مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

نيل الأمل في تأصيل ما جرى به العمل 24

 

د/مولاي إدريس غازي: 

 باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

 

وخلاصة القول في هذا المقام أن المستند العرفي يعد أهم الأسس التي بني عليها صرح ما جرى به العمل، حيث صرح العلماء بكونه أقوى المرجحات، وفي ذلك تشخيص واضح للمكانة التي يحتلها العرف في الاجتهاد المالكي، ذلك الاجتهاد الذي كان على مر العصور مضرب المثل في الواقعية والمرونة والقدرة على التواصل مع محيطه المجتمعي.

وللنابغة الغلاوي أبيات جامعة لما ذكرناه حيث جاء في منظومته :

ورجحوا بالعرف أيضا وهـو

 

من سائـر المرجحات أقـوى

وذلك الـترجيـح بالمجتـهد

 

ليـس بمختـص عن الـمقلد

فالـعرف ظـاهر لكل واحد

 

لـم يتـأت جحده للجـاحـد

والعرف ما يغلب عند الناس

 

ومثلــه العـادة دون بــاس

ومقتضاهمـا معـا مشـروع

 

في غير مـا خالفـه المشـروع

وذان في الترجيح شرعا قدما

 

فلهمــا كـن أبـدا مقدمــا

وكل ما انبنى على العرف يدور

 

معه وجـودا عدمـا دور البـدور

فاحذر جمودك على ما في الكتب

 

في ما جرى عرف به بل منه تب

لأنـه الضـلال والإضـلال

 

إذ قد خلت من أهلهــا الأطـلال

فكل ما في الشـرع فهو تابــع

 

إلـى العوائـد لهــا مجامــع

فمـا اقتضتـه عـادة تجـددت

 

تعيـن الحكــم بـه إذا بـدت

وهذه قـاعـدة فيهـا اجـتهـد

 

كـل وأجمـع عليهــا للأبـد

لذاك قالـوا من أتـى مستفتيـا

 

سئــل عـن عـادتـه فأفتيــا

بما اقتضتـه عـادة المستفتـي

 

وإن يكـن خالـف عرف المفتـي

والحاصل أن العلماء فيما ذهبوا إليه من اشتراط الوقوف على الأسس والموجبات التي انبنى عليها صرح العمل، وهو ما اصطلحت عليه بالسند المعنوي، كانوا صادرين عن رؤية مقصدية متكاملة، وعن دراية رفيعة بالجوانب التطبيقية لمقاصد الشريعة وأسرارها عند تنزيلها على تصرفات المكلفين، وعند التعامل مع الحوادث والنوازل بشكل عام، وعليه فالمجتهد مفتيا كان أو قاضيا إذا عرضت عليه نازلة تعذر عليه فيها الجري مع مقتضى القول المشهور، وكان مقابله أجلب للمصلحة منه وأدرأ للمفسدة، أي أكثر تماشيا مع الوجهة المقصدية للشرع، كان هو المطلوب والأجدر بالإعمال في النازلة المعروضة، ولا شك أن هذا الإعمال ذا السند المعنوي الواضح يفتح لمن يأتي بعد من الفقهاء طريق تجديده وتأييده، إذا توافرت أسبابه وظروفه، وتوافرت أيضا الأهلية المتطلبة في إجراء العمل.

يقول العلامة أبو العباس الهلالي في بيان وجه اشتراط توافر السند المعنوي للعمل: “إن الشريعة جاءت بدفع المفاسد وجلب المصالح فضلا من الله تعالى، فإذا عرض توقفهما على مقابل المشهور، غلب على الظن أن قائل القول المشهور لو أدرك هذا الزمان الذي توقف فيه جلب المصلحة أو دفع المفسدة على مقابل قوله لم يقل إلا بالمقابل، ولكن الترجيح بهذين الأمرين لا يعم القادر على الترجيح وغيره(…)، بل لا بد هنا من أهلية الترجيح بإتقان الآلات والقواعد، إذ ليست كل مصلحة أو مفسدة تعتبر في نظر الشرع، فلا بد من نظر في ذلك بملكة يميز بها بين المعتبر شرعا وغير المعتبر، ويعلم بها أن الكليات الخمس ترجح أعني الدين والنسب والنفس والعقل والمال، وهل هي ضرورية أو حاجية أو تحسينية أو ملحقة بشيء من ذلك، ليقدم ما يقدم ويؤخر ما يؤخر، وقد تكفل بذلك في أصول الفقه، ومن القواعد التي هي أخص من قواعد الأصول وأعم من الكليات الفقهية، ولابد مع ذلك من فطنة وفقاهة نفس”[1].

 

 


[1] – نور البصر ص 137.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق