مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

إشراقات قرآنية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولي الصالحين، ندب خلقه إلى الانخراط في مسلك المخبتين، وأبان عن وصفهم في كتابه المبين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين، أجل من قام بهذه الحلية في العالمين، صلى عليه ربه في الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه المشهود لهم بالخيرية إلى يوم الدين.
قال تعالى: ” وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ” [الحج34]جاءت بشارة المخبتين في الآية بدلالة إجمالية، وقد تولى السياق القرآني بعدُ بيان أوصافهم، فقال تعالى: “الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” [الحج:35]، وأصل استعمال المصطلح عربيةً؛ الأرض الواسعة المطمئنة، قال في التاج: “الخَبْتُ: المتسع من بطون الأرض” قال ابن الأعرابي الخَبْت: ما اطمأن من الأرض واتسع، وقيل في معناه مسميات تتضافر لإفهام دلالات السعة والانبساط والوطاءة، فقيل: ما اطمأن من الأرض وغمُض، فإذا خرجت منه أفضيت إلى سعة، وقيل الخبْت سهلٌ في حرة، وقيل هو الوادي العميق الوطيء، وقيل الخفي المطمئن من الأرض فيه رمل.
فاستعيرت هذه المعاني لحال من قامت به أوصافها، فالعبد المخبت؛ هو من اطمأنت روحه، واتسعت نفسه، ولانت عريكته، وخشعت جوارحه، كل أولئك ومثله مما هو محتجن في مسمى الإخبات يدل على خضوع العبد و خشوعه لمولاه، فصاحب هذا الوصف مخبت منكسر بين يدي مولاه، قد جاء بأعظم ما يستحق به رضوان الله، قال تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” [هود:23]، وتدور تأويلات أرباب التفسير على تلكم المعاني، قال الطبري: “يقول تعالى ذكره: وَبِشِّـرْ يَا مُحَمَّدُ الْخَاضِعِينَ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، الْمُذْعِنِينَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ” . وقال ابن عطية: “والمـخبتين المتواضعين الخاشعين من المؤمنين” ، وقال ابن كثير: “وَبَشِّـرِ الْمُخْبِتِينَ: قال مجاهد: المطمئنين، وقال الضحاك، وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجِلين. وقال عمرو بن أوس: المخبتون: الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم ينتصروا” .
فالمخبت من الخلق من كسر رعونة نفسه بالمجاهدة، واجتث من أعماقه غوائل النزوة والصبوة، وأخمد ثوران بركانه الدفين بالاستكانة لربه، وعكف على إصلاح سريرته وعلانيته، فحقيقته إخماد لتوهج الشهوة، ومصارعة لكسر تضخم الأنا، حتى تصير النفس طيعة منقادة لنداآت الرحمن، تجد فيها من اللذة والنشوة ما يحملها على التشوف لمزيد من الوصل والقرب، فمنطلقُ مسارِه إذعان بإلزام، ومنتهاه جني لجنا الضَّرَب الزلال، مرأى أهله مسرة للعين، ومعاشرتهم تجلي عن القلب الرين، ومجالستهم هي للروح غداء وزين.
وإن نظرة واعبة لما بسطته الآية من أوصافهم لتُوقف الناظر على تضمن كل وصف من تلك الأوصاف معنى الإخبات اللغوي، -الانبساط/ والاطمئنان/ السهولة..- فالوجِلَة قلوبهم لا يقوم بقلوبهم ما قام بها من الإشفاق والخوف إلا بمعرفة الله وخشيته، و قدره حق قدره، والخوف من بطشه و جبروته.. “الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ”، فينشأ عن هذه المعرفة مزيج من الرهبة والرغبة، تكون حادية للعبد إلى مفاز رشده، وهل رشده إلا ما يتحصل بقلبه من الانكسار، والشعور بالافتقار إلى العزيز الغفار، فيكون هذا المقام الأول بمثابة الأس الذي يشاد عليه ما يستقبل بعد، يرقِّقُ ما يعترض سبيل العبد من مجريات الأحداث، ” وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ “، ولا ينوء بالصبر إلا من راض نفسه، ووطأها بمعول الإخبات، سنده في ذلك ومُعينه صلته بربه بآكد أركان الإسلام؛ وقد ندب العباد إلى الاستعانة بها في قوله: ” وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ” [البقرة:45]، فكانت ثالثة أوصاف المخبتين: ” وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ”، وفي التعبير بالإقامة تنبيه إلى شرط تمامها، وهو توقيعها كما أمر، لا الإتيان بصورتها وإهدار جوهرها وحقيقتها، وإلا لم يكن لصاحبها حظ في وصف الإخبات الذي عليه مدار الكلام، وختمت أوصافهم بما يتعد نفعه للغير، ليجمع العبد بين صلاحه في نفسه وانخراطه في إصلاح مجتمعه، وذلك قوله تعالى:” وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” ولا سبيل إلى جود الإنسان وسماحته بما يملك إن لم يغالب شح نفسه، ” وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ” [العاديات:8]، ومعنى مغالبته لنفسه مجاهدته لغريزة الشح التي جبل عليها طبعه، وجبرها على ما تكره، وحملها عليه، وفيه من الجهد و المكابدة ما لا يخفى، فإن أسعفتك في حال تمردت عليك في أحوال، وبادرت بالرجوع إلى أصل طبعها.
وإنما الموفق من وفقه الله.

اظهر المزيد

ذ.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز أبي عمرو للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق