مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

مقدمة أصول الكفر والبدع5

يقول الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي الحسني رضي الله عنه مبينا أصول الكفر والبدع:

وأما الأصل الخامس: وهو الجهل المركَّب، وهو اعتقاد أمرٍ على خلاف ما هو عليه، فلا شك أنه سبب للتمادي على الكفر إن كان ذلك الكفر هو الذي وقع الجهل باعتقاده، كجهل الفلاسفة باعتقادهم قدم الأفلاك، واعتقادهم تأثير الإله بطريق التعليل ونحو ذلك من كفرياتهم، وهو أيضاً سببٌ في التمادي على البدعة إن كانت تلك البدعة هي التي وقع الجهل باعتقادها، كجهل القدرية باعتقادهم استقلال الحيوانات بإيجادها أفعالها الاختيارية، واعتقادهم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح في حق المولى – تبارك وتعالى- ونحو ذلك من سائر البدع الاعتقادية.

وإنما كان الجهل المركب سبباً وأصلاً للتمادي على الكفر والبدعة؛ لأجل عدم شعور صاحبه بجهله، واعتقاده الصّواب والحق في جهله. ومن كان على هذه الصفة فإنه لا يطلب الخروجَ عن جهله؛  لأنه هو الصراط المستقيم عنده، وإذا اتفق أن يجيء من يشككه في معتقده ويرده إلى ما هو الحقّ في نفس الأمر يمتنع من الاستماع له ومن قَبُول قوله، بخلاف الجهل البسيط – وهو عدم إدراك أمر من الأمور- فإن صاحبه يطلب العلم بما جهله إن شعر بعدم إدراكه، وإن غفل عن ذلك وجاء من ينبهه لطلب العلم بذلك، أو جاء من يعلمه ما جهله، فإنه يُجيب إلى ذلك ويقبله؛ لما جُبلت عليه النفوس من النفرة عن الجهل البسيط، ومحبة تحصيل العلم بما ليس معلوماً لها.

وسبب الجهل المركّب: وثوق النفس من العقليات بما ليس برهانيا من الأدلة، وتحسين الظن بما تستبدّ به من أنظارها واستنباطها، لا سيما عندما تظهر لها الإصابة للحق في بعض أنظارها، فتزهو وتعجب حينئذ، وتقيس سائر أنظارها على ذلك النظر الذي من المولى الكريم –تبارك وتعالى- فيه بالتوفيق لإدراك الحق فضلا منه – جل وعلا-، فعوقب هذا الناظر بالحرمان وعدم التسديد في سائر الأنظار لتكبره وإهماله شكر نعمة درك الصواب التي انفرد بإسدائها المولى جل وعلا، وليس للعقل ولا لفكرته ولا للدليل الصحيح – مادةً وتركيباً-  فيه تأثير البتّة، لا بطريق التولد ولا بطريق التعليل، وإهماله لزوم التواضع والفقر إلى المولى الكريم – جلا وعلا – في كل نظر يقع بباله، قال جل من قائل: ﴿سأصرف عن آياتيَ الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف:146]. ويكون أيضاً هذا الجهل المركب في الشرعيات كما يكون في العقليات، ويكون من المقلّدين كما يكون من النّاظرين.

كتاب شرح المقدمات تحقيق نزار حمادي، تقديم الأستاذ سعيد عبد اللطيف فودة، الطبعة الأولى 1430هـ – 2009، مؤسسة المعارف، بيروت لبنان. ص: 115-116-117.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق