مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات محكمة

«مفهوم التماسك وبناء وحدة النص. دراسة إحصائية معجمية» (الحلقة الأولى: المدخل إلى مشروع البحث)

انعقَدَت بالمَركز يومَ الثلاثاء 29 يناير 2020 جلسةٌ علمية باقتراحٍ من الدكتور عبدالرحمن بودرع لمُدارسة مَشروع بحث في موضوع: مفهوم التماسك وبناء وحدة النص. دراسة إحصائية معجمية اقتُرحَ إنجازُه على الباحثتين سكينة مناري والباحثة هاجر الفتوح.

تطرقَ المُشرفُ على المشروع للحديث عن جملة من القضايا تتعلقُ بتَماسكِ النص ووحدة بنائه، ويكونُ موضوعُ التطبيق مراجعَ حديثةً مثل كتاب “نَمَط صعب ونَمَط مُخيف” للأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله، وكتاب “قراءَة في الأدب القديم” للأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى. واتُّفقَ على البدء بكتاب “نمط صعب ونَمَط مُخيف”.

تناوَلَ المُجتَمِعونَ بالبحث قضيةَ المنهج المناسب للدراسة التطبيقية. ولا يستقيمُ منهج ولا دراسة إلا باستعراض الخطوات المنهجية والتطبيقية المناسبَة التي ينبغي اتباعُها لإنجاز الموضوع على الوجه المُراد، ويُمكن إجمالُ الخطواتِ، من خلالِ ما سطرَه صاحبُ الكتاب رحمه الله في ما يَلي:

– اختيار أصح الروايات للنص الشعري مثلا ويتجلى ذلك في استعراض الروايات المختلفة وانتقاء الأصح منها من مصادر الشعر، وضبطها قبل الدراسة لكي يُبنى التحليلُ على ما هو محقق. أمّا صاحبُ كتاب “نَمَط صَعب” قَد فصلَ القولَ في نسبة القصيدة إلى صاحبها، وخرج بخلاصة أن القصيدةَ تنسب إلى ابن أخت تأبط شرا وأن المؤلفَ حَرَصَ على اختيار أصح الروايات محاولا نشر القصيدة وفق منهج معين مراعيا في ذلك ما سماه فترات التغني بالشعر أو الترنم به، فقد قسم القصيدة إلى أقسام وحدد المكان والحدث والتباس الشاعر بهما.

– تقسيم القصيدة بحسب الأزمنة؛ فقد تكون قيلت في زمن واحد أو أزمنة متفرقة، وفي هذا الصدد وقف مؤلفُ الكتاب على أنموذج من قصيدة ابن اخت تأبط شرا، ولم يشرعْ في دراسة القصيدَة إلا بعد بَيانِ عَروضها، وتجريدها، وتحدث عن المشكلات التي تعترضُ دراسةَ النص الشعري.

ولم يَفُت الأستاذَ المشرفَ على البحث أن ينبه على ضرورة التزام   الباحث بإعادة بناء ما تناثرَ في نشر ذلك الشعر، ورفعِ الإبهام عنه، والإلمام بما تشعث من رواية الشعر وما تفرق من دواوينه. كما ذكر أن دراسة النص تستدعي الالتفاتَ إلى الروايات الأخرى وعَقد الموازناتِ بينها؛ فقد تكون روايةٌ ما أوفى من رواية أخرى، ولكن الترجيحَ بين الروايَتَيْن ينبغي أن يتعزَّزَ بالاستعانةِ بالروايات الواردة وإن كانَت مرجوحةً لكشف أسرار النص الواحد وتخريجه.

ثُمّ تطرقَ الأستاذُ المُشرفُ إلى العراقيل التي تكتنف الشعر العربي القديم، والأحكام الخاطئة التي ابتُلي بها الشعرُ القَديمُ، فمنها:

– الانتحال: فقد تكونُ القصيدة موضوعةً لا أصل لها، ولكن مُنتحلينَ انتَحلوها، مثل خلف الأحمر، ونَسَبوها إلى غير قائلها؛ أي نظموها هُم ثُمّ نَسبوها إلى غيرهم.

– خلط النسبة: وهو غير النحل، وهو أن ينسب شعرُ شاعر إلى شاعرٍ آخَرَ.

– الاتهام بفُقدان الوحدة العضوية: حيث اتُّهم الشعرُ الجاهليُّ بأنه مفككٌ وتفتقدُ عناصرُه إلى الوحدة والانسجام.

وفي هذا السياق ذكر الأستاذُ المُشرفُ أنه لا بدَّ من مراعاة أمور أربعة وهي: استقصاءُ المصادر التي ورَدَ فيها الشعرُ، ثم الانتباهُ إلى اختلافِ عدد أبياتِ القصيدةِ هل هو نفسُه أو أقلُّ من ذلكَ، وما يَتبعُ ذلكَ من اختلاف ترتيب الأبيات؛ فقد يَردُ في كلِّ رواية على حدةٍ تقديمُ بيتٍ أو تأخيرُه خلافاً لما هو عليه الشأنُ في رواية أخرى، ثم استقصاءُ كل اختلاف يقع في بعض ألفاظ الأبيات؛ حيث يُروى البيت في رواية بلفظ ويروى في رواية أخرى بلفظ آخر.

ثم انتقل المُشرفُ إلى الحديث عن خطوات التماسُك والانسجام في بناء النص أجْمَلَها في ما يَلي:

الخطوة الأولى تحقيق النص: لا بد من وضع احتمال وهو ما يَعتري الكتابَ من مَشاكلَ عند وجوده في دور النشر والمَطابع، وذلك يستلزمُ النظر فيه وإعادة بناء ما تهدم والنظر في القصيدة قبل تحقيقها.

الخطوة الثانية تقسيم النص إلى مجموعات يربط بين كل مجموعة روابط من المعاني.

الخطوة الثالثة نسبة الشعر إلى صاحبه: لأن هذه نسبةَ الشعرِ إلى صاحبِه الذي تَغَنّى به تفيدُ في معرفة خصائصِ كل شاعر، ذلك أن الكاتبَ كانَ يُلحُّ على نسبة الشعر إلى صاحبه لأن إهمال النسبة مضر ووجه الضرر خلط وفساد في تمييز شاعر من شاعر، ومحاولة لمِّ ما تشعث من رواية الشعر وما تفرق من دواوينها، ذلك أن الشعر يحمل خصائص صاحبه.

الخطوة الرابعة التأني في دراسة الشعر والتريث وعدم الإسراع في فهم القصيدة على نحو ما، وإنما يحتاج الأمر إلى تحكيم مقاييس، وفي هذا السياق أضاف المُشرفُ أن الأستاذَ محمود شاكر درس القصيدة مدة طويلة وانتابته الحيرةُ وقدَّم وأخرَ ولم يفرُغْ منها، حتى جمعَ ما تَيسرَ له من مصادرَ تجلتْ في مؤلَّف نفيس وهو كتاب «التيجان في ملوك حِمْيَر»، بروايَة عبد الملك محمد بن هشام (ت.218هـ) عَن وهب بن مُنبِّه، لأنه أول كتاب روى القصيدةَ، وأخيرا رواها أبو تمام صاحبُ الحماسة الصغرى في كتابه «الوحشيات»، وذكر أنّ هؤلاء رووا القصيدةَ وأتوا بها وكلٌّ نَسبَها إلى من يَراه مناسبا لنسبتها إليه، وانتهى محمود شاكر إلى نسبتها إلى ابن أخت تأبط شرا.

ونبه المُشرفُ على أنه قبل اقتحام النص دراسةً وشرحاً لابد من إحاطةٍ عامّةٍ بالشعر العربي، ولا بد أن يكونَ للناقدِ الباحث علمٌ بعلم بالمعاني ومناهج الشعراء في بيانها؛ لأن للبيانِ وجوهاً مختلفة ويحتاج ذلك إلى انتباه واضحٍ لتجليةِ الفرق بين اللفظين؛ فلَمحُ الفروق بين الألفاظ يُساعدُ على الوقوف على المناسبة المعجمية بين اللفظ واللفظ مشيرا في ذلك إلى ما سمَّاه الدّكتور تمام حسان رحمه الله بالمناسبة المعجمية.

ومن جهة أخرى لا بد من البَحثِ عن مَنهجِ بناء القصيدة أو طريقةِ نَسجِها وتَركيبِها، وهو ما أشار إليه الأستاذُ المُشرفُ  بالطُّرُقِ والمَسالكِ التي يَنبغي اتباعُها لاستخلاصِ الصورةِ التّركيبيةِ التامّةِ للقصيدَة؛ ذلك أن تمثُّلَ القصيدة تامةً كاملةً أمرٌ شاق، ويتعيّنُ النظرُ في مؤلِّفاتِ القَصيدَةِ ومُعالَجةِ هذه المؤلِّفاتِ بعنايةٍ، كتحليلِ الألفاظ المعجمية أولا وتصريفها في الوجوه المختلفة، ثم بناءِ الجمل وتنزيلِها في السياق، ثم اعتماد الأواصر الخفية التي تربط بين ظاهرِ القصيدة وباطنِها وهو ما يسمى بالتَّماسُك والانسجامِ.

وفي ختام جَلسة شرحِ المَشروعِ العلميِّ تَحدثَ الأستاذُ المُشرفُ عن مَناهجِ شروحِ الشعر لتي لَم تسلُك في الغالبِ مَسلك البَحث عن قَوانين تَأليفِ النصِّ الشّعريّ ولكنّها اكتَفَت بشرح ألفاظِ القَصيدَة وإعرابِها، مُستعرِضاً نَماذجَ هامّةً من شُراح الشعر مثل السُّكّري والتبريزي والأعلَم الشنتمري وغيرهم، مِمّن وقفوا عند الألفاظ ونظروا في كل لفظٍ عَلى حِدَةٍ، وساروا على هذا النَّمطِ في شروحهم كلِّها.

وأضافَ إلى ذلكَ أن ألفاظَ الشعر أمرُها مُختلفٌ لأنهم يُلبِسونَها المَعانيَ الجديدةَ بالإسْباغ ويَخلعونَ عنها معانيَها أو بعضَ مَعانيها بالتعرية، وأن تمثل القصيدة لا يقتصر على مجرد المعرفة بالألفاظ ومعانيها، بل يتعداها إلى توسم ما لحقها من الإسباغ والتعرية، وإلى أسلوب كل شاعر منهم في احتياله على الإبانة الموجزة عن غوامض ما في نفسه، وعلى الوشائج التي تتخلل الألفاظ مركبة في جملتها عن قصد وعمد وإرادة، ثم إلى ضروب من المعرفة بأحوال العرب في جاهليتها وما كانت تأخذ وما كانت تدع من المعاني.

 إشراف وتأطير : د.عبد الرحمن بودرع

Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق