مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

ابن رُشَيْد السبتي الفهري تـ721هـ/1321م

هو الشيخ الإمام الحافظ المحدث المبرّز في علوم الرواية والإسناد الخطيب البليغ كبير مشيخة المغرب محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد ابن رُشَيْد الفِهْرِي السبتي، الشهير بابن رُشَيْد ـ بضم الراء وفتح الشين ـ نسبة إلى جده الأعلى.

ولد بسبتة السَّليبة ـ فكّ الله أسرها ـ في شهر جمادى الأولى على الأرجح سنة 657هـ، في أول ولاية أبي يوسف يعقوب المريني، وبها نشأ وترعرع، وسط أسرة فهرية عريقة في المجد والعلم.

بدأ طلب العلم ببلده الذي كان أحد معاقل العلوم والمعارف بالبلاد المغربية، فأقبل على حفظ كتاب الله عز وجل وتلاوته، وقرأ على إمام القراء وشيخ العربية أبي الحسن ابن أبي الربيع(ت688هـ)، وعلى الأستاذ أبي الحسن علي بن محمد ابن الخضار الكتامي(ت676هـ) بالقراءات السبع، واحتفل في صغره بالأدبيات وبرع في ذلك، وسمع صحيح البخاري على الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الغافقي(ت701هـ)، وأخذ بألمرية عن أبي عبد الله ابن الصائغ، وعن الوزير الأديب أبي جعفر ابن سلبطور، وغيرهم، وأخذ بالمشرق عن جلة من المشايخ، أبرزهم: إبراهيم بن علي الواسطي(ت692هـ)، وأحمد بن حمدان النمري(ت695هـ)، ومحب الدين الطبري(ت694هـ)، وأحمد بن محمد ابن الظاهري(ت696هـ)، وحازم بن محمد القرطاجني(ت684هـ)، وابن كحيلا القيسي(685هـ)، والمكين الأسمر الإسكندري(ت692هـ)، وغيرهم.

وقد تنقل في البلاد في رحلته الطويلة الواسعة، واتصل في كل صقع بالعديد من الشيوخ، يقرأ عليهم ويسمع، ويقابل، ويروي، ويقيّد، وكان مولعا بعلم الحديث، وجَهد نفسه في تعلمه ودرايته، وانصرف بكلّيته إلى تطلّبه وروايته، كما اهتم بجمع الإجازات، يطلبها لنفسه ولأولاده وأخواته وجملة من أقاربه وأصدقائه، كما تشهد بذلك استدعاءاته.

واشتغل بالمذهب المالكي في فاس، وتصدر لإقراء الفقه بسبتة، وولي الخطبة بجامع غرناطة ودرّس به، وبعد عودته إلى المغرب عيّنه السلطان أبي سعيد المريني إماما وخطيبا للجامع العتيق بمراكش، ثم استقدمه إلى فاس وجعله من خاصّته.

وقد أثنى عليه أهل العلم ثناء عظيما، مما ينبئ عن المكانة العلمية العالية التي ارتقاها مترجمنا العالم السبتي النحرير، فهذا صاحبه وصديقه الأديب النحوي أبو محمد ابن مبارك ينشد في حقه أبياتاً منها:

  محمد بن رشيدٍ من حوى كرماً                واسماً حميدين طابا الخُبر والخبرا

  روض ومن يجتن أو يجتل ثمر الـ           آداب والعلم يؤت الزَّهر والثمرا

وقال عنه تلميذه ابن الصفّار التنملي(ت671هـ):«شيخنا الأجل الراوية المكثر الخطيب الحاج المجاهد أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي نضّر الله تعالى وجهه»، وأثنى عليه لسان الدين ابن الخطيب(ت776هـ) بقوله:«الخطيب المحدث المتبحّر في علوم الرواية والإسناد … بحر معارف لا يسبر غوره، وروض فنون تضوّع مسراه وأينع نوْره، وفريد زمانه الذي لا يأتي بمثله دوره»، إلى غير ذلك من عبارات الثناء.

خلّف الحافظ ابن رشيد تصانيف ماتعة مانعة، تدل على ذهن وقّاد وأنامل منقادة، أبرزها: كتاب «ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة إلى الوجهتين الكريمتين مكة وطيبة»، وهو أعظم كتبه حجما وأكثرها فائدة، طبع منه السفر الثاني والثالث والخامس، وكتاب «السَّنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن» طبع، و«إفادة النصيح بالتعريف بسند الجامع الصحيح» طبع، و«الاستدعاءات» طبع، و«الإعلام بأربعين عن أربعين من الشيوخ الأعلام» مخطوط، و«وصل القوادم بالخوافي في شرح أمثلة القوافي» مخطوط، ومن آثاره التي لم تصلنا: «ترجمان التراجم على أبواب البخاري»، و«الصراط السوي في اتصال سماع جامع الترمذي»، و«إحكام التأسيس لأحكام التجنيس»، و«تلخيص كتاب القوانين في النحو»، و«حكم رؤية هلال شوال ورمضان»، و«فهرست مشايخه»، وغيرها.

توفي الحافظ ابن رشيد، رحمه الله، بعد حياة حافلة بالدرس والتحصيل، في مدينة فاس، ليلة الاثنين 24 من شهر محرم سنة 721هـ، في عهد الأمير أبي سعيد عثمان المريني، عن عمر يناهز 63 سنة، ودفن في الجبَّانة التي بخارج باب الفتوح، بالروضة المعروفة بمطرح الجنة بمدينة فاس.

 

من مصادر ترجمته: الحافظ ابن رشيد السبتي الفهري وجهوده في خدمة السنة النبوية، للدكتور عبد اللطيف الجيلاني، ملء العيبة: ج2، الوافي بالوفيات للصفدي:(4/ 199-200)، أعيان العصر للصفدي:(4/ 676-678)، الإحاطة في أخبار غرناطة:(3/ 102-108)، الديباج المذهب:(2/ 297-299)، الدرر الكامنة:(5/ 369-370)، بغية الوعاة:(1/ 199-200)، سلوة الأنفاس:(2/ 191-192).

 

إعداد: د.طارق طاطمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق