مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

أسْرارُ البَيَان في القُرآنِ(7) البَيانُ بِاللَّفّ والنَّشْر

            ومنْ ذلكَ قولُهُ تعالَى في سُورة (القَصَص ) ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اؐلَّيْلَ وَاؐلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ، فأنتَ ترَى أنّ الآيَةَ قدْ جَمعَت بينَ اللَّيلِ والنَّـهارِ جَمْعاً مُجْمَلاً، ثُمَّ فَصَّلتْ في الأحْوالِ الّتِي تقَعُ فيهمَا علَى التَّرتيبِ؛ فَالسُّكونُ ومَظهرُهُ الْـمُتجلِّي في النَّومِ ، يكونُ في اللّيل ، وابْتِغاءُ الفَضلِ وطلبُ أسبابِ العَيشِ والْـمَكاسبِ يكونُ في النَّـهار .

             وقدْ جاءَتْ هذهِ الْـمَعاني عَلى الإفْرَاد البَسيطِ المنفَصِل، في قولهِ تعالَى في سُورَة (يُونُس) :  ﴿هُوَ الّذي جَعَلَ لَكُمُ الّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾. وقالَ في سُورَة (النَّبَأ) : ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾.

           وهَذا الإجْمَالُ ثُمَّ التَّفصيلُ ، بابٌ فَريدٌ منْ أبوابِ البَلاغَة، ومنْ أَلطَفِ الْـمُحسِّنات البَديعيَّة الْـمَـعنويَّة، وقدْ سَمّاهُ البَلاغِيُّونَ (اللَّفَّ والنَّشْرَ). وأحيَاناً (الطَّيَّ وَالنَّشْرَ) ، حيثُ تُطوى المعَاني في أَلفَاظهَا بَدْءاً، ثمَّ تُنشَرُ  تَوَابِعُها بَعدَهَا عَلى التَّفْصِيل، ثِقةً بِفَهْمِ القَارئِ الَّذي يُرْجِعُ المعَانِيَ، أَعْجَازَها علَى صُدُورهَا . قالَ (الْـمُبَـرِّدُ) في (الكَامِل): « وَالعَرَبُ تَلُفُّ الخَبَرَيْنِ الْـمُختَلفَيْنِ، ثمَّ تَرْمي بِتَفْسِيرهِمَا جُمْلَةً، ثِقَةً بأَنَّ السَّامعَ سَيَرُدُّ إلى كُلٍّ خَبَرَهُ».

           وممَّا جاءَ في الشِّعْر منْ هذَا الضَّربِ،البَيْتُ المشهُورُ (لامْرِئِ القَيْس):

           كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ  رَطْباً ويَابِساً *** لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ والْحَشَفُ الْبَالِــي

فَأنْشَأَ التَّشبِـيهَ، بأَنْ لَفَّ صِفتَيْنِ لِقُلُوبِ الطَّـيْر:(الرَّطْبَة واليَابِسَة)،ثمَّ نَشَرَهُمَا وجَعَلَ (العُنّابَ)لِـما كانَ(رَطباً طَريّاً) مِنْهَا، وَ(الْحَشَفَ البَالي) لِـمَا كانَ(يَابِساً جافّاً) مِنهَا.والسَّامعُ بِفَهمِهِ وعَقْلهِ، يرُدُّ كلَّ مُشَبَّهٍ بِهِ، إلَى الْـمُشبَّه الَّذي يـخُصُّهُ.

           وهَذا الضّربُ منَ البَديعِ، كثيرٌ  في القُرآنِ؛ بَعضُهُ جَليٌّ، تُدركُهُ علَى بَادٍ منَ النَّظَر، مثلُ قولهِ تعَالى في سُورَة (سَبَأ) :﴿وَإِنَّا أَوْإِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ  في ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقَولهِ تَعالَى في سُورَة(الإسْرَاء): ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾، فأنتَ تُدركُ بَداهةً،أنَّ الْيَدَ المغلُولةَ منَ البُخْل، تَسْتَـــجْلبُ اللَّوْمَ منَ النَّاس:(فَتَقعُدَ مَلُوماً)، وأنَّ اليَدَ الْـمَبسوطَة منَ الإسْرَافِ والتَّبذِيرِ، تُوَرِّثُ الحَسْرَة في النَّفْس:(فَتَقعُدَ مَحْسُوراً).

               لكنَّ بعضاً منْ هذَا الأُسلُوب البَديعيّ،يَخْفى خفَاءً، يُحوجُ إلَى فَضْل تأَمُّلٍ وتَدبُّر ، مثلُ مَا جاءَ في سورَةِ (الضُّحَى). حيثُ لُفَّت المعَاني في آياتٍ ثَلاثٍ، ثمّ نُشرَتْ في آياتٍ ثلاثٍ تَالياتٍ، في نَسَقٍ بَيانيّ رَبّانيٍّ مُحكَم؛ فأنتَ إذَا تَدبّرتَها مَليّاً، تَكشَّفَ لكَ هذَا البَيانُ النَّظميُّ السّامِي، وقدْ وُضعتِ المعَاني فيهِ، بَعضُهَا إزاءَ بعضٍ، في خفَاءٍ لَا يُعنِتُ فِكْرَكَ، وجَلاءٍ لا يُوهنُ عَزمَكَ.

          فأنتَ تقرَأُ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾ ، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى﴾، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾، علَى اسْتِفهامٍ تقريريٍّ يُعدِّدُ النّعَم، و يُـهَــيِّــــئُكَ لتَشهَدَ الجَوابَ، مُستَفتَحاً بحرفِ التّفْصِيلِ(أَمَّا)،وقدِ اتَّصلَتْ بهَا(الفاءُ الفَصِيحَةُ) ، لتُفْصِحَ لكَ عنْ مَحذُوفٍ يَستَحضرُهُ ذِهنكَ،وكأنَّهُ قالَ: (وَإذْ أَقرَرْتَ بهذِهِ النِّعَم،فَلا تَقْهَر اليَتيمَ….).و إذَا هيَ تَتلوهَا ثلاثُ آياتٍ، في تَقابلٍ علَى نَسقٍ في الغايَةِ منَ الإحْكَامِ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَـنْــهَرْ﴾، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. فالأُولَى منَ اللَّاحِقَة تُقابلُ الأُولَى منَ السَّابقَة، والثَّانيَة تُقَابلُ الثَّانيَة،  والثَّالثَةُ تُقابلُ الثّالثَة، هَكذَا:

أَلَمْ يَجدْكَ يَتِـيماً فَآوَى

فَأَمَّا الْيَتـــيمَ فَــــلا تَــــقْـــهَــــــرْ

وَوَجَـــدَكَ ضَــــالّاً فَـــهَــدَى

وَأَمَّا السَّائِـــلَ فَـــلَا تَــــنْــهَـــرْ

وَوَجَدَكَ عَائِـــــلاً فَأَغْـــنَـــى

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

                 لقدْ كانَ الرّسولُ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَتيماً، فَأنعمَ اللهُ عليهِ بأنْ آوَاهُ، فَأوصاهُ باليَتيمِ، والإحْسانِ إليهِ. وكانَ في قَومٍ ضَالِّينَ فهدَاهُ اللهُ، فأوْصاهُ بالرِّفْقِ بالسَّائلِ الْـمُستَـهدِي الْـمُستَـرشِد، أَنْ يُبَصِّرهُ ويُعَلِّمَهُ. وكانَ فقيراً فأَغنَاهُ اللهُ،فأوْصَاهُ بأنْ يُظهِرَ  أَثرَ  تِلكَ النِّعْمة عَلَيْهِ.ثلاثُ نِعَمٍ: الإِيواءُ والهِدَايَةُ والْغِنَــى، تُقابلُهُنّ ثلاثُ وَصايَا : الإِحْسَانُ إِلَى اليَتيمِ، والرّفقُ بالسَّائلِ الْـمُستَـهدِي وإظهَارُ النِّعمَة . وهذَا منْ بَديعِ اللَّفّ والنَّشرِ الْـمُرتّبِ،أعْجازُهُ علَى صُدُورهِ في نِظمَةٍ بَيانيَّةٍ،وهَندَسَةٍ بَديعيَّة، تَسْتلفِتُ السَّامعَ والقَارئَ جَميعاً،فإذَا لبُّهُ مَأخوذٌ في تَقابُلاتٍ تَدفَعُ مُجمَلاً إلى مُفَصَّلٍ،وتَردُّ لاحِقاً علَى سابقٍ.فحسُنَ الكلامُ بِانْزياحِهِ عنْ مَألُوفِ العِبَارةِ، وعُدُولهِ عنِ الْـمُنتظَر من مُعتَادِ النَّظمِ. وقَدْ زادهُ مَزيَّةً وحُسناً خَفاؤُهُ ، فَلا يُكشفُ إلّا عنْ تدبُّرٍ،  وفَضلِ نظَرٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق