مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

إرشاد السالك إلى أفعال المناسك

يعد كتاب «إرشاد السالك إلى أفعال المناسك» من أهم ما أُلِّف في فقه المناسك على المذهب المالكي، ويكتسي قيمَتَه من أهمية موضوعه؛ إذ المناسك مرجعٌ تتجدد الحاجة إليه كل عام، ولا غنى لحاج أو معتمر عن تعلمها، ولا غنى لمتعلم عن تذكرها، والكتاب يفيد القراء من مختلف المستويات ويعرفهم بما يحتاجونه من أحكام المناسك، ولا يخلو من إفادات علمية وتاريخية وجغرافية، كما أن قيمة الكتاب تبرز من مكانة مؤلفه الإمام القاضي الفقيه برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد ابن فرحون اليعمري المدني المالكي(ت799هـ) صاحب التآليف في القضاء والدعوى والتراجم، مثل «تبصرة الحكام»، و«الديباج المذهب» وغيرها.

وأشار ابن فرحون إلى أن دافعه لتأليف الكتاب هو كون المناسك من الدين، وأن الشارع حرّض على تعلمها، وأوجب ذلك على قاصد الحج، وقد قسم كتابه إلى إحدى وعشرين باباً بعد ذكر المقدمة التي مهّد فيها للمقصود، فتناول في الباب الأول: الترغيب في الحج والعمرة وبيان فضلهما، وضم 25 فصلا ومسألة، والباب الثاني: في بيان آداب سفر الحج، في 12 فصلا ومسألة، والباب الثالث: خصّصه لأحكام الحج وصفته وأركانه، وجاء في حدود 80 فصلا ومسألة، أما الباب الرابع: فأفرده للتمتع، والباب الخامس: في صفة القران، والباب السادس: في صفة العمرة المفردة، والباب السابع: في حج الصبي والمرأة والعبد الكافر يسلم، والباب الثامن: فيما شرع للحاج فعله، فإذا تركه تَمّ حَجُّه، ووجب عليه الدم، وتناول في الباب التاسع: محظورات الحج المنجبرة، وفي الباب العاشر: فضائل الحج وذكر فيه أزيد من ستين فضيلة، والباب الحادي عشر: في بيان الفدية وأنواعها، والباب الثاني عشر: فيما يكره للمحرم فعله، فإن فعله أطعم شيئا من الطعام، والباب الثالث عشر: فيما يكره للمحرم فعله، فإن فعله فلا شيء عليه، أما الباب الرابع عشر: فتناول فيه حكم اصطياد المحرم وجزاء الصيد، وذكر في الباب الخامس عشر: أحكام الهدي ودماء الحج، وذِكر أيام الحج، والشعائر في الحج، وضمّ ما يزيد عن 10 فصول ومسائل، وحوى الباب السادس عشر: أحكام المحرم وحكم الوطء ومقدماته، والسابع عشر: موانع الحج وفوات الوقوف بالإحصار أو بالمرض، أو بخطأ الطريق، وتناول في الباب الثامن عشر: النيابة في الحج والإجارة عليه، وفي الباب التاسع عشر: ذِكر حرم مكة شرفها الله تعالى، وذِكر حرم المدينة النبوية شرفها الله تعالى، وحكم الاصطياد في حرميهما وقطع الشجر منهما، وذَكر في الباب العشرون: آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد، وأفرد الباب الأخير في القدوم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وآداب السلام عليه، وما يتصل بذلك من ذكر المشاهد الشريفة بالبقيع، وذِكر فضل المدينة وفضل أهلها، وذِكر المزارات الكائنة بها، وجاء في نحو ست فصول، ثم خاتمة.

أما عن منهج ابن فرحون، فيظهر جليّاً في جمعه لمسائل الكتاب وتنظيمها، مع ترتيبها وتوزيعها على الأبواب الكبرى التي اختارها لكتابه، وحرصه على الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار، وشرح الغريب من الألفاظ، وبيان المراد من بعض النصوص، والترجيح بين الآراء المختلفة في المسائل، كما أنه يستطرد في مواطن عديدة ليُقَدّم إفادات عن بعض الأعلام، أو المواضع الشريفة، أو قواعد ونظائر فقهية، أو لبيان معنى أصولي، أو تقديم ملحظ مفيد للقارئ، وقد يتعقب بعض الأقوال ويناقش أصحابها، ويذكر بعض البدع ويستنكرها، وأسلوب الكتاب على العموم واضح، يستعمل العبارات الاصطلاحية، ويتجنب الاختصار المؤدي إلى الإخلال، ويتوخى في بعض المواضع استعمال أسلوب مخاطبة القارئ ليبين له ما يفعله من المناسك، وبالجملة فمنهج ابن فرحون منهج الفقيه المهتم بجانب الأحكام يوضحها ويفصلها ويدعمها بالنقول.

ولا شك أن موسوعية ابن فرحون وسعة اطلاعه على المذهب المالكي، ساعدته على جعل أصول ومصادر كتابه متنوعة، أغلبها مصادر فقهية صنّفها أعلام المالكية وضمّنوها ما رُوِي عن الإمام مالك وكبار أصحابه، مع غلبة كتب المناسك عليها التي اقتضتها طبيعة الموضوع، ولم يغفل الاستفادة من كتب فقهية غير مالكية، وكذا كتب التفسير والحديث واللغة والتاريخ والرحلات والتراجم.

وما يجلي أهمية هذا الكتاب كثرة النقول عنه في مظان متعددة، فنجد ثلة من المؤلفين نقلوا عنه، لعلّ أكثرهم الحطاب الرعيني في مواهب الجليل، ثم الونشريسي في المعيار، والسمهودي في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، وغيرهم، مما يدل على ذيوع الكتاب وانتشاره.

طبع الكتاب عن مكتبة العبيكان بالرياض عام 1423هـ/2002م، بتحقيق د. محمد بن الهادي أبو الأجفان، وهو في أصله أطروحة دكتوراه في الفقه المقارن بجامعة الإمام محمد بن سعود.

 

الكتاب إرشاد السالك إلى أفعال المناسك.
المؤلف   برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن فرحون اليعمري المدني المالكي(ت799هـ).
مصادر ترجمته  إنباء الغمر لابن حجر:(1/531)، الدرر الكامنة:(1/49/ت124)، درة الحجال لابن القاضي:(1/182-183/ت240)، نيل الابتهاج:(30-32).
دار النشر مكتبة العبيكان-الرياض، دراسة وتحقيق: محمد بن الهادي أبو الأجفان، الطبعة الأولى: 1423هـ/2002م..
الثناء على المؤلف يقول التنبكتي:«كان جامعا للفضائل، فريد وقته…عالما بالفقه والنحو والأصول والفرائض والوثائق وعلم القضاء، عالما بالرجال وطبقاتهم، مشاركا في الأسانيد، واسع العلم فصيح القلم، ذا بيان كريم الأخلاق، بعيدا عن التصنع والرياء، من أرق أهل زمانه طبعا وألطفهم عبارة».

إنجاز: د.طارق طاطمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق