مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

مقدمة أصول الكفر والبدع9

 

يقول الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي الحسني رضي الله عنه مبينا أصول الكفر والبدع: 

 

  ومن الجهل بفن علم المعاني والبيان أخذ المعتزلة تعليل أفعال المولى –تبارك وتعالى- بالأغراض من قوله –جلا وعلا-: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:56]، فجعلوا اللام للتعليل حقيقة. ولو خالطوا فن البيان لعرفوا أن الآية من باب الاستعارة التبعية، وأنه شبّه التكليف بالعبادة في ترتّبه على الخلق بالعلة الغائية التي تترتّب على الفعل ويُقصد الفعل لأجلها، فجُعلت العبادة – أي: التكليف بها- لأجل هذا الشّبه علةً غائية بطريق الاستعارة، فتبع ذلك استعارة اللام الموضوعة للتعليل حقيقة، ودخلت على العبادة للدلالة على العلة المجازية.

   وكذلك من الجهل بفن علم المعاني والبيان اعتقاد صدور حوادث من غير المولى –تبارك وتعالى-، كاعتقاد زيادة الإيمان من سماع آية من القرآن أخذاً من قوله تعالى: ﴿وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ [الأنفال: 2]، وستر العورة من اللباس أخذاً من قوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم﴾ [الأعراف: 26]، وإثارة الرياح للسحاب ونشرها أخذاً من قوله تعالى: ﴿الله الذي يُرسل الرياح فتثير سحاباً﴾ [الروم:48] ونحو ذلك مما هو في القرآن والسنة كثير، ومن خالط فن البيان عرف أن إسناد الفعل في جميع ذلك من باب الإسناد المجازي العقلي، وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له، غير ما هو له في الظاهر عند المتكلم.

    وإذا عرفت أن الجهل بهذه العلوم يوقع صاحبه في كفر أو بدعة، تعين على من له قابليّة لفهمها أن يجتهد في تحصيلها، ومن ليس له قابلية لفهمها وجب عليه أن يتعلم ما هو فرض عين من علم التوحيد، ومهما سمِع من الكتاب والسنة ما يقتضي ظاهره خلاف ما عرف في علم التوحيد، قطع بأن ذلك الظاهر المستحيل غير مرادٍ لله تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن لذلك الكلام معنىً صحيحاً وتأويلاً ممكناً مليحاً، ويؤمن على سبيل القطع بأن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حقّ لا تناقض فيه ولا اختلاف ولا باطل فيه ولا جهل ولا وهم ولا حيْد عن الصواب ولا غلط ولا انحراف، ولا يضرّه بعد ذلك الجهل بالمراد لأن القلب محشوّ باعتقاد تنزيه المولى تبارك وتعالى وتنزيه رسله عليهم الصلاة والسلام عن كل نقص وخلل وفساد، وبالله تعالى التوفيق.

 

كتاب شرح المقدمات تحقيق نزار حمادي، تقديم الأستاذ سعيد عبد اللطيف فودة، الطبعة الأولى 1430هـ – 2009، مؤسسة المعارف، بيروت لبنان. ص: 125-126.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق