حاشية على صحيحي البخاري ومسلم»، وجمع ابنه كل مكاتباته مع أهل زمانه في تأليف مستقل سمّاه «إتحاف المعاصر برسائل الشيخ ابن ناصر» وغير هذا.

ونال المترجم ثناء الداني والقاصي، في بلاده وفي الأقاصي، قال العلامة أبو العباس أحمد بن يعقوب الولالي: «وقع عليه الاتفاق من أهل المغرب، فلا ينكر عليه إلا سخيف العقل، لمتانة علمه، وقوة ديانته». ونحوه ما قاله المُحِبِّي: «… أوحد الدهر، أجمعَ أهل المغرب على جلالته وعظم قدره، وما أظن أحدا بلغ رتبته في الاشتهار عندهم».

ومما قاله فيه تلميذه أبو علي اليوسي: «أستاذنا ومفيدنا، الإمام الهمام، بحر الشريعة والحقيقة، وسراج الطريقة». وقال فيه: «شيخ الإسلام، وعَلَمُ الأعلام». وداليته التي مدح بها شيخه ابن ناصر مشهورة معروفة، عارض بها «دالية» البوصيري في مدح أبي الحسن الشاذلي، وأبي العباس المرسي.

وقال أبو سالم العياشي في وصف زهد شيخه وورعه وعلمه: «شيخنا الحافظ الخاشع الزاهد، أَلين أهل زمانه عطفا، وأشدهم لله خوفا، الموفق في السكون والحركة، المقرونة أحواله بالبرِّ والبركة، كان رضي الله عنه شديد الاتباع للسُّنَّة في سائر أحواله، حتى في لباسه وأكله، وفي أنواع العبادات والعادات … حضرت مجالسه في كثير من العلوم فقها وتفسيرا ونحوا وحديثا وتصوفا.عديم النظير في العربية، يحفظ التسهيل عن ظهر قلب… ».

والمترجم هو أحد الثلاثة الذين يرجع إليهم الفضل في الحفاظ على منار العلم قائما بالمغرب في القرن الهجري الحادي عشر، وذلك قول القائل: «لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر لكثرة الفتن التي ظهرت فيه، وهم: محمد بن ناصر الدرعي بدرعة، ومحمد بن أبي بكر الدلائي بالدِّلاء، وعبدالقادر الفاسي بفاس».

أسلم ابن ناصر روحه لباريها في صفر الخير، غروب شمس الثلاثاء السادس عشر منه، سنة (1085هـ) بدرعة، ودفن من الغد بزاوية شيخه عبدالله بن حسين الرقي، وقد رثاه غير واحد، منهم: أبو سالم العياشي، قال في مرثية:

حِصْنِي إذا خَانَ الزَّمانُ ونَاصِري

 

شُيْخُ الشُّيوخِ محمَّدُ بن ناصِرِ

مُحْيِي طريـقَ العلـمِ بَعْدَ  دُروُسِهَا

      

ومُعِيد رَسْم للعبـادة  دَاثـرِ

بَحْر الشريعة والحقيـقة مـن لَــهُ

 

بَعْدَ التَّرَدُدِ دَانَ كُلُّ  مُعَاصرِ    

 

مصادر الترجمة: فهرسة أخيه الحسين ابن ناصر (مواضع منها)، وفهرسة العياشي المسماة اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر(116-117)، والمحاضرات لليوسي(81، 85، 392، 396، 434، 676)، وفهرسة اليوسي أيضا(60-61، 79 وما بعدها)، والإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر لعبدالله بن محمد الفاسي الفهري(242-244)، وسلوة الأنفاس(1/297-298)، وطبقات الحضيكي(2/319-320)، وصفوة من انتشر للإفراني(299-303)، وخلاصة الأثر للمحبي(3/76)، والدرر المرصعة لمحمد الناصري(307-308)، وطلعة المشتري لأحمد الناصري(1/126، 152)، وشجرة النور الزكية(313)، ونشر المثاني للقادري(2/211-215)، والإكليل والتاج له(335-336)، ومعجم المطبوعات للقيطوني(345)، والأعلام للزركلي(7/63-64)، ومعلمة المغرب(22/7389-7390 و7375).

إنجاز: د.مصطفى عكلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هل يوجد ترجمة الدعاء الناصري باللغة الفرنسية
    من فضلكم

  2. السلام عليكم لقد حقق الطالب الباحث رشيد الجاري مناسك الحج لأبي عبدالله محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي ونشرته مجلة قطر الندى في عدد التاسع عشر سنة 1438هجرية

  3. بعدما حقق الباحث مناسك الحج والدعاء الناصري لمحمد ابن ناصر فهو يعمل على تحقيق كتبه الأخرى إن شاء الله .

اترك رداً على رشيد الجاري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق