مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمفاهيم

معالم السلوك السني4

 

الدكتور عبد الله معصر

رئيس مركز دراس بن إسماعيل .

إن جانب التعبد كبعد قيمي للسلوك يجعل المسلم يعيش الحضور الدائم مع الله، والمراقبة الكاملة لأحواله( أن تعبد الله كأنك تراه،فإن لم تكن تراه فإنه يراك)[1]. وإن غفلة الإنسان المعاصر عن هذه الحقيقة جعلت هويته تتلخص في الصيغة الآتية:(أنا موجود بقدر ما أملك وما أستهلك )[2].

إن المجال التداولي للسلوك الإسلامي هو التجربة الحية، فبها تحيا المعاني الروحية في النفس الإنسانية،وبها تصقل حقيقة السلوك، فلا يكون نتاج أوهام وتصورات ظنية ومجردة ،أو أفكار متخيلة، بل يغدو تجارب وحقائق وخبرات نافعة، تمد المسلم بفهوم عملية، تقربه من مضمون القيم الروحية قرب سالك قد خبر الجوهر، ونقح العمل، وصفى المعرفة، فكان سلوكه منخولا، لا قرب مدع ،حظه المقال والنظر المجرد، فيكون سلوكه منحولا.

إن السلوك الصحيح والسليم من الآفات يوسع مدارك المسلم وآفاق بصيرته لقيم ومعاني ومقاصد ما كان له أن يطلع عليها لولا هذا الاشتغال.

ثم إن الإسلام جعل الإنسان خليفة في الأرض، ومفهوم الاستخلاف يعبر عن المكانة الجلى التي يحظى بها الإنسان في سلم التفاضل القيمي للمخلوقات، فهو تكريم وتشريف إلهي للإنسان، وبيان لموقعه في المنظومة الكونية، ورتبته بين الموجودات، قال تعالى:( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر،ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)[3].

فالإنسان أرفع الكائنات وأعظمها، وقد سخر الله له الأكوان، علويها  وسفليها ومنحه السيادة عليها، قال تعالى:( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه)[4]، والاستخلاف من هذا المنظور تكليف وأمانة، فهو مهمة وجودية تجعل الإنسان مسؤولا أمام خالقه- سبحانه وتعالى- لأنه حامل للأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، ذلك أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على استيعاب مضمون الخلافة لتحقيق النيابة عن الحق على خير وجه، لأن مقصد الخلافة إعمار الأرض ( باستعمال مكارم الشريعة، ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس، وفي الحكم والإحسان والفضل… ومن لا يصلح لخلافة الله تعالى ولا لعبادته ولا لاستعمار أرضه فالبهيمة خير منه.)[5]

 

 


[1] – رواه البخاري في كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان

– الإنسان بين المظهر والجوهر،نتملك أو نكون،إريك فروم،ترجمة سعد زهران ص46 سلسلة عالم المعرفة العدد 140 ذو الحجة 1409هـ[2]

– سورة الإسراء الآية 70 [3]

– سورة الجاثية الآية 12 [4]

– الذريعة إلى مكارم الشريعة:الراغب الأصفهاني ص 32[5]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق