الرباط وسلا
1 رجب 1438 / 30 مارس 2017
الصبح الشروق الظهر العصر المغرب العشاء
05:48 07:15 13:37 17:04 19:50 21:06


الدكتور إسماعيل راضي

الدكتور إسماعيل راضي




• رئيس مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
• أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم بوجدة منذ سنة 1993 إلى اليوم.
• أستاذ بكلية الطب والصيدلة بوجدة منذ سنة 2008.
• مُقرِّر للعديد من المجلاّت العلمية الدولية.
• رئيس وعضو لما يزيد عن عَشْر وحَدات للتكوين والبحث الجامعي.

الأفق التداولي للبحث الصوفي بالمغرب

الفترة الزمنية : يوم 2011-04-06 من الساعة 14:00 إلى الساعة 16:00



حظي التصوف بعناية خاصة وبارزة من علماء الأمة في المشرق والمغرب، وكان حظ علماء الغرب الإسلامي عموما، وعلماء المغرب خصوصا، وافرا في هذا المجال؛ حيث أبدعوا فوضعوا المسلك الصوفي والمطلب الأخلاقي في عمق اهتماماتهم البحثية، وبوؤوه مكانا عليا، تعلما، وتدريسا، وتأليفا.
وقصد الإسهام في تأصيل البحث الصوفي أصولا وفروعا، ومنهجا ومقاصد، ومحاولة الإحاطة بقضاياه وظواهره، وتحديد مكانته في منظومة العلوم الإسلامية.. أسست الرابطة المحمدية للعلماء مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بمدينة وجدة، من أجل بيان رتبة هذا الحقل المعرفي ومزاياه، ودراسة قضاياه المعرفية والسلوكية وفق رؤية علمية تطمح إلى التجديد المنهجي في هذا المجال، وكذا إبراز مكانة الخصوصية الدينية لبلادنا ودعمها في هذا الجانب.

من أجل مناقشة الأفق التداولي للبحث الصوفي بالمغرب يسر موقعنا أن يستضيف في الحوار الحي لهذا الأسبوع الدكتور إسماعيل راضي، رئيس مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بالرابطة المحمدية للعلماء.

حميد البكراوي

السلام عليكم
سؤالي للأستاذ الكريم هو: ماهي الأدوار التي قامت بها الزوايا والرباطات في تاريخ المغرب؟
التصوف وإن كان مداره على التربية وترقية النفس في مدارج السلوك، فإن له تجليات على المجتمع، وقد تغلغلت الممارسة الصوفية في مختلف شرائح المجتمع المغربي بأدوارها المختلفة:
- في الجانب الديني: بنشر الإسلام، وتنظيم مواسم دينية ورحلات جماعية للحج، وجمع شمل الأمة على وحدة العقيدة والمذهب.
- في الجانب العلمي: بتحفيظ القرآن، وتدريس العلوم الشرعية، وبناء الكتاتيب والمدارس العتيقة، وإنشاء الخزائن وتعميرها بالكتب العلمية... ولم يقم بهذا الدور في تاريخ المغرب سوى الزوايا.
- في الجانب الاجتماعي التضامني: اشتهر بذلك صوفية المغرب، منهم: أبو العباس السبتي، دفين مراكش، الذي أدار مذهبه على التضامن والإيواء والإطعام، خصوصا أيام المجاعات والأوبئة...
- في الشأن العام: بتأطير المجتمع حيث يتدخل شيوخ الزوايا لضمان الأمن وفض النزاعات وتأمين الطرقات...
- في الجانب الجهادي: بالدعوة والتنادي إلى الجهاد لتحرير الثغور عند دخول المستعمر الأجنبي.
- في الجانب الوطني: بالالتفاف حول الإمامة للأمة، وضمان الولاء لها...

عبد الله

السلام عليكم ورجمة الله وبركاته
شكرا لكم ولضيفكم الكريم
ما معنى كلمة التصوف وما هو أصل هذه الكلمة؟
ما موقف أعلام الأمة من علمائنا الأفاضل المتقدمين منهم والمتأخرين من التصوف؟
وهل للتصوف طرق؟ وما هي أبرزها بالغرب الإسلامي والمشرق؟
وشكرا .
- في ما يخص سؤالكم الأول، أقول: اختلف العلماء حول اشتقاق مصطلح التصوف إلى عدة أقوال، وأجمل الإمام القشيري الأمر في قوله: "وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب". (الرسالة القشيرية، 279).
وفي الاصطلاح، قال الشيخ زروق في قواعده: (وقد حُدَّ التصوف ورُسم وفُسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجعها كله لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه).
- أما في ما يخص موقف أعلام الأمة من التصوف، فكثيرة هي روايات علماء السنة وفقهائهم في إثبات الحق والدفاع عن التصوف والصوفية، وسنقتصر على موقف بعضهم والذي يعبر بحق، ويعكس بصدق، صورة أهل الفقه والحديث عن التصوف:
صنّف شيخ الإسلام ابن تيمية شيوخ التصوف ضِمن علماء الأمة المرموقين، حيث قال في الفتاوى (11/136): "شيوخ المسلمين المحمودين عنـد المسلمين، كالجنيد بن محمـد، وسهـل بـن عبد الله التستري..."
وقال الفقيه الأصولي، الإمام الشاطبي في الاعتصام (1/90): "الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة مُجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى الفرق الضالة ولا من يميل إلى خلاف السنة، وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولاً وفروعاً، ومن لم يكن كذلك فلابد له من أن يكون فقيهاً فى دينه بمقدار كفايته".
وقال الإمام الحافظ، المحدث، الحاكم، صاحب "المستدرك على الصحيحين": "تأملت هذه الأخبار الواردة في أهل الصفة فوجدتهم من أكابر الصحابة رضي الله عنهم ورعا وتوكلا على الله عز وجل وملازمة لخدمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، اختار الله تعالى لهم ما اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم من المسكنة والفقر والتضرع لعبادة الله عز وجل وترك الدنيا لأهلها، وهم الطائفة المنتمية إليهم الصوفية قرنا بعد قرن،... فمن وُفق لاستعمال هذا الوصف من متصوفة زماننا فطوباه، فهو المقتفي لهدي من تقدمه، والصوفية طائفة من طوائف المسلمين، فمنهم أخيار ومنهم أشرار، لا كما يتوهمه رعاع الناس وعوامهم، ولو علموا محل الطبقة الأولى منهم من الاسلام وقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمسكوا عن كثير من الوقيعة فيهم". (المستدرك 2/18)
- وأما عن الطرق الصوفية، فكما تمت الإشارة إلى ذلك، فقد أنتج التصوف عدة مدارس (طرق) سُنية، كانت لها الريادة في التربية والتوجيه وترسيخ القيم والأخلاق في النفوس في مختلف البقاع الإسلامية عبر التاريخ، كما أنه لا يخفى بأن المغرب كان على مر التاريخ منبت الصوفية ومنبعهم الذي يروي ظمأ الأرواح في مختلف الأرجاء.

خليل.ك

مما عرف به الصوفية جهادهم للنفس وتقاعسهم عن الجهاد ضد الإستعمار! أليس هذا إنحرافا عن المنهج؟
واقع الحال يخالف ذلك تماماً، فالنصوص والأخبار والآثار التي في بطون أمهات الكتب تؤكد أن الجهاد بفرعيه: الأكبر والأصغر، أي جهاد النفس وجهاد الأعداء دارت عليه رحى التصوف. وأن هذين الجهادين ركنان أساسيان في الحياة الروحية الإسلامية منذ القرون الأولى.
وقد أفرد ابن الجوزي فصلاً خاصاً في كتابه "صفوة الصفوة" للزهَّاد والصوفية الأوائل الذين رابطوا في العواصم والثغور في القرن الثاني للهجرة.
ومما حفظ التاريخ عن جهاد الصوفية:
- جهاد عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) مع الصوفية ضد ثغور الروم.
- جهاد إبراهيم بن أدهم، إمام الصوفية، ضد البيزنطيين، العدو الرئيسي للدولة الإسلامية الناشئة.
- جهاد محي الدين بن عربي الصوفي المشهور (ت 638هـ) وتحريضه للمسلمين على الجهاد ومقاومة الغزاة الصليبيين.
- مشاركة أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ) في معركة المنصورة (سنة (647هـ) والتفاف أتباعه حوله.
- أبو العباس المرسي (وهو من تلاميذ الإمام أبو الحسن الشاذلي) وهو من جملة الشهود بالثغر.
- الإمام العز بن عبد السلام (ت 660هـ) ودروه في التحضير لمعركة "عين جالوت".
- صلاح الدين الأيوبي الصوفي، قاهر الصليبيين ومحرر الأقصى.
- الأمير عبد القادر الجزائري الصوفي (1832-1847م) قائد الثورة في الجزائر ضد الاحتلال.
- البطل المجاهد عمر المختار الصوفي، التابع للطريقة الصوفية السنوسية (1858-1931م)، والذي جعل من زاويته الكبرى في واحة الجغبوب مقراً ومركزاً للعمليات العسكرية حتى استشهاده.
- الشيخ أبو المحاسن الفاسي وإسهامه الكبير في معركة وادي المخازن التي أذل الله فيها البرتغاليين.
- الشيخ ماء العينين (ت 1910م)، تزعم حركة المقاومة بالجنوب في وجه الفرنسيين.
- إسهام الزوايا المغربية في إذكاء روح المقاومة والجهاد في الشعب، ومنها الزاوية الوزانية، والكنتية، والريسونية والقادرية...
- مساهمة الصوفية المغاربة في تزعم المقاومة والعمل الكفاحي خارج المغرب لنصرة إخوانهم المشارقة على الاستعمار الغاشم، نذكر منهم: الشيخ المحدث محمد بدر الدين الحسني الذي أشعل فتيل الثورة الكبرى في سوريا ضد الاحتلال الفرنسي، والشريف محمد المكي الكتاني... واللائحة طويلة

م.أحمد

كثيرا ما نسمع من ينعت الصوفية بالخمول والإنزواء، فهل هذا الطرح صحيح؟
تمت الإجابة عنه، (انظر سؤال ميساء)

فاطمة الزهراء

أليس إلتزام الأوراد عند الصوفية ببدعة؟
مِن المعلوم أن الله تعالى أمَر بالتزام ومواظبة الذِّكر وذلك: بِ "الغُدُوِّ وَالآصَال"، بِ "العَشِيِّ وَالإِبْكَار"، "قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ"، و"بُكْرَةً وَأَصِيلًا"، كما تقرر ذلك في التعبير القرآني في عدة نصوص. والمواظبة على الذِّكر في هذه الأوقات هي التي يُصطلح عليها بالأوراد، وهي سُنَّة راشدة، وفضيلة مُتجدِّرة في الأمة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة الكرام كما روى مسلم في صحيحه: "من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِب له كأنما قرأه من الليل"، فدلّ الحديث على أن الصحابة الكرام كانت لهم أوراد وأحزاب مخصوصة يُواظبون عليها، ويتداركونها ولو بعد ذهاب وقتها. ورغّب الشرع الإسلامي في ملازمة الذكر بصِيَغٍ مُعيّنة والمواظبة عليها، وذلك في ما رواه البخاري في صحيحه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إلى الله أَدْوَمُهَا وَإنْ قَلّ".
ومِن ثَمّ، تحتاج المداومة إلى ضبط العدد، والذاكر يَعُدُّ على نفسه كيْ يُلزمها بالمواظبة، وهذا ليس من البدعة في شيء، فقد أمر الله بالذكر مطلقاً، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً"؛ والأذكار منها الواجب والمسنون والمستحب والجائز؛ والوِرْد هو تحديدٌ محمود لمُطلق مندوب، وليس من البدعة في شيء أن يُحدد الإنسان لنفسه ذكرا يُواظب عليه؛ فمِن ذلك: قول ابن القيم في مدارج السالكين: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على (يَا حَيُّ يَا قَيُّومْ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ) كل يوم بين سُنَّة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة أحيى الله بها قلبه"،وهذا النوع من الذكر فيه تخصيص الصيغة والعدد، وفيه تخصيص الزمن، وهذا لا يجوز عند البعض لأنه بدعة
وقال ابن القيم كذلك عن شيخه ابن تيمية في الأعلام العلية: "كان يُدنيني منه حتى يُجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، فرأيته يقرأ الفاتحة ويُكررها، ويقطع ذلك الوقت كله أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس في تكرير تلاوتها، ففكرت في ذلك، لِمَ قدْ لزِم هذه السورة دون غيرها ؟...". فهاهنا كذلك التزامٌ ومواظبة على نوعٍ من الذكر، فيه تخصيص سورة من القرآن يُكرر تلاوتها في وقت مُخصَّص، وكلُّ ذلك لا دليل عليه من السنة فأين المنكرون والمعارضون؟ وأين الدليل على هذا وذاك من السنة؟...
إنه تحديدٌ وتخصيصٌ محمود لمُطلق مندوب "والمداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولاً أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجراً لكن ليس فيه مداومة" على حد قول ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري".

باحث في التصوف

كيف يرد الصوفية على من ينعتهم بالتقديس والتعظيم للشيوخ؟
كثيرا ما نجد مَن يُقيم الدنيا ولا يُقعدها على جُملة آداب في التّتلمُذ على الشيوخ وأهل العِلم، ويَنعتُها بالتقديس والظلال، وهذه الآداب هي مِن صميم الشرع، ومُسطّرة عند أهل العِلم والمُتعلِّمين، ومن أراد التأصيل لها فليرجع إلى "التبيان في آداب حملة القرآن" للإمام النووي، و"فضل العلم وآداب طلبته" لمحمد سعيد رسلان، و"تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم" لابن جماعة، و"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر، إلى غير ذلك...
وقد كان الإمام الشافعي آيةً في الأدب مع شيوخه والتذلل والتملق لهم، حتى عوتب في ذلك، فقال:
"أهين لهم نفسي فهم يُكرمونها ولن تُكْرم النفس التي لا تهينها"
والأمثلة في هذا الباب مِن مناقب وسِيَر الرجال كثيرة، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في ما أورده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، والحاكم في المستدرك وأحمد في المسند: "ليس منا من لم يُجلَّ كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لِعالِمِنَا حقّه"؛ وهذه الآداب، التي أجمعَ عليها أهلُ العلم، مُقتبسةٌ مِن آداب الصحابة رضوان الله عليهم بين يدي المُعلِّم الأعظم، والمربِّي الأكرم سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم؛ فقد كان خَفض الصوت والتعظيم والتوقير والإجلال والتذلُّل والسمع والطاعة صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما قال سفيان بن عيينة: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء، على خُلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل".

مصطفى الزاين

نشكر الرابطة المحمدية على اتاحتها لنا الفرصة للقاء كبار العلماء والمفكرين من اجل تدارس قضايا علمية وفكرية تهنا
وأشكر فضيلة الاستاذ وأود ان اطرح سؤال عن استراتيجية مركز الامام الجنيد في توضيح واعطاء صورة حقيقية للتصوف والصوفية في المغرب وعن دورهم في المجتمع المغربي؟
كما أطرح سؤال لماذا وقع الاختيار على شخصية الإمام الجنيد كتسمية لهذا المركز؟
تمت الإجابة على هذين السؤالين.

رضوان- باحث

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة للقيمين على موقع الرابطة ولضيفكم الكريم الدكتور إسماعيل الراضي
التصوف وفق الرؤية الإسلامية ليست مذهبا، وإنما هو أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام- الإيمان- الإحسان)، وهو منهج أو طريق تعبدي يسلكه العبد للوصول إلى معرفة الله،
وقد أسهم وفود الحجاج المغاربة في دخول التصوف إلى المغرب خلال القرن الحادي عشر الميلادي، ويعد الشيخ أبو مدين شعيب، والشيخ عبد السلام بن أمشيش بن أبي بكر بن علي من أبرز أقطاب التصوف في المغرب الأقصى.
س: ما هي ضوابط التصوف في الفكر الإسلامي؟
س: ما هي دواعي تعدد المناهج الصوفية في المغرب الأقصى؟
وشكرا
- أود في البداية أن أصحح بعض ما جاء في سؤالكم؛ ذلك أنّ أغلب الروايات التاريخية تكاد تتفق على أن البدايات الأولى للتصوف بالمغرب كانت في القرنين الخامس والسادس الهجريين كما أرخت لذلك العديد من المصادر...
ولاشك أن رحلة المغاربة للحج قد دعّمت دخول التصوف للمغرب، مثل أخذ عبد الجليل بن ويحان دفين أغمات عن أبي الفضل الجوهري بمصر، وهذا الأخير هو شيخ عبد الله بن واكريس الدكالي، شيخ أبي شعيب صاحب أزمور...
- أما عن ضوابط التصوف في الفكر الإسلامي، فيُمكن تقسيمها إلى ضوابط عامة، وتتمثل في الالتزام بالأصول الشرعية، شأنها شأن جميع العلوم الإسلامية، ثُمّ ضوابط خاصة: وتتمثل في سلوك طريق التصوف على يد شيخ عارف مُرَبٍّ متصل السند، أي ممن أجازه الشيوخ، شيخا عن شيخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يُصطلح عليه عند القوم ب"الإذن في التربية" تحصينا للطريق الصوفي من أصحاب الادعاء.
- وفي ما يخص المناهج الصوفية، فمن المعلوم أنها تتنوع على حسب مقتضيات العصر، كما تتجدد على حسب المجدد الخبير بعلل النفوس وأدوائها، والذي يجدد المناهج التربوية وفق ما تقضيه الحاجة وتستدعيه الأحوال...

عبد المجيد علاوي

رغم العناية الخاصة والبارزة لعلماء الأمة في المشرق والمغرب بالتصوف عبر التاريخ، إلا أن بعض الصوفية لديهم جملة من المصطلحات والشطحات التي تُنكر عليهم، فما تعليقكم على هذه الظاهرة؟
من المعلوم بأنّ كلَّ عِلم وفنِّ له مصطلحاته ولغته الخاصة به، ومصطلحات التصوف تحبل بالمعاني الروحية التي يرومها ويعيشها الصوفي، وهذه اللغة (لغة الصوفي) تظل مشدودةً إلى قَصْدِية صاحبها وتجرِبتِه؛ فهي في بُعدها التأويلي: لغة حَدْسِيَّة، تصورية، رمْزِيّة وإشارية، مع العِلم أنّ العبرة ليست بمنطوقها، وأنّ المراد غير ما قد يُفهم من ظاهرها.
وأمام سُوء الفهم وقِلّة الإدراك لِ"لُغة الصوفي" مِمّن لَم يَتشبَّع بمعارِف التجربة الصوفية في حِسِّهِ وَوِجدانِهِ، فقد تعرض التصوف للتحريف والهدم، وتمّ تَلوينه بأفكارٍ ورُؤى، هو منها براء.
وقد صرَّح الصوفية لغيرهم بالتحذير مِن أخذ كلامهم على ظاهره أو تأويله في غير محله فيسارعوا إلى الإنكار عليهم، ومن ذلك قول عبد الغني النابلسي: "احذروا أن تفهموا شيئا مِن كلامي بالفهم المعوج، وتُخرجوه على خلاف مقتضى هذا الدين المحمدي فَتَفْتَروا عليَّ وعلى الله، فإني لم أقصد إلا بَيان ما فتح علي مما يوافق الشرع الشريف، وإن كانت الألفاظ متشابهة وربما يُفهم خلاف ذلك، فإن لي في ذلك عذرا واضحا، وكل إناء بما فيه ناضح"، ونصّ على ذلك الغزالي في بعض كتبه، وقال : "إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسنة من حمله على ظاهره كفر"، وقال الشيخ زروق في قواعده: "وربما كُفِّر وبُدّع وفُسّق مُحققٌ لقصور عبارته عن توصيل مقصده بوجه سليم عن الشبه. وأكثر ما وقع هذا الفن للصوفية حتى كثُر الإنكار عليهم أحياء وأمواتا"...
وقد انتبه ابن القيم الجوزية لهذا الأمر فقال في المدارج: "والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها وأرادوا بها معاني صحيحة في أنفسها، فغلط الغالطون في فهم ما أرادوه ونسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم واتخذوا كلماتهم المتشابهة ترسا له وجنة".
ومن ثَمَّ، فمن يتكلم بما لا يُحسن يأتي بالعجائب! ولا غرابة.

إيمان

هل إلتزم المغاربة بخصوصية المسلك الجنيدي؟ خصوصا إذا عٌلم لدى بعضهم إنكار الحقائق الصوفية التي عرفت عند صوفية النشرق؟
لقد تلقى المغاربة تصوف الإمام الجنيد، وعملوا على ترسيخه كأحد مرتكزات الهوية الدينية المغربية، لذلك فقد كان الغالب عليهم مُيُولهم إلى الجانب الأخلاقي من التصوف دون جانب الحقائق منه، باعتباره أقرب إلى الشعور العام، وليس في سلوكهم هذا دليل على إنكارهم لشطحات القوم، لأن من المغاربة من تكلّم في تلك المعاني الخاصة، كما أن سيد الطائفة الذي هو رمز التصوف الأخلاقي كان يتحدث بذلك مع الخاصة.