مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

نيل الأمل في تأصيل ما جرى به العمل 14

 

د/مولاي إدريس غازي باحث بمركز دراس بن اسماعيل

 

ج – حكم الوسائل منوط بمقاصدها:

ومقتضى هذا المبدأ أن ما يشتمل عليه الشرع من أحكام سواء على جهة الأمر أو النهي، منه ما يكون مقصودا لذاته لما يتضمنه من  جلب مصلحة أو درء مفسدة، ومنه ما يكون وسيلة إلى تحصيل المقصود باعتباره سببا للإفضاء إلى تحقيق المقصود.

وقد نص القرافي على التمييز بين الأحكام الوسيلية والأحكام المقصدية في الخطاب الشرعي، وتبعية الأولى للثانية في الحكم والإعتبار وذلك بقوله: “وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة”[1].

ولا تخفى على الدارس أهمية هذا المبدأ وأثره في توجيه الممارسة الاجتهادية وتسديدها، ولذلك لا نعدم إشارات قوية وواعية بهذه الأهمية عند أهل النظر الفقهي والأصولي من أرباب المذاهب الأخرى غير المذهب المالكي. فمثلا نجد ابن القيم الجوزية يقول: “لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه”[2].

والأمر نفسه نجده مقررا عند العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام حيث يقول: “تعليم ما يجب تعليمه وتفهيم ما يجب تفهيمه يختلف باختلاف رتبه، وهذان قسمان: أحدهما وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات الإله، فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد، والتوسل إليه من أفضل الوسائل. القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة، كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات التي هي وسيلة إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أعظم المقاصد”[3].

وعلى الجملة، يمكن القول إن هذا المبدأ كان حاضرا في ثنايا الدرس الأصولي والفقهي عموما، إلا أن حضوره عند النظار المالكيين كان أقوى، حيث كان يوجه تأويلاتهم لنصوص الشرع، كما كان يمد اجتهاداتهم بأسباب التسديد، ولعل أهمية هذا المبدأ تكمن في الصبغة العملية والطابع الإجرائي اللذان يتصف بهما.

وبيان ذلك أن العمل والانقياد هو المقصد الأسمى من التكليف وإنشاء الأحكام، والتعرف على الأحكام الوسيلية والأحكام المقصدية وما يضبطها من قواعد وضوابط يفيد في توجيه المكلف نحو معرفة المقتضيات العملية للتكليف والتحقق بها عمليا، ومن ثم تكمن فائدة هذا المبدأ في إنهاض المكلف إلى العمل والامتثال.

وأما إجرائية هذا المبدأ فتكمن فيما تمد به  المجتهد من آليات وموازين ترجيحية، وذلك عند تعارض نصوص الخطاب الشرعي وما تقتضيه من أحكام، فيعمد المجتهد على ضوء هذه القاعدة إلى تحديد “النسبة الوسيلية” و”النسبة المقصدية” في سائر الأحكام التي تقتضيها نصوص النسق الشرعي، والتي هي موضع التعارض الظاهري، مع إقامة علاقات ترتيبية فيما بينها، وعلى أساس هذه العلاقات يتأتى للناظر تصنيف الأحكام المتعارضة، والموازنة فيما بينها إما على سبيل الجمع أو على سبيل الترجيح، قصد رفع التعارض الطارئ وحفظ الاتساق المميز للنسق الشرعي، إذ أن ما هو مقصود قصد الغايات  أولى في الإعتبار مما هو مقصود قصد الوسائل.

 

 


[1] – الفروق 2/33.

[2] – أعلام الموقعين 3/135.

[3] – قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام 1/105، دار المعرفة، بيروت، (د.ت).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق