مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

أَنْتَ كَافِرٌ… فهل أنت مُسْتَبَاحُ الـدَّمِ ؟

* الدكتور عبد القادر بطار

تُعتبرُ ظَاهِرَةُ التَّكْفِيرِ، أيُ الْحُكْمُ عَلَى المُسْلِمِ بِالْكُفْرِ، من أخطر القضايا، وأقبح البلايا، التي أصابت الأمةَ الإسلاميةَ في فترة من فترات التاريخ، ولا تزال الأمةُ الإسلاميةُ تعاني من ويلاتها إلى اليوم. لقد وقف أهلُ الحقِّ، أهلُ السنةِ والجماعةِ، الذينَ عَظُمَ عليهم تَكفيرُ المسلم بذنبٍ يَرتكبهُ، في وَجْهِ التَّكْفِيرِيِّينَ من مختلِف الاتجاهاتِ، التي تَنْتَسِبُ إلى الإسلام للأسف الشديد، فأعلنوا في شكل إجماع عقدي: أنهُ لا يَجوزُ تَكفيرُ أيِّ أحدٍ منْ أهلِ القبلةِ من المسلمينَ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ.  
وَهَذَا المبدأُ العقديُّ العظيمُ، الذِّي يُجسدُ التسامحَ الدينيَّ في أرقى صورهِ، ينبغي إظهارُهُ للناسِ وَترسيخُهُ في الأذهان وتربيةِ النشءِ عليهِ، حتى يُصبحَ ثقافةًً رَاسِخَةً في المجتمع الإسلامي، ومن خِلال إظْهَارهِ تَنكشفُ حَقيقةُ تِلْكَ الآراءِ الشاذةِ، والعقائدِ الغريبةِ عن روح الإسلام وسماحته.
ومن القواعد الذهبيةِ التي يُقررهَا حُجَّةُ الإسلامِِ، الإمامُ  الغزاليُّ في هذا الموضع الخطير: الاحترازُ من التكفير ما وُجِدَ إليهِ سبيلاً، فإنَّ استباحةَ الدماءِ والأموال من المصلين إلى القبلةِ، المصرحين بقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله خطأٌ، والخطأُ فِي تركِ ألفِ كافرٍ في الحياةِ، أهونُ من سفكِ محجمةٍ من دَمِ مُسْلِمٍ.(1)
إنَّ مُجَرَّدَ الحكمِ على شخصٍٍ مَّا بالكفر تترتبُ عليه أحكامٌ شرعية كثيرةٌ وخطيرة، في الدنيا والآخرة، لأن المكفرَ يُخْبِرُ عن مُسْتَقَرِّ الشخصِ الذي كفرهُ في الدار الآخرة، وأنه خالدٌ في النَّارِ.
ومن موقع اشتغالنا بالعقائدِ والمذاهبِ الدينيةِ لاحظنا أن ظَاهِرةَ التكفيرِ لم تكنْ متداولةً في العصور الذهبيةِ للإسلامِ، لأنَّ جيلَ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم ” أدركوا زمانَ الوحي، وشرفَ صحبةِ صاحبه، وأزالَ عنهم نورُ الصحبةِ ظُلَمَ الشكوك والأوهام”  ولأن جيل التابعين وتابعيهم ساروا على هذا النهج القويم، الذي كان عليه السلف الصالح الذين شَهِدَ لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالخيريةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الحديث ِالصَّحِيحِ: “خَيْرُ اَلْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبَقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهٌ. وإنما ظهرتْ بدعةُ التكفير ونمتْ وتأصلتْ على يد الخوارج، الذين كان التكفيرُ بالنسبةِ إليهم قَاعِدَةً مُضطردةًَ، والإيمانُ استثناءً. وقد أفضت بهم هَذِهِ المقالةُ الشَّنِيعةُ إلى إقرارِ التطرفِ الديني كَشريعةٍ تُضَاهِي الشَّريعةَ الإسلاميةَ القائمةِ على التَّسَامُح ونبذ العنفِ، فَقَدْ أباحَ الْخَوَارِجُ قتلَ كُلِّ مُسْلِمٍ عَاصٍ لله تعالى، بِنَاءً عَلَى أصْلِهِمُ الفَاسِدِ: أنَّ الإيمانَ يَزُولُ عن مُرتكبِي الذُّنوبِ مِنَ المسلمينَ، وَهِيَ الفكرةُ التي سَيرفضهَا أئمةُ أهلِ السنةِ والجماعةِ الذينَ نَادَوْا بعقيدةِ الإيمانِ الذي لا يزولُ بذنبٍ دَونَ الكفرِ، واعتبارِ كلِّ من أذنبَ ذنباً من المسلمين دُونَ الكفرِ مؤمناً، وَإِنْ فَسَقَ بِمعصيَّتِهِ.
لقد عَدَّ فُحُولُ المتكلمينَ مَسْأَلةَ التكفيرِ منْ دقائقِ علمِ الكلامِ وَلَيْسَ مِنْ جَلِيِّهِ، كَمَا تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يُبحِرْ فِي هَذَا الْعِلْمِ.(2)
إنَّ النَّاظِرَ فِي مَقَالاَتِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَهِلِ الْحَقِّ، يُدْرِكُ بِجَلاءٍ أنَّ مَسْأَلَةَ التَّكْفِيرِ مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الكَلاَمِ، وَأَنَّ هَذِهِ المسألةَ شَرْعِيَّةٌ وَلاَ دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِي إقْرَارِاهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ وَالْعُسْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الشُّرُوطِ والضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ المرتبطةِ بِهَا.
وَقَدْ أَشَارَ الإمامُ الغزالي إِلَى تِلْكَ الصُّعُوبَاتِ فِي النِّقَطِ الآتِيَّةِ:
•    ضرورة معرفة طبيعة النص الشرعي هل يقبل التأويل أم لا، فإن احتمل التأويل فهل هو قريب أم بعيد؟ ” ومعرفة ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل ليس بالهين، بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة، العارف بأصولها، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ومناهجها في ضروب الأمثال”.
•    ضرورة تمحيص النص المتروك هل ثبت عن طريق التواتر أو الآحاد أو الإجماع.
•    البحث في شروط التواتر: هل تم ذلك على شرط التواتر أم لا ؟
•    الإجماع: وهو من أغمض الأشياء “إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد فيتفقوا على أمر واحد، اتفاقا بلفظ صريح، ثم يستمروا عليه عند قوم وإلى تمام انقراض العصر عند قوم… ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر؟ لأن من الناس من قال إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا جاز، فيحمل توافقهم على اتفاق، ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك، وهذا غامض أيضا.”
•    النظر في صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر، أو هل بلغه الإجماع… فإذاً من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذب فلا يمكن تكفيره”.
• النظر في الدليل الذي تجاوز به صاحب المقالة ظاهر النص هل هو على شرائط البرهان أم لا، لكون البرهان إذا كان وافيا بشروطه رخص في التأويل.
• النظر في مضمون المقالات هل هي مما يعظم ضررها في الدين أم لا، فإن مالا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل، وإن كان القول شنيعا وظاهر البطلان…”(3)
ويخلص الإمام الغزالي بعد عرضه لهذه الضوابط إلى أن مسألة التكفير موقوفة على مجموعة من المقدمات، وهي مقدمات تنتهي حتما إلى سد باب التكفير من أساسه، وجعله من الأمور المستبعدة.
وتأسيسا على ما سبق، فإن التكفير في ميزان الشرع يعد من الأمور الخطيرة والدقيقة التي لا يجوز للمسلم النطق بها، أو وصف أحد من المسلمين بها. ومن هذا المنطلق أيضا ينبغِي النظرُ في بعض النصوصِ الدينيةِ التي وَرَدَ فيها لفظُ التكفيرِ بالنسبةِ للمسلم، من أجل توجيهها توجيها سليما، وعدم حملها عَلَى الكفرِ الحقيقيِّ، وإنما تُحملُ عَلَى التغليظِ والتوبيخ، أو أنها عبارة عن أفعال تشبه أفعال الكفار، أو تجعل المتصف بها في صورة الكفار دون أن تزيل عنه اسم الإيمان.  
إذَا كَانَ تَكْفِيرُ المسلمِ مَرفوضاً إسْلاَمِيّاً، فَوَجَبَ توجيهُ الأحاديثِ النبويةِ التي قد يفهم من ظاهرها تكفير المسلم ببعض الذنوب والمعاصي توجيها صحيحاً ينسجم مع مقاصد الشرع الحكيم في رفض عقيدة التكفير في غياب الضوابط الشرعية اللازمة، كما هو الشأن بالنسبة للأحاديث الآتية:
•    عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ. وَقِتَالُهُ كُفْرٌ”(4)
فقد اعتبر الرسولُ الكريمُ صلوات الله وسلامه عليه سَبَّ المسلمِ وَشَتْمَهُ وَالتكلمَ في عِرْضِهِ مما يعيبه ضربا من الفسوق الذي يعني الخروج عن الطاعة. أما قتاله فهو من الكفر. ولما كان علماء الإسلام حريصين أشد الحرص على عدم تكفير حتى المكفر فإنهم حملوا هذا الحديث على المقاتل المستحل لذلك.
ويستنتج من هذا الحديث:
أولا: أن سب المسلم بغير حق حرامٌ بإجماع الأمةِ، وفاعل ذلك فاسق كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: أن قتال المسلم على وجه الاستحلال كفر.
ثالثا: أن تكفير المسلم بغير حق يؤول إثمه إلى كفر المكفر.(5)
•    عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: ” وَيْحَكُمْ (أَوْ قَالَ وَيْلَكُمْ) لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ”. (6)
فهذا الحديث يحذر صراحة من فعل التكفير لما يترتب عنه من استحالة القتال. وهي أيضا دعوةٌ صريحةٌ إلى الابتعاد عن الكفر والدوام على الإسلام.(7)
ويذهب الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي الشهير بابن أبي زمنين المتوفى سنة 399 هجرية إلى تأويل هذين الحديثين بكون الأفعال المذكورة فيها هي من أخلاق الكفار والمشركين. وسننهم منهي عنها ليتحاشاها المسلمون، وأما أن يكون من فعل شيئا منها مشركا بالله أو كافرا فلا، يدلك على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الْحَجَرِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ رَضِيَ الله عَنْهُ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَالَ رَسُولُ الله ” قُلِ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَاَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا لاَ أَعْلَمُ ” (8)
•    عن نافع بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أّخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا”.(10)
وقد ورد هذا الحديث بصيغة أخرى عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيُّمَا امْرىءٍ قَالَ لأَخِيه: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ. وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ “.(11)
وإذا كان من المقرر عند أهل السنة والجماعة أن المسلمَ لا يُكفرُ بالمعاصي فهذا الحديث جاء ليؤكدَ هذا المبدأ العقدي الراسخ، فإن وصفَ المسلم بالكفر فضلا عن كونه لا يجوز فإن إثم التكفير إنما يرجع إلى المكفر نفسه، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم “بَاءَ بِهَا” أي رجع عليه الكفر، أي الإثم، فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
وهذا الرجوع إنما يكون حسب نية المكفر، فإن كان مستحلا لذلك فالكفر يرجع عليه حقيقة. وإن كان يريد التنقيص من أخيه رجعت عليه نقيصته ومعصية تكفيره. (12)
•    عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، مَنْ كَانَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَمَنْ أََحَبَّ عَبْداً لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لله وَمَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ الله كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي اَلنَّارِ”.(13)
فهذا الحديث جاء ليحدد بعض العناصر المكملة لحقيقة الإيمان ويجعل من بينها كراهية الرجوع إلى الكفر، تماما مثل كراهية الإلقاء في النار.
وَصَفْوَةُ الْكَلاَمِ، فَإِنَّ عَقِيدةَ التَّكْفِيرِ مَرْفُوضَةٌ إِسْلاَمِيّاً، وَأَنَّ الإِسْرَافَ فِيهَا يُؤَدِّي إلَى اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ وَالأَعْرَاضِ … وَهُوَ مَا يُنَاقِضُ شَرِيعةَ الإسْلام القَائِمَةَ عَلَى السَّمَاحَةِ وَالْيُسْرِ وَإسْعَادِ الْخَلْقِ مَعاَشاً وَمَعَاداً، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ التَّحْذِيرُ مِنَ التكفير وَخُطُورَتِهِ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ، عَنْ طَريقِ نَشْرِ عَقائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، التِي تُعْتَبَرُ عِلاَجاً قَوِيّاً لِمَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

* الدكتور عبد القادر بطار، أستاذ المذاهب الكلامية بجامعة محمد الأول بوجدة، المملكة المغربية. abettar@gmail.com

 

الهوامش:

(1) الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي، الصفحة 157 دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1983
(2) شرح معالم أصول الدين، لابن التلمساني،  تحقيق الدكتور عواد محمود عواد سالم، المكتبة الأزهرية للتراث، الطبعة الأولى 2011.
(3) فيصل التفرقة للإمام الغزالي، ص: 78. (ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي) منشورات محمد على بيضون، طبعة دار الكتب العلمية بيروت – لبنان بدون تاريخ.
 (4) حديث صحيح رواه الإمام مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم 116، 1/46. والإمام عبد الله بن أحمد ابن حنبل في كتاب السنة حديث رقم ص: 86.
(5) أنظر شرح صحيح الإمام مسلم للنووي، 2/46.
(6) حديث صحيح رواه الإمام مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم120. ص: 107.
(7) أنظر شرح صحيح الإمام مسلم للنووي، 2/47.
(8) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي الشهير بابن أبي زمنين، ص: 235.
(9) حديث صحيح رواه الإمام مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم 111.
(10) حديث صحيح رواه الإمام مسلم، كتاب الإيمان حديث رقم 111.
(11) صحيح الإمام مسلم بشرح للإمام النووي، 2/42.
(12) حديث صحيح رواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق