مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

أعلام وكتب علم الكلام بحاضرة سبتة من خلال روايات أبي عبد الله المنتوري (ت.834هـ)

تقديم:

تُعد مدينـة سـبتة  داراً مـن دُور العلم بالغرب الإسلامي، وملتقى للعلمـاء، ونقطـة وصـل بين المغرب بالأندلس، ومَعبراً لأهل المشرق من أجل طلب الرحلة، شكَّلت كتب الفهارس والبرامج والأثبات المصـادر الرئيسـة للمعرفة والعلم والأدب بها مصدرا هاما من مصادر تاريخ هذه المدينة العلمي والحضاري، جاء في تقديم كتاب “شيوخ العلم وكتب الدرس بسبتة” قول الناشر: (من المعروف أن الدَّور الذي نهضت به مدينة سبتة في تاريخ المغرب السياسي والعلمي، دور بالغ الخطورة والشأن، بوَّأها من تاريخ المغرب، بل ومن تاريخ الغرب الإسلامي مكانا عليًّا، قلَّ أن يتبوأ مثله من نظيراتها من مدن المغرب. وهكذا؛ فإذا كان استنقاذ مدينة سبتة من يد مغتصبيها دَيْناً في عنق المغاربة جميعا، فإن في التعريف بتاريخها وأعلامها وآثارهم أداءٌ لبعض واجب الوفاء نحوها)(1)..

وعرفت هذه الحاضرة أُسَراً علمية عديدة وفق ما تُبيِّنه كتب التراجم والتاريخ والمناقب، نجد ذلك فيما جمعه المقري في “أزهار الرياض” وفي “نفح الطيب”، قام عبد السلام شقور بجرد بيوتاتها العلمية، وذكر منها مجموعة من الأعلام(2)، وهم:

بيت القاضي عياض؛ وهو بيت تسلسل العلم والجاه في بنيه خلال ثلاثة قرون أو يزيد، كان منه القضاة والأئمة والمدرسون، عرف منه العالم الكبير أبو الفضل عياض وابنه محمد وحفيده محمد بن أحمد وغيرهم.

– وبيت بني عزفة، وهو بيت نجح بنوه في اقتطاع سبتة والانفراد بها مدة، ثم انفرط عقدهم، وكبا حصان السياسة بهم، وركبوا متن الأدب فكان لهم فيه غنية، وعرف منهم على الخصوص أبو القاسم العزفي صاحب “الدر المنظم فى مولد النبى المعظم”، وأبو عبد الله العزفي.

– وبيت الشرفاء الحُسينيين، واشتهر من هذا البيت جماعة، وآلت زعامتهم إلى الشريف أبي العباس أحمد ابن محمد بن أحمد بن طاهر الحُسيني.

– ثم بيت الشرفاء الحَسنيين (بفتح الحاء)، ومن أبنائه: أبو العباس الحَسني، وابنه أبو القاسم الغرناطي، وابنا هذا الأخير: أبو العباس، وأبو المعالي، وهؤلاء من الفقهاء الأدباء على هذا العصر.

– وكذا بيت عبد المومن الحضرمي، ومن أشهر أبناء هذا البيت: أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي.

– ثم بيت ابن رُشيد السبتي، وهو بيت علم متوارث، فابن رشيد محدِّث أهل المغرب ومسنِده، كان حريصا على استجازة الشيوخ لأبنائه في رحلته، وبرز منهم ابنه الفقيه يحيى وحفيده أبو سعيد رشيد بن يحيى، وهو آخر المذكورين في كتب التراجم لهذه الفترة من تاريخ سبتة.

– وبيت بني الدراج (أو الدريج)، وأصلهم من تلمسان..

– وبيت أبي العيش بن يربوع السبتي..

ولا شك أنه نبغ من بين هؤلاء أعلام كبار في علم الكلام والعقائد، وهو ما سوف يطلعنا على أسماء بعضهم “أبو عبد الله المنتوري“(ت.834هـ)، في كتابه؛ “الفهرسة” التي تُعتبر من أخصب فهارس حاضرة العلم مدينة “سبتة” على أيامه، حفلت بأسماء العديد من أعلام المدينة وكتب الدرس بها، ومن ثم كانت الأقدر على تتبع الدرس الكلامي بهذه الوجهة من غرب العالم الإسلامي، شأنها شأن كتاب “الغنية في أسماء شيوخ القاضي عياض” (ت544هـ). ولاهتمام مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية بكتب العقيدة وعلم الكلام، فسأسعى إلى انتقاء ما رواه “المنتوري” عن شيوخه من كتب هذا الفن من العلوم الإسلامية، مما وقفت عليه منثورا بين ثنايا الكتاب، الذي شمل – إلى جانب ذلك- فنونا عديدة من العلوم التي تلقاها “المنتوري”، ومنها على وجه الخصوص علم القراءات القرآنية الذي برع فيه كثيرا كما يظهر من خلال تأليفه لكتاب: “شرح الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع لابن بري” وغيره من المؤلفات في هذا الباب.

أولا: التأليف في علم الكلام بسبتة:

تميَّزت مدينة سبتة بوجود عدد كبير من المساجد التي كانت مهوى العلماء وطلابهم من أجل طلب العلم وتدريسه، ومنها مراكز علمية ومدارس وخزانات، كـ”المدرسة الشارية” التي أسسها أبو الحسن الغافقي الشاري سنة 635هـ، وهي أول مدرسة أسست بمدينة سبتة. وقد وقفنا على مجموعة من أسماء باقي المساجد ضمن المؤلفات التاريخية حول سبتة، منها: المسجد الجامع العتيق؛ وأعلم شيوخه علي بن محمد الغافقي الشاري، ومسجد مقبرة زجلو؛ الذي بنى صومعته أبو القاسم العزفي، ومسجد القفال؛ الذي درس به جملة من شيوخ العلم بسبتة، ومسجد رحبة الوزان ومسجد زقاق الفضل ومسجد الربض الأسفل وغيرهم كثير. ومن خزانات ومكتبات سبتة نذكر: خزانة المدرسة الشارية، وخزانة المسجد العتيق..(3).

ومن المؤلفات التي تُطلعنا على أعلام سبتة في مختلف مناحي العلوم ومنها علم الكلام، كتب “الفهارس” و”الأثبات” و”البرامج”، بحيث يُعتبر هذا النوع من فنون التصنيف التي اشتهر بها علماء الغرب والأندلس قديماً وحديثاً، غير أنه بالرغم من كثرة الفهارس المصنّفة فإنّ معظمها قد ضاع واندثر، والواقف اليوم على بعض العناوين لا يكاد يغطي فترة معينة من فترات حياة هذا العلم أو ذاك، ومن أمثلة ذلك نجد: “فهرسة ابن خير الإشبيلي” (ت575هـ)، و”فهرسة أبي زكريا السرّاج” (ت805هـ)، و”برنامج أبي عبد الله المجاري” (ت862هـ)، و”ثبت أبي جعفر البلوي الوادي آشي” (ت938هـ) وغيرهم..

ولا يفوتنا القول بأن المتتبع لتاريخ علم الكلام بالغرب الإسلامي لا بد أن تستوقفه مدينة سبتة بكثرة المتكلمين بها، وعلى رأسهم الأشاعرة، نذكر منهم: “أبو طاهر إسماعيل الأزدي” (ت.400هـ)، و”أبو محمد عبد الله بن أحمد التميمي” (ت.501هـ)، و”أبو القاسم المعافري” (ت.502هـ)، ومنهم كذلك شخصيات بارزة ندقق هنا في بعض إنجازاتهم في هذا الفن من فنون العلم، وهم:

أبو الحجاج  يوسف بن موسى الكلبي الضرير” (ت520هـ) آخر المشتغلين بعلم الكلام بالغرب الإسلامي، أخذ عن: أبي بكر المرادي الحضرمي (ت.489هـ)، وأبي مروان عبد المالك بن السراج، وأبي علي الحسين الجياني وغيرهم. وعنه: أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر، والقاضي عياض، ومحمد بن خلف بن موسى الأنصاري الإلبيري، وعيسى بن يوسف بن عيسى بن علي الأزدي، وغيرهم. قال عنه عياض: (كان من المشتغلين بعلم الكلام على مذهب الأشعرية ونظار أهل السنة، عارفا بالنحو والأدب وله في ذلك تصانيف مشهورة)(4)، وقال عنه العباس بن إبراهيم السملالي: (لما مات المرادي خلفه يوسف بن موسى المترجم في علوم الاعتقادات)(5)، تولى مهنة التدريس  بسبتةَ وغيرِها من مدن المغرب وفق ما ذكره عبد الله كنون(6). وهو صاحب “الأرجوزة الصغرى في الاعتقاد”، والأرجوزة الكبيرة: “التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد”؛ وهي في الأصل نظم لإرشاد الجويني، ومن يطَّلع على هذه المنظومة التي تتضمن أكثر من (1600) بيتا، يجدُها مستوعبةً لجميع ما أثاره علم الكلام الأشعري من دقائق الأمور وكبيرها، فهي تحتوي على تسعة وتسعين بابا، بدءا من باب فضل الكلام، وانتهاء بباب ترتيب الصحابة، وقد اعتنى بها العلماء عناية فائقة حيث كانت مجال الدرس المنطقي الأصولي بالغرب الإسلامي، وكثر شراحها إلى حدود القرن التاسع الهجري، وعلى رأسهم شرح محمد بن خليل السكوني(7).

– “أبو الفضل القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي” (ت.544هـ)، الذي كانت له اليد الطولى في كافة العلوم، من حديث وفقه وأصول ولغة وغيرها، وله المصنفات العديدة التي انتفع بها الناس؛ فقد ذكر من فضل إمام المذهب أبي الحسن الأشعري قوله: (بعد أن ألَّف أبو الحسن الأشعري، وكثرت تواليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبُّه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنة وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسُمُّوا باسمه)(8)، وهو الأمر  كذلك الذي زكاه محقق “ترتيب المدارك” حين قال: (احتجاج عياض المتكرر في كتاب الشفا بآراء أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي بكر ابن فورك وأبي المعالي إمام الحرمين الجويني يثبت كل ذلك صلته الوثيقة بمذهب الأشعرية وبكتبهم، وقراءاته لمؤلفاتهم في الاعتقاد ووصفه للباقلاني وأبي بكر ابن فورك بقوله (من أئمتنا) دالٌّ على أنه أشعريُّ المذهب)(9). وقد ألف القاضي عياض كتابه “الغنية” في ترجمة شيوخه وأغلبهم من أهل سبتة، وعلى غرار ذلك ألف التجيبي برنامجه في شيوخ أهل الحديث، ونجد من قبيل ذلك بلديهما أبو عبد الله المنتوري.. وممن ذكرهم عياض في الغنية من أعلام علم الكلام كذلك “عبـد الغـالـب بـن يـوسـف أبـو محمـد السـالمي” المتكلم علـى مـذاهب أهـل السـنـة مـن الأشـعرية، ولـه تصـانيف كثيرة، وقال عنه “صحبته كثيرا بسبتة مـدة مقامـه بهـا ونـاولني كـثـيـرا مـن مجموعاتـه”، تـوفي بمراكش سنة (516هـ).

– كما كان لكتب “أبي بكر بن العربي المعافري” (ت.543هـ) الكلامية حضور وازن في حلقات العلم بسبتة، وقد بزَّت هذه الشخصية سالفاتها في باب علم الكلام الأشعري بالغرب الإسلامي، وهو ما ذكره عبد الله غاني بقوله: (تُعد جهوده من أجل الدفاع عن العقيدة الصحيحة وفي الرد على أفكار الخوارج والشيعة وغيرهم ودحض التهم التي وجهها هؤلاء إلى الصحابة رضوان الله عليهم أو إلى بعضهم جهادا في سبيل تركيز العقيدة الأشعرية في المغرب)(10)، وأكده عمار الطالبي بقوله: (وعندما رجع إلى المغرب بثَّ كتب الغزالي عن طريق التدريس، ويتبين لنا ذلك من شهادة أحد تلاميذ ابن العربي، وهو أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي اللمتوني (ت.575هـ) حيث نصَّ على أنه روى تآليف الغزالي عن القاضي أبي بكر بن العربي)(11)، وما كثرة التآليف التي أنتجها الرجل إلا دليلا على تمكّنه في هذا الفن من العلوم كما قال ابن فرحون: (وصنَّف في غير فن تصانيف مليحة كثيرة حسنة مفيدة منها: “أحكام القرآن” كتاب حسن، وكتاب “المسالك في شرح موطأ مالك”، وكتاب “القبس على موطأ مالك بن أنس”، و”عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي”، و”العواصم من القواصم”، و”المحصول في أصول الفقه”، و”سراج المريدين” و”سراج المهتدين”، و”كتاب المتوسط” وكتاب “المتكلمين”، وله تآليف في حديث أم زرع، وكتاب “الناسخ والمنسوخ” و”تلخيص التلخيص”، وكتاب “القانون في تفسير القرآن العزيز”، وله غير ذلك من التآليف)(12)، هذا بالإضافة إلى جانب كتاب: “الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا”، وكتاب “المقسط في شرح المتوسط” وغيرها، ما يفيدنا باختصاص الرجل في علم الكلام الأشعري وطرق مباحثه.

من جهة أخرى، ومن خلال التقسيم الذي وضعه الأستاذ جمال علال البختي عن تطور الأشعرية في المغرب – وحاضرة سبتة تابعة لهذا التقسيم-، والذي حدَّده أثناء تعريفه بعمل “ابن خمير السبتي” (ت.614هـ) المُسمَّى: “مقدمات المراشد إلى علم العقائد”(13) في ثلاث مراحل، تتبين لنا الجهود الكبيرة التي اضطلع بها أشاعرة الغرب الإسلامي في تثبيت مذهبهم العقدي، وجاءت هذه المراحل كالتالي:

– مرحلة ما قبل الترسيم وهي التي ابتدأت مع “دراس بن إسماعيل” (357هـ) ناشر المذهب بإفريقية،

– ومرحلة الترسيم والترسيخ ابتداء من عمل “المهدي بن تومرت” (ت.524هـ) باني النهضة الموحدية وخلفِه “عبد المومن بن علي“،

– ثم مرحلة الاكتساح والتوسع مع “ابن الإشبيلي” (ت.567هـ) و”ابن حرزهم” (ت.552هـ) وغيرهم، وصولا إلى مرحلة برهانية “أبي عمرو السلالجي” (ت.574هـ) و”عبد الجليل بن أبي الربيع القصري” (ت.608هـ) وغيرهم.. وذكر على رأس هؤلاء:

أبو الحسن علي بن خمير السبتي” (ت.614هـ)، والذي يُعد أحد كبار أعلام المذهب الأشعري بسبتة على أيامه، تلقَّى جملة من العلوم على بعض شيوخ سبتة ممن وجدوا ضمن طبقته؛ كـ”أبي محمد عبد الله بن محمد الحجري” المشهور بأبي عبيد (ت.591هـ) المُحدِّث الشهير والذي استقر بسبتة بعد دراسته بالأندلس، و”محمد بن عامر بن محمد بن عبادة الأنصاري الخزرجي” (ت. بعد: 580هـ) الذي أقرَأ ببعض مساجدها واختصَّ بالقراءات القرآنية، و”أبي الحسن بن يونس الغافقي” و”أبي الحسن  بن حبيش”، وقد ورد ذكرهم في “فهرسة المنتوري” بكثرة.

ومما ذكره الأستاذ جمال البختي من احتمال تلقِّي ابن خمير عن بعض رؤوس الأشعرية قوله: (ولا شك أنه اتصل بأبي عبد الله ابن الكتاني الفندلاوي (ت.596هـ) الذي صار رائد ورأس المدرسة الأشعرية بعد وفاة شيخه أبي عمرو السلالجي، لا سيما وأن ابن الكتاني درس لجملة من أعلام سبتة كأبي الحسن الشاري معاصر ابن خمير – صاحب المدرسة الشارية السبتية-)(14). هذا، ويعد كتاب ابن خمير السبتي: “مقدمات المراشد إلى علم العقائد” أبين كتاب لعلماء سبتة في باب العقائد وعلم الكلام الأشعري على عهده، وما يؤكد هذه السمة قول محمد بنشريفة: (يعتبر كتاب “مقدمات المراشد” من أقدم تآليف المغاربة في علم الكلام، وهو من أهمها إن لم نقل أهمها على الإطلاق)(15).

ومن خلال النظر في محتويات الكتاب يظهر جليا تمكن ابن خمير من مباحث علم الكلام جملة وتفصيلا؛ فهو يبتدئ الكتاب بمقدمات ممهدات، ويتبع ذلك بأبواب هي: باب في الرد على من عاب هذا العلم، وباب الكلام في معنى العقل والتكليف، ثم ينتقل إلى باب الإلهيات وأوله: بيان علم الله تعالى وصفاته، وباب نفي التشبيه، وباب الاستدلال على وحدانية الله تعالى، وباب في إثبات الصفات، وباب فيما يجوز له من أحكام، وبعد ذلك يتطرق لباب النبوات، ثم باب السمعيات.. وهي على كل حال جل المباحث الكلامية التي تتضمَّنُها مؤلفات أعلام هذا الفن.

وأهم سمة تطغى على مضمون مؤلفات أبي الحجاج الضرير وابن العربي والقاضي عياض وابن خمير تلك المباحث المتعلقة بعقائد أهل البدع والرد عليها كما سنتعرف عليها في هذه الفقرة:

– فكُتب “عياض” تُعتبر رافدا مهما لكتب مقالات الفرق والملل والنحل، وقد تناوَلَت ردودُه نقولات معظم الفرق الكبرى المعروفة، غير أنه ركز بصفة خاصة على نقض مقالات المعتزلة في تحكيمهم العقل على الشرع، كما ردَّ على الخوارج والشيعة والكرامية والسالمية والمجسمة والجهمية والمتصوفة. وهو في الغالب لا يذكر ذلك ابتداء، وإنما يسوقه تبعا لما يقرره من عقيدة أهل السنة، ويستفيد من كل مناسبة للرد على أهل الأهواء، ولعل أشهر مؤلفات القاضي عياض وأكثرها تداولا بين الناس، كتاب “الشفا” كما يرد مختصرا أو كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى“، وهو كتاب في شمائل نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم-، حصر الكلام فيه في أربعة أقسام: القسم الأول في تعظيم قدر النبي قولًا وفعلًا، الثاني فيما يجب على العباد من حقوقه عليهم، الثالث فيما يستحيل في حقه وما يجوز وما يمتنع وما يصح، والقسم الرابع في تصرف وجوه الأحكام على من تَنَقَّصه أو سَبَّه.. وخلاصة ما انتهى إليه القاضي عياض في كتابه تبريئا لنبي الله عليه الصلاة والسلام مما نسبه المشركون والضالون في أحواله من المنكرين للنبوة قوله: (قد استبان لك أيها الناظر بما قرَّرناه ما هو الحق من عصمته صلى الله عليه وسلم عن الجهل بالله وصفاته وكونه على حاله تنافي العلم بشيء من ذلك كله بعد النبوة عقلا وإجماعا وقبلها سمعا ونقلا ولا بشيء مما قرَّره من أمور الشرع وأدَّاه عن ربِّه من الوحي قطعا عقلا وشرعا، وعِصمتُه عن الكذب وخلف القول منذ نبَّأه الله وأرسلَه قصدا أو غير قصد، واستحالة ذلك عليه شرعا وإجماعا ونظرا وبرهانا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعا وعن الصغائر تحقيقا، وعن استدامة السهو والغفلة واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمتُه في كل حالاته من رضا وغضب وجد ومزح)(16).

– وإذا كان كتاب “الشفا” لعياض قد تضمن الحديث عن تعظيم مقام النبوة، فإن نفس الكلام يمكن أن يقال عن كتاب: “تنزيه الأنبياء عما نسبه إليهم حثالة الأغبياء” لـ”ابن خمير”، الذي ردَّ فيه على أهل البدع من أهل سبتة، وجمع فيه بين التفسير والعقائد؛ إذ موضوعه الأساس: “الدفاع عن مرتبة النبوة وإثبات عصمة الأنبياء مما نسبه المبتدعة إليهم من صغائر الذنوب وكبائرها مما لا يليق بمقامهم الشريف من طرف بعض القصاص والمؤرخين والوعاظ والطاعنين في مقام النبوة من أهل الكتاب بسبتة كذلك”- كما قال-، ولذلك قام ابن خمير بالرد على من اعتبرهم جاهلين بحدود الشريعة وأركان العقيدة، يقول في ذلك: (ثم قيض الله لتلك الحكايات في هذا الوقت المنكوب شرذمة من المقلدة المنتمين إلى الإرادة، والقصاص المدعين في غرائب العلم وبواطن المعاني المنتمين إلى الوعظ والتذكير، فتراهم ينتقلون من المزابل إلى المنابر، فيطرحون الكلام في وظائف التوحيد ومزعجات الوعد والوعيد وأقسام أهل الدَّارَيْن في الدرجات والدركات، ويخوضون في أحوال الأنبياء – عليهم السلام- ويتمندَلون بأعراضهم على رؤوس العوام الطغام)(17)، وقد تضمَّن كتابه جملة من الردود والشبهات حول الأنبياء، والبحث في الروايات التي انبنت عليها لردِّها وتسفيهها، وهو نفس الأمر كذلك الذي دفعه لتأليف كتابه الأشهر “مقدمات المراشد” الذي تضمن مبحثا خاصا في واحد وثلاثين فصلا، وهو باب: “الكلام في القاعدة السادسة وتتضمن النبوات”، ومنها فصل بعنوان: “التحذير من النظر في كتب القصاص والمفسرين المضلين” لرد الأكاذيب التي طعن فيها اليهود والنصارى ومجموع الفلاسفة في عقائد المسلمين وما اختلقوا من الأكاذيب في حق الأنبياء، معتمدا على أمهات كتب العقيدة الأشعرية التي كانت منتشرة بحاضرة سبتة في تلك الفترة من تاريخها الإسلامي.

– كما أن  موقف “ابن العربي” كان واضحا بخصوص الرد على الطاعنين في اختلاف الصحابة، مما نجده مبثوثا في كتابه: “العواصم من القواصم“؛ وهو مصنَّف في أصول الدين، جليل القدر، كثير النفع، تغلب عليه النزعة النقدية والردود القوية، وسلك فيه ابن العربي منهجا نقديا قائما على عرض كل قاصمة ثم الرد عليها بعاصمة تعصم من خطرها، ومحتواه يجمع بين التوحيد وعلم الكلام، ثم الحديث عن الصحابة وفضلهم ورد المطاعن التي وُجهت إليهم، ومن ذلك قوله في قاصمة التحكيم: (وقد تحكَّم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة – دون الديانة- رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين)، ثم ذكر في خاتمتها قوله: (فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرِضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرجوا عن سبيل الناكثين إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين. وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد هلك من كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خصمه، ودَعُوا ما مضى فقد قضى الله فيه ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادا وعملا، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا)(18).

فهذه نماذج من كتابات بعض السبتيين في باب العقائد وعلم الكلام، أدرجناها للاستدلال على رواج هذا الفن من العلوم في الحاضرة السبتية، وعلى رأسهم ابن خمير الذي استفرغ جهده في مناقشة المخالفين الذين منعوا الاشتغال بعلم الكلام من فقهاء ومُحَدِّثي أهل بلده، وعرضنا كذلك لآراء باقي المشتغلين بهذا العلم الذين جعلوه السبيل إلى الرد على خصوم الفكر والعقيدة كما رأيناه عند القاضي عياض وغيره، وسنقوم بعد هذا بعرض أهم من اعتمدهم “المنتوري” في فهرسته من شيوخ؛ وجُلُّهم من علماء هذا الفن، ومن كتب الدرس المعتمدة في هذا الفن من العلوم، سواء منها الكتب المفردة فيه أو الكتب الجامعة.

ثانيا: فهرسة المنتوري: الأعلام والمؤلفات: عرف الإمام المقرئ، الفقيه، أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن عبد الله القيسي الـمِنْتَوري (ت.834هـ) (19) كأحد علماء الحاضرة السبتية، حلَّاه قرينه الشيخ المسند يحيى السرّاج بقوله: «صاحبنا الفقيه، القاضي النزيه، الأستاذ المحقق الحافظ»، وقال عنه ابن القاضي: «العالم الأستاذ الرُّحلة، المحدّث المتفنن، شيخ الجماعة»، وشُهر بفهرسته المسماة باسمه، والتي جاء في تقديمها قول محققها: (ولا يخفى على من تصفّح هذه الفهرسة أنها فهرسة حافلة بأسماء التصانيف المؤلفة في كثير من العلوم والفنون، فبدونها كان سيغيب عنا أسماء كثير من الإبداعات التراثية، كما أنها تطلعنا على اتصال الأسانيد العلمية التي ظلّ أهل الأندلس محافظين عليها إلى آخر عهدهم بأرض الأندلسٍ، كما تدلنا هذه الفهرسة المباركة أيضا على أن التواصل العلمي بين المغاربة والمشارقة لم ينقطع في يوم من الأيام، وغني عن البيان أن ما يضفي بالغ الأهمية على هذه الفهرسة كونها من أوعب الفهارس وأنفعها وأكثرها فائدة)(20).

وهذا العمل هو من صميم علم الإسناد الذي تفرَّدت به الحضارة العربية الإسلامية عبر تاريخها التليد، فمما لا شك فيه أن علم الإسناد هو علم عربي أصيل، وخصيصة من خصائص الأمة الإسلامية، فعن مُحَمَّد بْن حَاتِمِ بْنِ الْمُظَفَّرِ قال: (إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالْإِسْنَادِ)(21)، وهو ما تؤكده لنا هذه الشاكلة من المؤلفات التي تهتم بترجمة الأعلام وكتب الدرس. ومن ذلك ما أفرده أبو عبد الله المنتوري في وصف فهرسته بالقول: (يقول عبيد الله محمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن عبد الله القيسي المنتوري: هذا كتاب يشتمل على ما حملتُه عن شيوخي رضي الله عنهم ورَويتُه، بأي نوع أخذتُه وتلقيتُه، فأبدأ أولا بذكر ما رويته بالقراءة والسماع لجميعه أو لبعضه من الكتب المفردة، ثم أتبع ذلك ما أخذته بالإجازة من التآليف على اختلافها وشتى أصنافها، والله ولي الإرشاد، والمان بتكميل المراد، وهو حسبي ونعم الوكيل)(22).

وإذا كانت فهرسة المنتوري حافلة بأعلام حاضرة سبتة في مختلف أصناف العلوم، وكان غرض المؤلف منها إيراد أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم سواء ممن لقيهم أو من غيرهم، واشتملت كذلك على أسماء التآليف التي أخذها عنهم، فإنني سأذكر هنا ما اشتهر من كتب العقيدة وعلم الكلام (وإن كان بعض هذه الكتب يجمع بين أركان الإسلام وقواعده؛ أي بين العقيدة والعبادات)، وذلك وفق الآتي (وهي مرتبة بحسب سنوات وفيات أصحابها).

1- يروي أبو عبد الله المنتوري عن عدد من شيوخ العلم وأساتذته بحسب فن العلم الذي رواه عنهم، وذكر منهم أكثر من ثلاثين شيخا، وهم:

– أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن محمد بن لب التغلبي (ت.782هـ)، وحلاه بالأستاذ الخطيب المقرئ المتفنن المفتي، وهو إمام الأندلس وعالمها المشهور وإليه مدار الفتوى بغرناطة، واختص بعلم القراءات القرآنية، وقد أذن له في رواية مؤلفاته.

– أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن جزي الكلبي (ت.785هـ)، عرفه بالشيخ القاضي والأستاذ والخطيب والراوية. وعرف بجامعه: “القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية”، ولي القضاء بالأندلس، وله مشاركة حسنة في فنون عدة.

– أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن لب بن حسن بن بقي (ت.791هـ)، وهو صهره (أبو زوجته)، حلاه بالأستاذ الخطيب المتصوف السالك الراوية، وله قراءات على أبيه وعلى ابن الفخار.

– أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر اللخمي الفاسي (ت.794هـ)، وحلاه بالشيخ الأستاذ والمقرئ الراوية الصالح.

– أبو زكريا يحيى بن أحمد بن محمد بن حسن السراج النفزي الفاسي (ت.803هـ) الشيخ المقرئ الراوية، انتهت إليه رئاسة الحديث في وقته.

– أبو بكر يحيى بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري (ت.806هـ)، حلاه بالشيخ والقاضي والفرضي والخطيب والصوفي، تولى قضاء الأندلس، وأخذ عن شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخار، وأذن له شيخه في رواية تآليفه.

– أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن عمر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني القيجاطي (ت.811هـ)، حلاه بالأستاذ المقرئ والأعرف والمحقق وإمام الإقراء ومعلم الأداء، واختص كذلك بعلم القراءات القرآنية، وقرأ عليه مؤلفاته تفقها.

وممن أجازه من غير لقاء، وأغلبهم من المشارقة على وجه الخصوص، الشيوخ الآتية أسماؤهم:

– صلاح الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر الأنصاري البلبيسي الشافعي (ت.792هـ)، الراوية المصري وهو من أهل الدراية بالحديث النبوي.

– أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي (ت.803هـ)، المفتي التونسي، حلاه بالشيخ الخطيب والأستاذ الحافظ، وهو صاحب التصانيف المفيدة ومختصراته وعلى رأسها المختصر الفقهي الشهير الذي يُعد متنا من المتون الفقهية المالكية المعتبرة عند أهل المذهب، ويعتبر هذا العالم ممن تقدم في العلم حتى عُدَّ من مجتهدي المذهب المالكي ومجدديه، وقد أجاز له رواية مؤلفاته عنه من تونس كتابة.

– جمال الدين/ أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك الهندي، السعودي الشهير بالحلاوي، (ذكره في الضوء اللامع بقوله: عبد الله بن عمر بن عَليّ بن مبارك الْجمال أَبُو الْمَعَالِي بن السراج أبي حَفْص بن أبي الْحسن الْهِنْدِيّ الأَصْل القاهري الْأَزْهَرِي الصُّوفِي السعودي وَيعرف بالحلاوي.. مَاتَ بِالْقَاهِرَةِ فِي صفر سنة سبع، وحلاه بالشيخ الفقيه والمحدث المكثر، (ولم يشر إلى وفاته).

– محيي الدين/أبو عمرو محمد بن أحمد القرشي النويري (ت.786هـ)، قاضي مكة وخطيبها، تفقه بدمشق، وولي قضاء مكة مدة طويلة.

– الشريف نور الدين أبو الحسن علي بن أحمد النويري المالكي (ت.799هـ)، إمام المالكية بالحرم المكي، حلاه المنتوري بالشيخ والفقيه والقاضي.

– زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن العراقي الشافعي (ت.806هـ)، قاضي المدينة، حلاه بالشيخ المحدث المسند الحافظ.

2 لكن مما يلاحظ على هؤلاء الأعلام الذين ذكرهم المنتوري في فهرسته ضمن شيوخه، أنه لا يفصح عن عناوين الكتب التي أخذها عنهم، ولذلك ضاع علينا الكثير من أسماء كتب علم الكلام التي كانت تُروى بحاضرة سبتة، إلا أنه وبتتبع أسماء الأعلام الآخرين، نجده يذكر طائفة من أسماء الكتب التي تلقاها عن شيوخه كما قال: (فأبدأ أولا بذكر ما رويتُه بالقراءة والسماع لجميعه أو لبعضه من الكتب المفردة)(23) وهي التي سنوردها هنا مقتصرين على كتب علم الكلام والكتب الجامعة، وسنجعلها في المرتبة الثانية من مروياته، وهي كما يلي:

– كتاب: “الرسالة” لمحمد بن أبي زيد القيرواني (ت.386هـ)، قرأ جميعه على أستاذه أبي عبد الله محمد بن محمد بن عمر، وحدثه به أبو الحسن علي بن سليمان القرطبي، وتفقه به على يد أستاذه أبي سعيد بن لب.

– كتاب: “الرسالة الواعية (الوافية) لمذاهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات” لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت.444هـ)، يرويها عن أستاذه أبي عبد الله القيجاطي وساواه في روايتها.

– كتاب: “الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد“، لأبي المعالي عبد الملك الجويني (ت.478هـ)، وأجازه في روايته أبو الحسن علي بن سليمان القرطبي.

– كتاب: “بداية الهداية” وكتاب: “إحياء علوم الدين“، لأبي حامد الغزالي (ت.505هـ)، يروي الأول عن أبي زكريا بن السراج وقال عنه: (وناولني جميعه في أصل مقروء على الحجري، وحدثني به عن القاضي أبي البركات محمد بن محمد بن الحاج عن الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الغافقي عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله الأزدي عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد الحجري عن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي عنه) (24)، ويروي الثاني عن شيخه أبي عبد الله القيجاطي.

– كتاب: “العواصم من القواصم” وكتاب: “سراج المريدين في سبيل المهتدين“، لأبي بكر بن العربي المعافري (ت.543هـ). قرأ الأول على أبي عبد الله محمد بن محمد بن عمر وعن أبي الحسن علي بن سليمان القرطبي.

– كتاب: “الإعلام بحدود قواعد الإسلام“، للقاضي عياض السبتي (ت.544هـ)، قرأه على الراوية أبي زكريا يحيى بن أحمد بن السراج، و”الغنية” عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عمر، وحدثه بها أبو الحسن علي بن سليمان القرطبي.

– كتاب: “شرح القواعد“، لأبي العباس ابن قاسم الجذامي القباب (ت.778هـ)، وهو شرح لكتاب عياض (السابق)، قرأه على أستاذه أبي زكريا يحيى بن السراج.

– كتاب العقيدة المسماة: بـ”نصيحة الوالد للولد في توحيد من لم يلد ولم يولد” لأبي فرج بن قاسم بن لب التغلبي (ت.782هـ)، وسمعه عنه.

3هذا، وقد شملت فهرسة المنتوري إلى جانب هؤلاء الأعلام والمؤلفات، مجموعة من تآليف أهل الفن، وقد أشار محقق الكتاب (بنشريفة) إلى بعض أسماء الكتب التي رواها المنتوري عن هؤلاء الشيوخ ومنها كتب علم الكلام والعقائد، ومن هؤلاء من يقرن المنتوري اسمه بصفته العلمية: (كالمقرئ والفرضي والفقيه والمتكلم والراوي والنحوي واللغوي.. وهكذا)، وسأذكر منهم هنا بعض الأسماء التي أشار فيها إلى صفته العلمية في أصول الدين أو روايته لأحد كتبه في فن الكلام والعقائد، دون تكرار من سبقت الإشارة إليه، مرتَّبين بحسب سنة الوفاة، وفق الآتي:

– تآليف منذر بن سعيد البلوطي (ت.355هـ)، ويرويها عن أبي زكريا بن السراج.

– تآليف أبي عبد الله ابن مجاهد الطائي (ت.370هـ) المتكلم، حدثه بها شيخه أبو عبد الله القيجاطي.

– تآليف القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت.403هـ)، ويرويها عن أبي زكريا بن السراج.

– تآليف أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك الأشعري (ت.406هـ)، وحدثه بها شيخه ابن السراج.

– تآليف القاضي أبي محمد عبد الوهاب البغدادي (ت.422هـ)، وحددها في ستة عشر تأليفا ومنظومة.

– تآليف أبي ذر الهروي (ت.435هـ)، ويرويها عن أبي زكريا بن السراج.

– تآليف أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت.474هـ)، وهي ثلاثون تأليفا، يرويها عن ابن السراج.

– تآليف أبي القاسم عبد الجليل بن أبي بكر الربعي الديباجي (ت.478هـ)، حلاه بالمتكلم، وله رسالة في الاعتقادات، ويروي عن أبي عبد الله بن عمر عن أبي الحسن بن سليمان عن أبي عمر بن حوط الله.

– تآليف إمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت.478هـ) صاحب العقيدة، روى عن أبي زكريا بن السراج.

– تآليف أبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي (ت.489هـ)، ويروي مؤلفاته عن أبي عبد الله بن عمر عن أبي الحسن بن سليمان عن أبي عمر بن حوط الله.

– تآليف أبي الحجاج يوسف بن موسى الكلبي الضرير (ت.520هـ)، وحدثه بتأليفه أبو عبد الله بن عمر عن أبي الحسن بن سليمان عن أبي عمر بن حوط الله عن أبي جعفر بن حكم، عن أبي الفضل عياض.

– تآليف أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي (ت.521هـ)، وهي نحو الثلاثين تأليفا، يرويها عن أبي سعيد بن لب عن أبي الحسن القيجاطي.

– تآليف أبي الحكم عبد السلام ابن برجان (ت.536هـ) مؤلف “شرح الأسماء الحسنى”، وحدثه بمؤلفاته: القاضي أبو بكر بن جزي عن أبيه.

– تآليف أبي العباس أحمد ابن العريف (ت.536هـ)، ويروي عن أستاذه أبي عبد الله القيجاطي.

– تآليف القاضي أبي بكر بن العربي المعافري (ت.543هـ)، وهي نيف على أربعين تأليفا، ويرويها عن أبي عبد الله بن عمر عن أبي الحسن بن سليمان.

– تآليف القاضي عياض (ت.544هـ)، وذكر أنها نحو من عشرين تأليفا وخطبه ومنظوماته، يرويها عن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عمر عن أبي الحسن علي بن سليمان القرطبي، كما يروي كتاب “الشفا” عن أبي زكريا يحيى بن أحمد بن السراج، وذكر أنه ساواه في روايته.

– تآليف ابن عطية الأندلسي صاحب التفسير (ت.542 او546)، ويرويه عن أبي زكريا يحيى بن أحمد بن السراج. وأجازه في رواية تفسيره: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر.

– تآليف أبي الوليد محمد بن رشد القرطبي (ت.595هـ)، وحدثه بها أستاذه أبو عبد الله بن عمر عن أبي الحسن بن سليمان.

– تأليف فخر الدين الرازي (ت.606هـ)، وحدثه بها أستاذاه السابقي الذكر.

 – تآليف ومنظومات أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ بن المناصف الأزدي القرطبي (ت.620هـ) له كتاب في أصول الدين وآخر بعنوان: “الإنجاد في أبواب الجهاد”، حدثه بمؤلفاته أستاذه أبو عبد الله البلنسي عن ابن الفخار.

– تآليف أبي عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري (ت.640هـ) صاحب التصانيف الكلامية، وقد حدثه بها أبو عبد الله عمر عن أبي الحسن بن سليمان عن القاضي أبي القاسم عبد الله بن القاضي أبي عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع عن أبيه.

– تآليف أبي الخطاب محمد بن خليل السكوني (ت.652هـ)، له كتاب سماه: “التذكرة” اشتمل على نيف وتسعين شيخا، وله كذلك: “ناظمة الفرائض في عقد العقائد” – كما ذكر ذلك بنشريفة-، حدث المنتوري بمؤلفاته: القاضي أبو بكر بن جزي عن أبيه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير عنه.

– تآليف أبي بكر أحمد بن الفخار الجذامي الأركشي (ت.723هـ)، وهي سبعة وعشرون تأليفا منها؛ شرحه على “الرسالة” و”منظوم الدرر في شرح المختصر” للطليطلي، حدثه بمؤلفاته شيخه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مخير الأشعري (ت.791هـ) الفقيه المقرئ، عنه.

– تآليف أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي (ت.749هـ) وخطبه ورسائله ومنظوماته، (الفقيه الكاتب النحوي اللغوي المحدث) كما عرفه الزركلي في الاعلام، حدثه بها القاضي أبو بكر بن جزي عنه.

– تآليف أبي محمد عبد الجليل القصري (ت.608هـ)، صاحب كتاب: “شعب الإيمان”، ويرويه عن أبي زكريا بن السراج عن القاضي أبي البركات بن الحاج عن أبي إسحاق الغافقي عن أبي عبد الله الأزدي.

– تآليف تاج الدين ابن عطاء الله السكندري (ت.709هـ)، صاحب “الحكم العطائية”، حدثه بها الخطيب أبو جعفر بن سالم عن الخطيب أبي القاسم بن شعيب عنه. وروى “شرح ابن عباد الرندي” عليه عن أبي زكريا يحيى بن أحمد بن السراج.

– تآليف شيخه وأستاذه أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي الكناني القيجاطي وأجوبته، وقال عنها: (قرأتها عليه تفقها)(25).

– تآليف الخطيب أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي (ت.803هـ) صاحب المختصر المشهور، وقال: (أجاز لي روايتها عنه من تونس كتابة)(26).

– تآليف الخطيب أبي الربيع سليمان بن سبع الأنصاري السبتي، توفي في نحو (520هـ)، صاحب كتاب: “شفاء الصدور، في أعلام نبوة الرسول، وخصائصه”؛ وهو موسوعة في الحديث والسير، كما له كتاب: “الحجة في إثبات كرامات الأولياء، وإيضاح البراهين من صحة وقوعها من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة”، ويعد أبو الربيع هذا أقدم عالم مغربي وصلنا تراثه.

هذا إلى جانب مجموعة من التصانيف المتنوعة، نذكر بعضها مما يتصل بموضوعنا، وهي:

– فهرسة الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبيد الحجري (ت.591هـ)، ورواها عن أستاذه الراوية أبي زكريا يحيى بن أحمد بن السراج، وأجازه في جميعها.

– الغنية في شيوخ القاضي عياض (ت544هـ)، وقرأها على أبي عبد الله محمد بن محمد بن عمر، وحدثه بها أبو الحسين علي بن سليمان القرطبي.

– برنامج أبي الحسن علي بن عتيق بن موسى الأنصاري الخزرجي (ت.598هـ)، وقرأ منه على أبي زكريا يحيى بن أحمد بن السراج.

– برنامج أبي الحسن علي بن محمد بن علي الغافقي الشاري (ت.649هـ)، وقرأه على أصل مقروء على الراوية ابن السراج مناولة.

– برنامج القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأزدي السبتي (ت.567/568هـ)، وقرأه كذلك على ابن السراج.

– وتآليف أبي العباس بن أبي عزفة (حاكم سبتة) (ت.633هـ)، وحدثه بها أستاذه أبو بكر بن جزي.

– وتآليف ابن دقيق العيد (ت.702هـ)، حدثه بها أستاذه أبو عبد الله بن عمر.

– وتآليف أبي العباس بن البنا المراكشي ومنظوماته (ت.721هـ)، يرويها عن أبي زكريا يحيى بن السراج.

– وتآليف أبي إسحاق الشاطبي وأجوبته ومنظوماته (ت.790هـ)، صاحب “الموافقات” و”الاعتصام”، وذكر أنه وقف على خطه بذلك…

وغير هؤلاء من أصحاب البرامج والمشيخات، ومنهم شيوخه المباشرين كما أشرنا إليهم في بداية هذا البحث. هذا، وقد حلَّى هذا البرنامج/الفهرسة ناسخه: “علي بن قاسم البياضي الأنصاري”، المُدرِّس بالمدرسة النصرية اليوسفية في غرناطة، وآخر الوراقين بالأندلس، المتوفى سنة (912هـ) بقوله: (نجز بحمد الله وعونه وتأييده وتيسيره وصونه، تقييد هذا البرنامج المبارك الغريب في نوعه ومنزعه، العجيب في مساقه ومهيعه، جدَّد مؤلفه – نفعه الله- بتأليفه هذا مآثر لأهل هذا الفن في هذا القطر طُمست)(27)، وكان غرض المؤلف أولا وأخيرا التعريف بشيوخ العلم ومجالس الدرس بحاضرة العلوم سبتة، جريا على عادة كبار المشايخ بها في التعريف بشيوخهم وذكر أسانيدهم في مختلف فنون العلم.

ختاما: هكذا، أطلعَتنا “فهرسة المنتوري”على إسناد العلوم بسبتة في شتى فنون العلم، ومنها علم الكلام الأشعري؛ رجال علم وكتب درس، وعرَّفَتنا على بعض الأسر العلمية بهذه الحاضرة، وقد اعتُبر أبو عبد الله المنتوري (ت.834هـ): “العالم الأستاذ الرُّحلة، المُحدِّث المتفنن، شيخ الجماعة” كما قال عنه ابن القاضي، خيرَ مُعبِّر عن الحركية العلمية التي كانت عليها بصرة العلوم بالغرب الإسلامي (سبتة) خلال تاريخها الإسلامي المجيد، أعلاما وكتبا ومساجد وربطا وزوايا ومدارس علم وخزانات كتب.. قبل أن تحل بها كارثة الاحتلال وتسقط في يد الفرنجة عام 818هـ/1415م، وبالتالي أوقفتنا هذه الكتب كذلك على فشو علم الكلام والمتكلمين بها، وعلى رأسهم الأشاعرة كما رأينا؛ بدءا من أبي بكر المرادي وأبي الحجاج يوسف الضرير وأبي بكر بن العربي والقاضي عياض وابن خمير السبتي وغيرهم..

الهوامش:

 (1) شيوخ العلم وكتب الدرس في سبتة، حسن الوراكلي، منشورات جمعية البعث الإسلامي/ تطوان، ط/1-1984 (من تقديم الكتاب)

(2) من بيوتات سبتة في القرن 8، عبد السلام شقور، دعوة الحق- العدد: 286 شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

(3) انظر: الحركة العلمية في سبتة خلال القرن السابع الهجري، لإسماعيل الخطيب، منشورات جمعية البعث الإسلامي/ تطوان، ط/1-2011، وخلاصة تاريخ سبتة بالأثر والمأثور وما جاورها من المداشر والقرى حتى كدية الطيفور، لمؤلفه القاضي محمد السراج المتوفى سنة 1984، منشورات المجلس العلمي المحلي لعمالة المضيق/الفنيدق، ط/2018

(4) الغنية “فهرست شيوخ القاضي عياض” المسمى: الغنية، تحقيق: علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية/القاهرة، ط/1-2003، 2/226

(5) الاعلام بمن حل مراكش وأغمات من الاعلام، لعبد الواحد المراكشي، ج/10- 308ّ

(6) النبوغ المغربي في الأدب العربي، لعبد الله كنون، ج/1- 77

(7) تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ليوسف حنانة، ص: 84

(8) ترتيب المدارك وتقريب المسالك في أعلام مذهب الإمام مالك، للقاضي عياض، تحقيق ابن تاويت الطنجي وغيره، طبعة وزارة الأوقاف، ج/5، ص: 24

(9) نفسه.

(10) مقال: “دخول الأشعرية إلى المغرب”، عبد  الله غاني، مجلة دار الحديث الحسنية، العدد: 9/1412هـ، ص:110

(11) آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، عمار الطالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع/الجزائر، ص: 29

(12) الديباج المذهب، لابن فرحون، ج1، ص: 412-413

(13) مقدمات المراشد إلى علوم العقائد، لابن خمير السبتي، حققه وقدم له: جمال علال البختي، ص: 13 وما بعدها

(14) نفسه، ص: 42

(15) مقال: “ابن خمير السبتي وآثاره”، محمد بنشريفة، مجلة دار الحديث الحسنية، ع: 10، ص:28

(16) كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، تقديم وتحقيق: عامر الجزار، دار الحديث/القاهرة، ط/2004، ص: 396

(17) تنزيه الأنبياء عما نسبه إليهم حثالة الأغبياء، لابن خمير السبتي، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر/ بيروت، ط/1-1990، ص: 25-26

(18) العواصم من القواصم، لابن العربي (النص الكامل)، مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي، ص: 117-123

(19) مصادر ترجمته: فهرسة المنتوري (مخطوط)، درة الحجال في أسماء الرجال، لابن القاضي(2/287)، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبكتي (495)، فهرس الفهارس والأثبات، لعبد الحي الكتاني (2/564)

(20) فهرسة المنتوري، إصدار مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء-الرباط، سلسلة كتب التراجم والفهارس والبرامج والرحلات(1)، الطبعة الأولى: 1432هـ/2011م، ص: 6

(21) شرح الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع، تقديم وتحقيق: الصديقي سيدي فوزي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1421هـ، 2001م

(22) فهرسة المنتوري، ص: 61

(23) نفسه ، ص: 61

(24) نفسه ، ص: 157

(25) نفسه، 392

(26) نفسه، 393

(27) نفسه، 408

Science

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق