مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

نيل الأمل في تأصيل ما جرى به العمل 18

  د/إدريس غازي:

 باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

 

ج- التمييز بين المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية:

ينبني هذا المسلك على أساس أن الأحكام الشرعية عبادية كانت أو عادية جاءت لتحقيق صنفين إجماليين من المقاصد، مقاصد أصلية سواء في الصور الكلية أو الجزئية، ومقاصد تابعة وهي تليها في الرتبة، وتنحصر وظيفتها في التكميل والتتميم للأولى، ومثال ذلك من العادات النكاح، “فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء، والتجمل بمال المرأة أو قيامها عليه وعلى أولاده منها أو من غيرها أو إخوته، والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين (…)، فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح، فمنه منصوص عليه أو مشار إليه، ومنه ما علم بدليل آخر ومسلك استقري من ذلك المنصوص، وذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد الأصلي ومقو لحكمته ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف الذي يحصل به مقصد الشارع الأصلي من التناسل، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما شأنه ذلك مقصود للشارع أيضا”[1].

وكذلك الأمر في مجال العبادات، “فإن المقصد الأصلي فيها التوجه إلى الواحد المعبود، وإفراده بالقصد إليه على كل حال، ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة، أو ليكون من أولياء الله تعالى، وما أشبه ذلك، فإن هذه التوابع مؤكدة للمقصود الأول وباعثة عليه ومقتضية للدوام فيه سرا وجهرا”[2].

وقد ميز الشاطبي بين أقسام ثلاثة من المقاصد التبعية بالنسبة إلى المقاصد الأصلية:

أ- فمنها ما يقتضي تأكيد المقاصد الأصلية وتقويتها، فلاشك أنها مقصودة أيضا والتوجه إليها بالتسبب مشروع وصحيح في النظر الشرعي.

ب- ومنها ما يقتضي زوالها وإبطالها، “فلا إشكال أيضا في أن القصد إليها مخالف لمقصد الشارع عينا، فلا يصح التسبب بإطلاق”[3].

ج- ومنها ما لا يقتضي تأكيدا ولا إبطالا، فهذا يصح في العادات دون العبادات.[4]

وهكذا فالمقاصد تعرف من خلال مقارنتها بالمقصد الأصلي، فما كان مؤكدا له ومقويا لحكمته فهو مقصد شرعي معتبر، وما كان مناقضا له فليس بمقصد شرعي البتة. وللمعترض أن يقول: كيف يعتبر التمييز بين المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية وسيلة معرفة للمقاصد، مع أن غاية التقصيد هو هذا التمييز عينه، إذ لا يخفى كونه ثمرة عملية التقصيد ذاتها، ألا ينقلب الدليل بذلك مدلولا والمدلول دليلا؟ ويصبح ما حقه أن يكون وسيلة مقصدا أو العكس؟؟

والجواب عن هذا الاعتراض يتلخص في أن التمييز بين هذين الصنفين من المقاصد، وإن كان بعينه ثمرة من ثمار التقصيد فليس هناك مانع من اعتباره وسيلة إجرائية ناجعة في الإهداء إلى مقاصد الشارع، إذ فيه نوع من الاستدلال بالمقاصد على المقاصد، عبر إقامة علاقات استلزامية وتراتبية فيما بينها، فالمقاصد الأصلية دليل تنكشف بفضله المقاصد التابعة، والمقاصد الكلية تستلزم المقاصد الجزئية وهكذا …، وبذلك ندرك سر إدراج الشاطبي هذا المسلك ضمن مسالك التقصيد، والمسألة فيها غور بعيد.

د- سكوت الشارع:

وهو ضربان، حيث إن الشارع قد يسكت عن الحكم :

أ- إما لانتفاء الداعي المقتضي له، ويشمل سائر النوازل والمستجدات التي حدثت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مما يدخل في نطاق المجتهدات، “فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعا بلا إشكال، فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل”[5].

ب- أو لأن “موجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودا، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد هنالك، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه”[6].

ويتضح من خلال هذا البيان التأصيلي، والأمثلة التي ساقها الشاطبي بناء عليه، أن هذا المسلك يتعلق بمسألة الابتداع في الدين، وكيفية تضييق نطاقه مع استبعاد المصالح المرسلة من دائرته. يقول الشاطبي في خاتمة هذا المسلك: “وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها، ودل على أن وجود المعنى المقتضي مع عدم التشريع، دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل”[7].

5- الاستقراء[8]:

يعتبر الاستقراء أهم الآليات الاستدلالية التي وظفها الشاطبي في إثبات قضاياه باعتباره السبيل الأقوم الذي يفيد المجتهد في اقتناص  القطع من الظنيات. يقول الشاطبي في هذا الشأن: “وإنما الأدلة المعتبرة هنا، المستقرأة من جملة أدلة ظنية، تضافرت على معنى واحد، حتى أفادت فيه القطع”[9].

وقد اعتبر الشاطبي توظيف المنهج الاستقرائي خاصة كتابه ومزيته.[10]

أما عن الاستقراء باعتباره آلية استدلالية في الكشف عن المقاصد، فإن الشاطبي ما فتئ يلجأ إليه في إثبات الكليات المقصدية وتقرير القواعد الضابطة لها، وأهم قضية يظهر فيها توظيفه لهذا المسلك الاستدلالي مع التأكيد على أفضليته وقوته، مسألة المراتب المقصدية الثلاث، ذلك أن الشاطبي بعد أن قرر “أن كون الشارع قاصدا للمحافظة على القواعد الثلاث الضرورية والحاجية والتحسينية، لابد عليه من دليل يستند إليه”[11]، نظر في الدليل الذي من جهته يحصل المدعى ويتقرر الإثبات، وبعد الاختبار والتمحيص، تخلص له أن “الدليل على المسألة ثابت على وجه آخر هو روح المسألة، وذلك أن هذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع، وأن اعتبارها مقصود للشارع، ودليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة، على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد، تجتمع عليه تلك الأدلة على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم، وشجاعة علي رضي الله عنه وما أشبه ذلك، فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات والمطلقات والمقيدات والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألفوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة (…)، فإذا تقرر هذا، فمن كان من حملة الشريعة الناظرين في مقتضاها والمتأملين لمعانيها، سهل عليه التصديق بإثبات مقاصد الشارع في إثبات هذه القواعد الثلاث”[12].

وحاصل القول في هذا المسلك أن الاستقراء يعتبر أقوى الدلائل الكاشفة عن المقاصد الشرعية عند الشاطبي، رغم عدم إدراجه له ضمن الجهات التي تعرف منها هذه المقاصد، ويزداد هذا الطريق الاستدلالي قوة وأهمية إذا علمنا كونه السبيل الأقرب إلى تحصيل الكليات المقصدية المفيدة للقطع، ولا يخفى على المتتبع مدى عناية الشاطبي بالكليات وسبل اقتناص القطع من آحاد الأدلة، حيث كان أحرص على الاهتمام بالمقاصد العامة أكثر من المقاصد الجزئية، ومن هنا نفهم مركزية الاستقراء في النسق المقاصدي عند الإمام.

 


[1] – الموافقات 2/301.

[2] – نفسه 2/301-302.

[3] – نفسه 2/309.

[4] – نفسه 2/309-310.

[5] – الموافقات 2/310 .

[6] – نفسه 2/311 .

[7] – الموافقات 2/313.

[8] – لم يذكر الشاطبي الاستقراء ضمن المسالك المعرفة للمقاصد، وهذا أمر مستغرب نظرا لأهمية الاستقراء عنده في موضوع المقاصد وفي سائر فصول الكتاب.

[9] – الموافقات 1/24.

[10] – نفسه 4/242.

[11] – نفسه 2/37.

[12] – الموافقات 3/39-40.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق