مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

أبو العباس العَزَفي(557-633هـ)

هو العالم الفقيه والمحدث النّزيه، العابد الزاهد أبو العباس أحمد بن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد اللَّخمي، عرف بابن أبي عزفة، وإليها يُنسب، يرجع أصله ـ على أشهر الروايات ـ إلى المناذرة اللّخميين من عرب اليمن، ثم استقرّ بعض أفراد أسرته بسبتة، وعرفت هذه الأسرة بالعلم أولا حتى منتصف القرن السابع الهجري، ثم بالعلم والسياسة معا حتى أواخر العقد الثالث من القرن الثامن.

ولد أبو العباس في السابع عشر من رمضان المعظم من عام(557هـ)، وفي أحضان هذا البيت العلمي نشأ وترعرع، وأخذ من معين العلم وكَرَع، وكان من جملة شيوخه أبوه القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد قرأ عليه كثيرا، وقرأ القراءات السبع في عشرين ختْمة على المحدث أبي محمد بن عبيد الله الحجري(ت591هـ)، وقرأ عليه أيضا «موطأ» عبد الله بن وهب، و«الملخّص» لأبي الحسن القابسي، و«التقصي لأحاديث الموطأ» لابن عبد البر، وكثيرا من المسانيد والأجزاء الحديثية، ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حُبَيش(ت584هـ)، وأبو عبد الله محمد بن جعفر بن حَميد(ت586هـ)، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي(ت581هـ)، وحدث بالإجازة عن الحافظ أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال(ت578هـ)، وأبي بكر محمد بن خير الإشبيلي(ت575هـ)، وجماعة من أهل المشرق.

وبعد أن جمع من صنوف العلم أنواعا ، وأخذ من فنونه ألوانا، تصدر للتدريس بجامع سبتة وأصبح مقصودا لأهل الرواية والدراية، ونهل من علمه طائفة من العلماء أبرزهم الأديب الكاتب أبو الحسن علي بن محمد الرعيني الإشبيلي(ت666هـ)، وإمام أهل النحو في زمانه المقرئ أبو الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي الربيع الإشبيلي(ت688هـ)، والحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي المشهور بابن الأبّار(ت658هـ)، وسواهم من أهل بلده سبتة وغيرها من القادمين إليها، وغدت سبتة في عهده ـ ومن جاء بعده من أبنائه وحفدته ـ منارةً للعلم ونورا للمعرفة وذلك لما عُرف عنه من دماثة الخلق وتمام الورع، مع الثقة والضبط والنزاهة والإتقان، هذا ما نجده في التحليات التي حلاّه بها العلماء سواء من عاصره منهم أو أتى بعده، فهذا تلميذه أبو الحسن الرعيني عقد له ترجمة حافلة في برنامج شيوخه؛ من ضمن ما قال فيه:«من خاتمة أهل العلم بالسُّنّة والانتصار لها ـ نفعه الله ـ برز علما وعملا ودراية ورواية، وجمع خصالا من الفضل جمَّة…وكان على طريقة شريفة من التّسَنُّن واقتفاء السلف»، وحلاَّه أبو القاسم بن الشاط السبتي(ت723هـ) في تخريج برنامج ابن أبي الربيع بـ«الفقيه العالم العامل العلَم الأوحد الورِع الفاضل الضابط الناقد  المسند بقية المحدثين»، وأورد المقري ما وجده على نسخة من كتاب «الدُّرِّ المنظّم» للمترجم محلا فيها بما نصه:«الشيخ الفقيه الإمام العارف العالم علم العلماء العاملين المتقنين، ونخبة الفضلاء الصالحين المتّقين».

 ولم يكن أبو العباس العزفي ملازما للتدريس فحسب؛ بل مارس إلى جانب ذلك التأليف والتصنيف، فترك مصنفات نافعة رائقة بديعة، أهمها «برنامجه» الحافل الذي صنعه للتعريف بشيوخه ومروياته عنهم؛ رواه عنه تلامذته، وهو إلى حدود اليوم معدود من الكتب المفقودة، وكتاب«الدر المنظم في مولد النبي المعظم» وضعه لما رأى المسلمين يعظمون أعياد النصارى وعوائدهم، وأكمله بعده ابنه أبو القاسم، حُقّق قسم منه بجامعة محمد الخامس بالرباط ولم يطبع، ومنها«دعامة اليقين في زعامة المتقين» وهو مطبوع، و«منهاج الرسوخ على علم الناسخ والمنسوخ»، وغيرها من المؤلفات، وبقي على هذه الحال بين التدريس والتصنيف مدة عمره إلى وافته المنية في السابع عشر من شهر رمضان عام(633هـ)، وأخذ المشعل بعده ابنه أبو القاسم رحمهما الله تعالى رحمة واسعة وأسكنهما فسيح جناته.

المصادر: برنامج شيوخ الرعيني(ص42)، وبرنامج أبن أبي الربيع(ص260) ضمن مجلة معهد المخطوطات مج1، وتاريخ الإسلام(14/100)، وتوضيح المشتبه(6/232)، ونيل الابتهاج(ص77)، وكفاية المحتاج(ص33)، وأزهار الرياض(2/374)، والأعلام(1/218)، ومعلمة المغرب(18/6068). 

إعداد: ذ.جمال القديم. 
      

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق