وحدة الإحياء

منظومة القيم الغربية بعيون إسلامية زمن الحملة الفرنسية على مصر وبدايات الوعي بالتجاوز الحضاري (1798-1801)

شكلت الحملة الفرنسية على مصر، بقيادة نابليون بونابرت، بين سنتي 1798 و1801، حدثا تاريخيا غير مسبوق من حيث سياقه التاريخي ودلالته الحضارية. وأضحت تمثل، منذ ذلك التاريخ، علامة فارقة بين مرحلتين في تاريخ مصر بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام. لذلك، دار نقاش حاد وطويل بين عدد من الدارسين والمفكرين حول الأثر الذي يمكن أن تكون قد تركته هذه الحملة على مستوى مصر وبقية البلدان العربية؛ فذهبوا في تناولهم لهذه القضية مذاهب شتى، لكنهم انقسموا، في الأخير، إلى طائفتين: طائفة رأت في هذه الحملة نقطة تحول نوعية في تاريخ مصر والعالم العربي عموما بحكم المتغيرات التي ترتبت عليها، بينما أنكرت طائفة أخرى أي دور لهذا الحدث. وكان من نتائج هذا الخلاف، أن ظهر صراع قوي وحاد أحيانا بين أقطاب النخبة الفكرية بمصر بمناسبة الاحتفال بالذكرى المائتين على مرور هذه الحملة سنة 1998.

على ضوء هذه الوقائع، يتحدد هدف هذه المداخلة. وهي، كما يظهر من عنوانها، تروم التأكيد على الأطروحة القائلة بأن هذه الحملة قد شكلت فعلا لحظة مساءلة حقيقية للذات في علاقاتها مع الآخر  المخالف في الدين والعقيدة، من منطلق الوعي بالتجاوز الحضاري بحكم خصوصية الحدث وما ترتب عليه من نتائج.

وهكذا، نرى أن هذه الحملة قد شكلت فعلا سابقة فريدة من نوعها أسهمت بنصيب قوي في ترسيخ الوعي لدى أهل دار الإسلام بأهمية وخطورة التحولات النوعية التي كانت تشهدها آنذاك ما كان يعرف عندهم إلى ذلك الحين بـ”دار الكفر والحرب”. تهيأ لهم ذلك من خلال اختلاطهم المباشر وغير المتوقع مع واحدة من الأمم النصرانية الأكثر ثورية وحداثة، هي فرنسا. فتيسر لهم، بواسطة ذلك، معاينة الهوة الحضارية التي أضحت تفصل بين الدول والمجتمعات الإسلامية ونظيراتهما في أوروبا، كما مكنهم مكوث هذه الحملة بهذا البلد لمدة ثلاث سنوات من تكوين فكرة أولية عن الأسباب الكامنة وراء هذا التفوق وما يقابله من ضعف في الجانب الإسلامي، وهي أسباب، مرتبطة، كما سوف نرى، بالجانب القيمي/السلوكي أكثر ما هي مرتبطة بالمعدات العسكرية والقتالية لجيش الحملة.

ومما لاشك فيه أن أول من سيستشعر هذا النوع من التفوق ويعبر عنه، هم أفراد النخبة الفكرية والسياسية. وفعلا، فقد صدر عن عدد من أفراد هذه النخبة مواقف تنم عن حصول وعي ما بهذا المستوى من التحول الحضاري الهام من خلال التأملات العميقة والمقارنات الدقيقة التي أخذ البعض منهم يجريها بين قيم وسلوكيات عدد من قيادات وأطر الحملة وما يقابلها عند نظرائهم في العالم الإسلامي، معبرين بذلك عن نوع من الإعجاب والانبهار بهذه القيم والسلوكيات، ومسجلين، في الآن نفسه، مناقضتها الصارخة للصورة النمطية الاختزالية التي ظلوا يحتفظون بها في أذهانهم إلى ذلك الحين عن الأمم النصرانية. وقد ترجم ذلك كله في صورة مراجعة نقدية للذات في تعاملها مع هذا النموذج الحضاري الوافد ودعوة إلى مواجهته بإصلاح مواز يتأسس على استعادة وتأهيل منظومة القيم الإسلامية في مختلف مجالات الحياة.

وسعيا منا إلى الإلمام بطبيعة وحجم هذه المساءلة الذاتية وما استبطنته من دعوة ضمنية للإصلاح في وقت مبكر، سنقوم في هذه المداخلة بإثبات وتوظيف طائفة من النصوص المصدرية من المشرق والمغرب كشواهد تاريخية دالة تجسد بدايات وعي ما بحدوث تجاوز حضاري لدار الإسلام من قبل ما يسمى عندنا اليوم بـ”الغرب”، وتمثل، في الآن نفسه، قراءة عميقة لمعادلة النصر والهزيمة في حياة الأمم والشعوب من منطلق الدور المحوري الذي تحتله منظومة القيم في ترتيب عناصر هذه المعادلة في إطار قانون التدافع الحضاري بين الأمم والشعوب.

أولا: صورة نابليون “الحاكم العادل” بين التحدي الإعجاب

جاء نابليون إلى مصر غازيا، لكنه قدم نفسه إلى العالم الإسلامي كمنقذ ومخلص له من المظالم التي كان يرتكبها في حقه المسيحيون والمماليك. لذلك، كانت أول رسالة له في هذا الصدد، قبل أن تطأ قدماه أرض مصر، هو تحريره لكافة أسرى المسلمين من قبضة فرسان القديس يوحنا بجزيرة مالطا بعد إخضاعها لسلطانه[1]، كما لم يتوان في تبشير أهل مصر بقرب تخليصهم من حكم المماليك من خلال  بيانه الأول الموجه إلى كافة البلدان الإسلامية[2].

ومما لاشك فيه أن حيلة مثل هذه سوف لن تنطل، بسهولة، على المسلمين، وأجمل وأجلى ما ظهر ذلك في الكيفية التي تصدى بها الشيخ الأزهري عبد الرحمن الجبرتي لمضمون هذا البيان حين فند كل مزاعمه بالحجة والدليل القاطعين.

ورغم ذلك، فإن قوة وفرادة هذه الشخصية حركت لدى هذا الشيخ نفسه وغير قليل من معاصريه شعورا واضحا بالإعجاب، مشفوعا بمقارنة بين سلوكياته وما يقابلها لدى قادة المسلمين ممن عجزوا عن رده ومقاومته. وكان أقوى ما حرك لديهم هذه الشعور، هو جمع هذا القائد بين خصلتين عز نظيرهما بين المسلمين في ذلك الحين، وهما البساطة والتواضع من جهة، والحزم والعمل والشجاعة وحسن التدبير من جهة ثانية. ظهر لهم هذا، بحسب ما وصلنا من النصوص، خلال مناسبتين؛ حين قام نابليون برحلة تفقدية، صحبة عدد من التجار المصريين، إلى ناحية السويس، وخلال تردد الأمير المغربي، مولاي سلامة[3]، على بيته ومكان عمله بالقاهرة.

ففيما يتعلق برحلته التفقدية إلى ناحية السويس، اندهش كل من كان يرافقه من التجار والشخصيات المصرية ببساطته وتقشفه وزهده فيما انغمسوا فيه من الملذات والنعم. فقد جاء في تقرير مطول لجريدة كورييه دي ليجيبت[4] نص شديد الأهمية حول هذه النقطة، نقرأ فيه: “طوال هذه الرحلة (…) شوهدت لأول مرة عربة ضخمة تجرها ستة خيول تعبر الصحراء، وهي خاصة بالقائد العام، ولكنه لم يستعملها قط، بل كان دائما ممتطيا صهوة جواده في مقدمة القافلة وفي أي تنقلات أخرى يقوم بها في الصحراء. لقد بهر هذا النشاط الخارق كل الأتراك[5] الذين شاهدوه؛ لأن حكامهم السابقين لم يجعلوهم يألفون مثل هذه الحيوية في تأدية العمل”؛ حيث “جرت العادة في هذه البلاد، أن تعرف درجة العظمة من حياة الترف والكسل التي يحياها صاحبها حتى ولو كان في صحة جيدة جدا، فلا يأتي بحركة أو بخطوة إلا ويسنده ثلاثة أو أربعة من الخدم وكأنه مريض عليل[6].”

ثم أضاف التقرير، موضحا الفروقات النوعية بين نمط العيش الذي درج عليه قائد من هذا الحجم وما ألفته شخصيات أهلية من بذخ ورفاهية، فقال: “كان ضمن القافلة تجار أتراك، وكان أقلهم جاه وعظمة يصحبه ثمانية من الخدم على أقل تقدير؛ واحد لحمل غليونه، والثاني لتحضير القهوة، وآخر مكلف بالخيمة وما إلى ذلك… وعندما توقفت القافلة للاستراحة في بركة الحاج، لاحظ أحد هؤلاء التجار أنه ليس للجنرال بونابرت سوى ثلاثة من الخدم للقيام على خدمته الخاصة، فقال للمترجم إلياس: لدي أحد عشرة شخصا لخدمتي الخاصة، أنا التاجر الفقير، وهذا رجل يمكنه التحكم في كل ما في البلاد، وهو يكتفي بثلاثة من الخدم[7].”

ثم أنهى صاحب التقرير كلامه بسطر واحد لخص فيه شروط النصر والهزيمة في المعادلة الحضارية بين الشعوب والأمم، واضعا بذلك الأصبع على الثغرة الحقيقية التي عبرت منها حملة استعمارية من هذا القبيل نحو مصر، جاء فيه: “لم يعتد المماليك مثل هذه البساطة والتقشف في الحياة، فليس من العجيب أن يلقوا الهزيمة[8].”

من حق أي واحد منا أن يقول إن هذه الشهادة هي مجرد تقرير صحفي لجريدة فرنسية كان هدفها الدفاع والتمكين لهذا المشروع الاستعماري من خلال الإشادة برمزها وقائدها نابليون بونابرت وتشويه صورة الإسلام والمسلمين. إلا أن اعتراضا مثل هذا  سيغدو غير ذي جدوى عندما يتطابق فحوى هذا التقرير مع ما صدر عن الشيخ عبد الرحمن الجبرتي بخصوص هذه الرحلة حينما قال: “وفي مدة إقامته بالسويس [في شهر رجب من سنة 1213ﻫ]، صار [نابليون] يركب ويتأمل في النواحي وجهات ساحل البحر والبر ليلا ونهارا، وكان معه من الأدم [كذا] في هذه السفرة ثلاثة طيور دجاج محمرة ملفوفة في ورق، وليس معه طباخ ولا فراش ولا فرش ولا خيمة، وكل شخص من معسكره معه رغيف كبير مرشوق في طرف حربته يتزود منه ويشرب من سقاء لطيف معلق في عنقه[9].”

وتصادفنا، في نفس السياق، شهادة أخرى تلقي مزيدا من الضوء على المسلك الشخصي لقائد الحملة، وتتعلق بمكان عمله وموضع جلوسه ونومه. مصدر هذه الشهادة الحية هو الأمير المغربي مولاي سلامة الآنف الذكر. فقد تولد لدى هذا الأمير، بسبب احتكاكه المباشر بنابليون خلال إقامته بالقاهرة، شعورا قويا بالإعجاب حينما أدهشه بجمعه بين الحزم والشجاعة من جهة، وشدة التواضع والتقشف من جهة أخرى. فعبر عن ذلك بشكل مقتضب لكن يحمل في طياته معاني بليغة، فقال: “كانت بيته بمصر تحتوي على فراش منامه وموضع جلوسه، وأمامه مائدة عليها دواة وقراطيس، وأرائك لجلوس من يأتيه لا غير[10].”

لم يقف مولاي مسلمة عند حدود إبداء هذه الملاحظة الذكية، بل عبر من خلالها لتشخيص الأسباب الكامنة وراء تخلف المسلمين وحلول الهزيمة بجيوشهم. وهي كما قال ابن الضياف، على لسان مولاي مسلمة، أسباب عقلية تتلخص في: “الانغماس في النعم، والتعمق في الحضارة، واستعمال السرف في ميدان الترف، حتى إن أثقال أمراء الجيوش توازي أثقال الجيش أو معظمه[11].”

وكما يظهر من هذه العبارات ذات النكهة الخلدونية، يتبدى لنا الأمير مولاي سلامة، الذي كان يلوك في تلك اللحظات هزيمة مضاعفة واحدة في الوطن وأخرى في مصر، قارئا متفحصا لمفردات هذه الحملة، من خلال التقاطه لخصائص وصفات قائدها الأعلى الذي أدهشه بتقشفه وتواضعه وزهده في ما انغمس فيه قادة المسلمين وتعمقوا.

هكذا، إذن، يتيح دخول الفرنسيين لمصر لشخصية مغربية مثل الأمير مولاي سلامة إمكانية المقارنة بين واقع المسلمين الذي حلت بهم هذه الهزيمة المذلة، وقوة سلوك قادة جيش الشرق وعلى رأسهم نابليون بونابرت الذي تحقق على يديه هذا النصر غير المسبوق في تاريخ مصر منذ حملتي لويس التاسع وهولاكو الفاشلتين[12].

وإذا كان قد امتزج في هذا الموقف الاستثنائي لمولاي مسلمة قدر معين من الأسباب الذاتية، فهو ينم عن قدرة هذه الشخصية المغربية غير العادية على استشعار الخطر الذي بات يتهدد ديار المسلمين منذ ذلك التاريخ. فجاءت ملاحظته تلك في شكل تحذير صريح من السلوكيات الشاذة التي اعتاد عليها قادة وأمراء المسلمين، وكأن لسان حاله يريد أن يقول إن ما حل بمصر من غزو واحتلال، إنما هو بسبب انهيار منظومة القيم التي كانت تؤطر سلوك القادة السياسيين والمؤسسة السياسية برمتها في العالم الإسلامي.

ثانيا: قيم العلم والتعلم: نظام المكتبة العصرية وشيوع ظاهرة القراءة

أنشأ نابليون معهدا علميا بالقاهرة، اشتهر باسم “مجمع العلوم والفنون” لدراسة أحوال مصر وتداول البحوث التي كان ينجزها فريق العلماء الذين رافقوه[13]. أثارت هذه المنشاة العلمية فضول واهتمام عدد من الشخصيات الإسلامية المحلية، ومنهم عبد الرحمن الجبرتي الذي زارها مرارا عديدة وتحدث عنها مطولا. إلا أنه خص المكتبة التي كان يضمها هذا المعهد باهتمام أكبر، خاصة ما يتصل بنظام العمل فيها ونوعية الخدمات التي كانت تقدمها لزائريها على اختلاف نحلهم وهوياتهم ومستوياتهم. وفي هذا الإطار، التقط صورة معبرة تنم عن شدة وعيه بحدوث هذا التفاوت القيمي/الحضاري على مستوى المكانة الخاصة التي أضحت تحتلها قيم العلم والتعلم لدى الدول والمجتمعات الغربية حينما تحدث عن نظام المكتبة وشيوع ظاهرة القراءة بين جنود الحملة على اختلاف مراتبهم، فقال: “فيه جملة كبيرة من كتبهم، وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة، فيراجعون فيها مرادهم، فتجتمع الطلبة منهم كل يوم قبل الظهر بساعتين، ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة موازية لتختاة عريضة مستطيلة، فيطلب من يشاء المراجعة ما يشاء منها، فيحضرها الخازن، فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر[14].”

أما “إذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة، لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم، وخصوصا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعا للنظر في المعارف، بذلوا له مودتهم ومحبتهم، ويحضرون له أنواع الكتب…[15]” كما فعلوا معه هو حيث كان يذهب إليها، كما قال، مرارا[16].

ثالثا: قيم العدل والمساواة في التقاضي والمحاكمات: محاكمة سليمان الحلبي

أثارت المحاكمة العادلة والممنهجة التي أخضع لها سليمان الحلبي[17] الذي اغتال القائد العام لجيش الشرق الجنرال كليبر، إعجاب الجبرتي وشدت انتباهه، فخصها وحدها بأكثر من خمسين صفحة نقل فيها مختلف أطوار المحاكمة[18]؛ لأنه رأى كما قال هو نفسه: “أن كثيرا من الناس تتشوق نفسه [كذا] إلى الاطلاع عليها لتضمنها خبر الواقعة وكيفية الحكومة، ولما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطايفة [كذا] الذين يحكمون العقل ولا يتدينون بدين، وكيف وقد تجارى على كبيرهم ويعسوبهم رجل آفاقي أهوج وغدره، وقبضوا عليه وقرروه، ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد الإقرار بعد أن عثروا عليه ووجدوا معه آلة القتل مضمخة بدم ساري[19] عسكرهم وأميرهم، بل رتبوا حكومة ومحاكمة وأحضروا القاتل وكرروا عليه السؤال والاستفهام مرة بالقول ومرة بالعقوبة، ثم أحضروا من أخبر عنهم وسألوهم على انفرادهم ومجتمعين، ثم نفذوا الحكومة فيهم بما اقتضته التحكيم[20].”

ثم ختم مقالته بكلام عميق المغزى ينم عن شدة تأثره بالنهج السليم الذي سارت عليه أطوار هذه المحاكمة حينما قارنها بما آل إليه الأمر بعد خروج الفرنسيين من مصر وعودة العثمانيين إليها، فقال مستأنفا حديثه عن هذه المحاكمة: وهذا “بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العساكر[21] الذين يدعون الإسلام ويزعمون أنهم مجاهدون وقتلهم الأنفس وتجاريهم على هدم البنية الإنسانية بمجرد شهواتهم الحيوانية[22].”

لكن يجدر التنبيه إلى أنه إذا كانت محاكمة سليمان الحلبي ومن طالته تهمة مشاركته في الاغتيال قد تمت، بصفة عامة، وفق القواعد السليمة المرعية عند الأمم المتحضرة، فإن كيفية تنفيذ الحكم فيهم جميعا قد جرت وفق ما كان معمولا به بمصر؛ “حيث اتفقوا جميعهم أن يعذبوا المذنبين، ويكون لايق للذنب الذي صدر، وأفتوا أن سليمان الحلبي تحرق يده اليمين، وبعده يتخوزق، ويبقى على الخازوق لحين تأكل رمته الطيور (…) ثم أفتوا بموت السيد عبد القادر الغزي[23]… كما ذكر أعلاه”، “ثم أفتوا على محمد الغزي وعبد الله الغزي وأحمد الوالي أن تقطع رؤوسهم، وتوضع على نبابيت، وجسمهم يحرق بالنار، وهذا يصير في المحل المعين أعلاه، ويكون قدام سليمان الحلبي قبل أن يجرى في شيء[24].”

رابعا: مراجعة نقدية لمقولة دار الإسلام ودار الكفر

في الوقت الذي كان فيه الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ومولاي سلامة يجريان ملاحظاتهما بالديار المصرية حول سلوك نابليون وتصرفاته ويقارنانها بما اعتاد عليه حكام العالم الإسلامي في زمنهما، كان حدث الحملة على مصر يشد انتباه غير قليل من أفراد النخبة العالمة في المغرب. فعبروا، هم بدورهم، عن مواقفهم بمختلف السبل والوسائل. إلا أن واحدا منهم، وهو الخطيب والشاعر سليمان الحوات[25]، اجتهد في تقديم قراءة أكثر عمقا لهذا الحدث التاريخي حينما قادته تأملاته في سلسلة الهزائم العسكرية التي ما انفكت تحل بالمسلمين منذ ضياع الأندلس إلى ما يشبه المراجعة النقدية للذات في علاقتها مع الآخر المخالف في الدين والعقيدة والتي كانت تؤطرها إلى ذلك الحين مقولة “دار الإسلام ودار الكفر”. فأورد نصوصا برهن من خلالها عن عقم وخطورة الكيفية التي درج عليها المسلمون في تناول الأمم النصرانية بأوروبا.

وهكذا وجدناه يحذر معاصريه في إحدى خطبه الجمعية من مغبة الجهل بحقيقة القوة التي أضحت تتوفر عليها هذه الأمم، ومن مبالغتهم في الثقة بالنفس لمجرد أنهم أهل إسلام، ومن تهوينهم من قدرة النصارى على تحقيق أطماعهم في بلاد المسلمين لمجرد كونهم “أهل كفر”، فقال: “فما أجهل من يستخف أمر العدو ولا يكون له به اهتبال، ويرى أنه أحقر من أن يسلطه الله على المسلمين بحال”؛ لأن ظنه هذا “خلاف المشاهد الواقع[26].”

 أكثر من هذا، اعتبر من يهون من قدرة هذه الأمم على النيل من المسلمين بمثابة طابور خامس وجب الحذر منه، فقال: “واعلموا أن أعدا الأعادي للمسلمين من يهون لهم أمر أعداء الله لمجرد كونهم أهل كفر ونحن أهل إسلام، ويشيع عجزهم عن مقاومتنا بين الخاص والعام، ويتخذ أمرهم هزؤا [كذا] وسخرية، لما في ذلك من التثبيط الذي هو رأس كل بلية والإضاعة للحزم الواجب فيما يحذر من سوء العواقب[27].” ثم أدرج جملة لخص فيها موقفه الشرعي بإزاء هذه القضية، فقال: “والحازم يجري الأخبار كلها على التأمل، ويأخذ الحق من أهل الباطل والباطل من أهل الحق من غير تقييد بالتأهل[28].”

أما حجته فيما ذهب إليه من التحذير من هذا الطابور الخامس، فتتمثل فيما وقع بالأمس القريب بجزيرة الأندلس وما حل بعد ذلك بمصر: “وانظروا إلى جزيرة الأندلس، فإنها كانت من أعظم الممالك الإسلامية التي لولاها لم يكن ذكر للأصقاع المغربية. ثم استولى عليها العدو الكافر، ولم يكن لها في أرض الله من ناصر. وهل نسيتم ما كان في هذا العصر من دخول الكفار أرض مصر، وعتوهم فيها وإفسادهم نهبا وقتلا بما كاد يفضي إلى ارتداد أكثر أهلها، لولا أن الله تداركهم بلطفه رحمة منه وفضلا[29].”

وبعد أن دعم ما ذهب إليه بسوق مثالي الأندلس ومصر وأمثلة أخرى سابقة عنهما، ختم خطبته بتحذير شديد من أن الجولة القادمة من سلسلة هذه التحديات تجاه بلاد المسلمين ستكون وجهتها المغرب إذا لم يتخذ أهله ما يلزم من الاحتياطات واستمروا يهونون من أمر هذا العدو القابع على مرمى حجر منهم. وصاغ تحذيره هذا في صيغة سؤال استنكاري بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير لدى مستمعيه، فقال: “فيكيف يغتر العاقل بقول القائل إن النصارى يعلمون أن الغرب بجيوش المسلمين صائل، فلا قدرة لهم على الخروج إليه، والإسلام يعلو ولا يعلا عليه، وهل هذا إلا قول من اتخذ إلهه هواه، وكاد أن يشرك مع الله في الحول والقوة سواه، فلا يغرنكم الشيطان، ولا يغرنكم بالله الغرور[30].”

واضح من هذه المقاطع المجتزأة من خطبتين جمعيتين أن سليمان الحوات لم يكتف بالتعاطي مع حدث الحملة بالدعوة إلى الجهاد كما فعل معاصروه من مثل الخطيب والكاتب المخزني محمد الرهوني[31]، بل تنبه مبكرا إلى التحول النوعي الذي أخذ يطرأ على قيم وقدرات الأمم الأوروبية في ميادين مختلفة، مما أدى إلى هزيمة المسلمين أمامهم في موقعين كانا يعتبران من أشد المواقع الإسلامية قوة ومناعة، وهما الأندلس ومصر. لذلك، لم يكتف بدعوة المغاربة إلى الجهاد، بل حذرهم من مغبة التعامل مع هذا “العدو الكافر” وفق المسلكية التقليدية التي دأبت على تحقيره لمجرد كفره، واستمرت تعتقد في عدم قدرته الأبدية على النيل من المسلمين لمجرد أنهم أهل إسلام.

وهكذا، يمكن القول إن سليمان الحوات تمكن في وقت مبكر نسبيا أن يقدم لمعاصريه، بمناسبة هذه الحملة، قراءة موضوعية ومتقدمة في حدود بعيدة لمختلف الهزائم التي ما فتئت تحل بالمسلمين منذ مطلع العصور الحديثة والتي دشنها طردهم من الأندلس، ثم أكدها استيلاء الفرنسيين على مصر. وقدم ذلك في صورة مراجعة نقدية لمقولة دار الإسلام ودار الكفر التي درج المسلمون على العمل بها، إلى ذلك الحين، في علاقاتهم مع الأمم النصرانية.

خلاصة واستنتاج

داخل الأمة الإسلامية، منذ ضياع الأندلس وبدء الاحتلال الإيبيري لعدد من المدن والمواقع الإسلامية، إحساس ما بحدوث تحول جدي في العلاقة التي كانت تربطها إلى ذلك الحين بالأمم النصرانية، وترجم ذلك في شكل تساؤلات ومحاولات إصلاحية شهدتها عدة أقطار في المغرب والمشرق. ثم اتخذ هذا الإحساس، بعد الحملة الفرنسية على مصر، بحكم الاختلاط المباشر الذي حدث في هذا الإطار بين النموذجين الغربي والإسلامي في واحدة من الأقطار الإسلامية الأكثر حساسية وتأثيرا في العالمين العربي والإسلامي، بعدا جديدا جعله يرتقي إلى درجة أعلى من الوعي بحدوث تجاوز ما لدار الإسلام من قبل الأمم النصرانية. فلم تعد لهذا السبب محاولات الإصلاح والتحديث التي ظهرت بوادرها في مرحلة سابقة، تقتصر على جانب الاستنفار الديني والإعداد العسكري، بل أخذت تنحو منذ ذلك التاريخ منحى شموليا حينما بدأت بعض الشخصيات الإسلامية العالمة تتساءل عن مواطن الخلل من منطلق قيمي/سلوكي، خاصة ما يتعلق منه بسير وتدبير المؤسسات الناظمة للشأن العام، وفي مقدمتها: المؤسسة السياسية والمؤسسة القضائية والمؤسسة التعليمية.

لهذا، نستطيع القول إنه خلف صفة العدوان والاحتلال التي لازمت الحملة الفرنسية على مصر من مبدئها حتى نهايتها، امتاز هذا الحدث بحكم خصوصيته بتوصيل إشارات ورسائل عميقة المغزى إلى العالم الإسلامي، وخاصة نخبته الفكرية والسياسية؛ حيث أخذ يشد انتباه بعض أفرادها ممن اختلطوا بهذه الحملة أو سمعوا بها، مظاهر وعلامات التفاوت الحضاري بين دار الإسلام وما اعتادوا على تسميته إلى ذلك الحين بـ”دار الكفر والحرب”.

وظهرت ردود فعلهم على ذلك التفاوت في شكل مراجعات نقدية لسلوكيات وتصرفات قادة ونخب العالم الإسلامي على ضوء ما لمسوه وشاهدوه من قيم إيجابية لدى نظرائهم الفرنسيين. أكثر من هذا، دعا البعض منهم إلى الكف عن تناول الأمم الأوروبية وفق الصورة النمطية التقليدية، وحثهم على اتباع سبل أجدى في التعامل مع هذا المتغير الحضاري الهام، منبهين في الآن نفسه إلى أنواع الخلل التي كانت تعاني منها المؤسستان السياسية والقضائية وتراجع قيم ومثل العلم والتعلم في المجتمع الإسلامي، وكأن لسان حالهم يريد أن يقول إن هزيمة جيش المسلمين أمام جيش الشرق في مصر يجب البحث عنها خارج ثنائية الكفر والإيمان؛ لأن أسباب التقدم مشاع إنساني من حق أي أمة أن تضفر به متى أخذت بالسنن الكونية والقيم الحضارية السليمة.

لهذا كله، نرى أن هذه الحملة قد شكلت،خارج مظهرها الاستعماري العدواني، إحدى البدايات القوية لما يشبه الوعي الشامل بالتجاوز الحضاري لدى المسلمين؛ حيث أخذت نخبهم الفكرية والسياسية تشتغل، منذ ذلك التاريخ، بالإجابة عن سؤال الإصلاح والتحديث ضمن منظور متكامل لردم الهوة الحضارية التي أضحت تفصل بين المجالين الإسلامي والأوروبي.

الهوامش


[1]. للإلمام بحيثيات وظروف هذا الأسر والتطورات التي شهدها بعد إخضاع نابليون لهذه الجزيرة وهو في طريقه إلى مصر، انظر:

    محمد حواش، الأسرى المسلمون بمالطا من الجهاد البحري إلى التوظيف الاستعماري، ندوة: الجهاد البحري في التاريخ العربي الإسلامي، مطابع ميثاق المغرب، الرباط، 1999.

[2]. انظر النص الكامل لهذا البيان عند عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، إعداد وتحقيق: عبد العزيز جمال الدين، مكتبة مدبولي، القاهرة، ج4، صدمة الحداثة، د. ت، ص66-69.

[3]. هو مولاي مسلمة أو سلامة. رفض بيعة أخيه السلطان مولاي سليمان، ودخل معه في مواجهة عسكرية جرت أطوارها الرئيسة بشمال المغرب، نصب خلالها سلطانا بمدينة وزان مدة شهرين خلال سنة (1213ﻫ/1792م)، ثم اضطر إلى التنازل عن ذلك، ورحل إلى المشرق حيث قضى بقية عمره متنقلا بين مصر والحجاز إلى أن استقر به المقام بتونس التي يوفي بها سنة (1250ﻫ/1834م). وخلا إقامته بمصر، ربط علاقات قوية بنابليون وصار يتردد على بيته بالقاهرة.

[4]. كورييه دي ليجيبت Courier de l’Egypt وهي ثاني جريدة، بعد جريدة La décade égyptienne، كانت تصدرها إدارة الاحتلال بمصر زمن الحملة.

[5]. كلمة أتراك هنا لا تعني حصرا التجار ذوي الأصول التركية؛ لأن هذه الكلمة كانت تستخدم عند الأوروبيين آنذاك للإشارة إلى المسلمين بصفة عامة.

[6]. صلاح الدين البستاني: صحف بونابرت في مصر، كورييه دي ليجيبت رقم 24، القاهرة: دار العرب للبستاني، 1981، ص92.

[7]. المصدر نفسه.

[8]. المصدر نفسه.

[9]. الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، م، س، ص167.

[10]. أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تونس: الدار التونسية للنشر، 1976-1979 ج3، ص52.

[11]. المصدر نفسه.

[12]. حاول كل من ملك فرنسا لويس التاسع والزعيم المغولي هولاكو غزو مصر وانتهت محولتهما بالفشل الذر يع؛ حيث انهزم الأول في معركة المنصورة سنة 1250م وسجن، وانهزم الثاني في معركة عين جالوت سنة 1260م.

[13]. انظر المعلومات المفصلة التي أوردها الجبرتي بخصوص هذا المعهد  في مؤلفه المذكور أعلاه، ص153-160.

[14]. الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، م، س، ص154.

[15]. المصدر نفسه.

[16]. المصدر نفسه، ص155.

[17]. سليمان الحلبي هو طالب شامي، كان يدرس في الأزهر بالقاهرة، وهو من اغتال الحاكم العام لجيش الشرق الجنرال كليبر الذي خلف نابليون في هذا المنصب، وحصل ذلك الاغتيال في 14 يونيو 1799.

[18]. انظر: الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، م، س، ص463-512.

[19]. معناه القائد العام لجيش الشرق.

[20]. المصدر نفسه، ص463.

[21]. يقصد المظالم التي ستصدر عن عساكر الدولة العثمانية في حق الأهالي بمصر بعد إخراج الفرنسيين منها.

[22]. الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ص463.

[23]. أعدم هذا الشخص وآخرون معه بتهمة العلم وعدم الإخبار بما كان يعتزم سليمان الحلبي القيام به.

[24]. المصدر نفسه، ص510.

[25]. هو العالم والخطيب والشاعر سليمان الحوات (1747-1816م) الذي اشتهر بأمداحه في حق السلطان مولاي سليمان، للإلمام بحياته في مختلف وجوهها العلمية والأدبية والسياسية، راجع التعريف الذي خصه به محقق مؤلفه: الروضة المقصودة والحلل المدودوة بمآثر بني سودة، عبد العزيز تيلاني، مؤسسة أحمد بنسودة الثقافية، فاس، 1994، ج1، ص55-75.

[26]. أورد سليمان الحوات تأملاته هاته ضمن خطيتين جمعيتين هما الآن محفوظتان بالخزانة الحسنية بالرباط، ضمن مجموع، تحت رقم: 4269/2.

[27]. المصدر نفسه.

[28]. المصدر نفسه.

[29]. المصدر نفسه.

[30]. المصدر نفسه.

[31]. انظر: محمد الرهوني، الخطب المنبرية في الجمع والأعياد والكسوف والاستسقاء السنوية، مطبعة حجازي، القاهرة، 1936.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق