بوابة الرابطة المحمدية للعلماء

أنموذجات من الوقفات المنتقدة على الإمام أبي عبد الله الهبطي وتوجيهها (3)

الحمد لله القائل: ﴿وَقُرْءَاناٗ فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَي اَ۬لنَّاسِ عَلَيٰ مُكْثٖ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلاٗ﴾، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي تلقى القرءان عن ربه ورتله ترتيلا، وعلى ءاله وصحبه الذين تحملوه وأدوه إلينا أداء جميلا.

وبعد:

فقد ذكرتُ في الحلقة الثانية من حلقات هذا الموضوع أن وقوف الشيخ أبي عبد الله الهبطي (930ه‍) -رحمه الله- كانت غرضا لنقد بعض العلماء، فبعضٌ أنصف، وبعضٌ أصْلَف.

وذكرت أن الاستقراء التام لوقوف الشيخ الهبطي يُظهر أنه كان تابعا لمذهب الإمام نافع المدني -رحمه الله- في أصول مذهبه في الوقف، وهو كان ينظر إلى المعاني في وقوفه، وذكرت بعض الأنموذجات الوقفية المنتقدة عليه.

وهذه أنموذجات أخرى من الوقوف المنتقدة عليه، مع بيان وجهها وتأصيلها من مذهب الإمام نافع رحمه الله:

* قوله تعالى في سورة المائدة في قصة ابنيْ ءادم: ﴿قَالَ يَٰوَيْلَت۪يٰٓ أَعَجَزْتُ أَنَ اَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا اَ۬لْغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوْءَةَ أَخِے فَأَصْبَحَ مِنَ اَ۬لنَّٰدِمِينَ مِنَ اَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَيٰ بَنِےٓ إِسْرَآءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْساَۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ اَوْ فَسَادٖ فِے اِ۬لَارْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ اَ۬لنَّاسَ جَمِيعاٗ وَمَنَ اَحْي۪اهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا اَ۬لنَّاسَ جَمِيعاٗ﴾:

وقف الهبطي على قوله تعالى: ﴿مِنَ اَجْلِ ذَٰلِكَۖ﴾، وابتدأ: ﴿كَتَبْنَا عَلَيٰ بَنِےٓ إِسْرَآءِيلَ﴾، وهذا وقف الإمام نافع رحمه الله، قال أبو جعفر النحاس: «﴿فَأَصْبَحَ مِنَ اَ۬لنَّٰدِمِينَ﴾ تمام على قول أكثر أهل اللغة، وزعم نافع أن التمام ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ اَ۬لنَّٰدِمِينَ مِنَ اَجْلِ ذَٰلِكَ﴾»(1).

وقال أبو عمرو الداني: «قال نافع: ﴿مِنَ اَجْلِ ذَٰلِكَ﴾ تمام، فجعل ﴿مِنَ﴾ صلة لـ ﴿اَ۬لنَّٰدِمِينَ﴾»(2).

وقال الغزال النيسابوري: «وقد زعم قوم أن ﴿مِنَ اَجْلِ ذَٰلِكَ﴾ صلة للندم، التقدير: ندم من أجل ذلك القتل، وهذا القول جائز أيضا»(3).

وقد وافق الهبطي -رحمه الله- إمامه نافعا في هذا الوقف، فاستجرى عليه النقد دون إمامه البدر؛ فقد ذكر هذا الوقف الشيخ عبد الله الجراري ضمن الوقوف الثلاثة عشرة التي انتقدها شيخه الفقيه أبو شعيب الدكالي على الهبطي، وقال إن فيها غلطا بل أغلاطا(4).

أما الشيخ عبد الله بن الصديق فقال: «ولكن الهبطي وقف على ﴿ذَٰلِكَ﴾، ففصل بين الفعل ومتعلقه، وقطع العلة عن معلولها، وصارت جملة ﴿كَتَبْنَا عَلَيٰ بَنِےٓ إِسْرَآءِيلَ﴾ منقطعة عما قبلها لا رابط بينهما، وهذا إفساد لمعنى الآية سامحه الله»(5).

وإن كان لنا من نقد لهذا النقد، فإنه لا يخرج عن القول إن الهبطي رحمه الله كان تابعا لا متبوعا، وإن نقد الوقف-إن كان- هو لإمامه الذي اختاره، وما على الهبطي بعد ذلك من ملام أو معذلة.

نعم، قد تكلم في هذا الوقف الإمام النحاس والحافظ الداني وغيرهما، وذكروا أن وقف الإمام نافع هذا متجه، وعليه بعض أهل التأويل، وإن كان الأولى الوقف على غير ما وقف عليه، لكن ما غلطوه ولا استجهلوه.

* قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا…﴾.

وقف الإمام الهبطي على قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَۖ﴾، وابتدأ: ﴿وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ…﴾، قال أبو عمرو الداني: «قال نافع: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾: تام»(6) ثم حسنه، وذكره الغزال النيسابوري(7)، ووقفُ الهبطي موافق لمذهب نافع واستحسان الحافظ أبي عمرو الداني له، أما الشيخ عبد الله بن الصديق فقال: «﴿الوقفُ على قَبْلِهِمْ﴾ كما في مصحف حفص، ووقف الهبطي على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ففصل بين المعطوف والمعطوف عليه من غير داع، وأوهم أن كذبوا بلآياتنا بيان لدأب الذين قبل فرعون فقط، وهو إيهام قبيح»(8).

قال الأشموني: «﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾: تام إن جُعل ما بعده مبتدأ منقطعا عما قبله، وخبره ﴿كَذَّبُواْ﴾، أو خبر مبتدإ، وليس بوقف إن عطف على ما قبله»(9).

فانظر للأشموني كيف يوجه على الوقفين، وانظر إلى ابن الصديق كيف يتبع وقف مصحف حفص، ويقبح ما سواه، سامحه الله.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- القطع والائتناف: 202.

(2)- المكتفى: 238-239.

(3)- الوقف والابتداء: 1/463.

(4)- من أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين الرباط وسلا: 1/41-42.

(5)- منحة الرءوف المعطي: 14.

(6)- المكتفى: 287.

(7)- الوقف والابتداء: 2/58.

(8)- منحة الرءوف المعطي: 11-12.

(9)- منار الهدى: 71.