مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

ما وقع من الأحداث في مولد خير الأنام ﷺ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شرف هذا الكون بميلاد أكرم الخلق، وأعز مولود، سيدنا ومولانا محمد النبي المحمود، ذي الشفاعة العظمى والحوض المورود، نخبة العالم، وسيد ولد آدم، أضاء الكون بميلاده، وطلعت شموس الهداية بانفلاق صبحه على كل الأكوان، والصلاة والسلام على نوره العميم، وقدره العظيم، وصراطه المستقيم، وعلى آله وصحابته وتابعيه إلى يوم الدين.  أما بعد:

 فقد تناقلت كتب الحديث والتاريخ والسير بعض الأحداث والوقائع  التي رافقت ميلاد النبي ﷺ، فيها الصحيح والضعيف والموضوع وما لا أصل له. ولأهمية الموضوع  رأيت أن أفرده بمقال الذي أروم ـ إن شاء الله ـ من خلاله عرض ثلاثة نماذج منها مع تخريجها وبيان أقوال العلماء فيها فأقول وبالله التوفيق:  

الخبر الأول:

عن حسان بن ثابت – رضي الله عنه – قال: «إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما رأيت وسمعت  إذا يهودي بيثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع، قالوا: ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة. قال محمد بن إسحاق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان مقدم رسول الله – ﷺ- المدينة؟ قال: ابن ستين سنة».

رواه ابن إسحاق كما في سيرة  ابن هشام  بإسناده عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، قال: حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت([1]).

وعن ابن إسحاق أخرجه الحاكم في المستدرك([2])، والبيهقي في دلائل النبوة ([3])، والبوصيري في إتحاف الخيرة المهرة([4])، وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية([5]).

وهذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي المبهم بين يحيى بن عبد الله وبين حسان بن ثابت. 

والخبر صححه الألباني في صحيح السيرة([6])

الخبر الثاني:

عن عثمان بن أبي العاص، قال:  أخبرتني أمي قالت : «شهدت آمنة لما ولدت رسول الله r، فلما ضربها المخاض نظرت إلى النجوم تدلا حتى إني أقول لتقعن علي، فلما ولدت خرج منها نور أضاء له البيت الذي نحن فيه والدار، فما شيء أنظر إليه إلا نور».

رواه الطبراني في المعجم([7]) بإسناده عن يعقوب بن محمد الزهري، ثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن ابن أبي سويد الثقفي، قال: سمعت عثمان بن أبي العاص يقول:  أخبرتني أمي…فذكره، ومن طريقه روه أبو نعيم في الدلائل([8]).

ورواه البيهقي في الدلائل عن مبشر بن الحسن([9])، وعنه ابن عساكر في تاريخه([10])، وابن كثير في السيرة([11]) كلهم عن مبشر بن الحسن، عن  يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن أبي سويد الثقفي، عن عثمان بن أبي العاص، .. به بمثله.

وهذا إسناده ضعيف جدا لأن فيه يعقوب بن محمد الزهري وهو لين في حديثه بسبب كثرة وهمه وروايته عن الضعفاء وشيخه هنا  – عبد العزيز بن عمران – متروك ، ثم إن في السند أيضا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان لم أجد ترجمته في المصادر التي وقفت عليها، وابن أبي سويد مجهول ، ثم أني لم أجد أحدا ممن ترجم لعثمان بن أبي سليمان ذكر محمد بن أبي سويد في مشايـخه ، فمظنة الانقطاع حاصلة سيما وقد رواه بالعنعنة في جميع طرقه وقد قال الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن أبي سويد هذا:  تفرد عنه إبراهيم بن ميسرة([12])

الخبر الثالث

عن أنس بن مالك t، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي».

رواه الطبراني في معجمه الأوسط([13])، والصغير([14]) بإسناده عن سفيان بن محمد الفزاري المصيصي، قال:  حدثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك t وقال: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا هشيم، تفرد به سفيان بن محمد الفزاري.

ومن نفس الطريق رواه الخطيب البغدادي في تاريخه([15])، وابن عساكر في تاريخه([16])، وعن الخطيب أورده ابن الجوزي في الموضوعات([17]) كلهم من طريق سفيان  بن محمد الفزاري، قال: ثنا هشيم .. به بنحوه.

قال الخطيب: لم يروه فيما يقال عن يونس، غير هشيم، تفرد به سفيان بن محمد المصيصي.

وقال ابن الجوزي: تفرد به سفيان. قال ابن عدي: كان يسرق الأحاديث ويسوي الأسانيد، وفي حديثه موضوعات. وقال ابن حبان: لا يجوز الإحتجاج به. ثم قال: لا شك أنه ولد مختونا، غير أن هذا الحديث لا يصح به.

وبسفيان أعله الهيثمي كما في مجمع الزوائد قال : رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه سفيان بن محمد الفزاري، وهو متهم به([18])

وكذا ضعفه الألباني في ضعيف الجامع قال بعد أن عزاه للطبراني في الأوسط : ضعيف([19])

وللحديث طريق أخرى عن هشيم، أخرجه أبو نعيم في الدلائل([20])، وابن عساكر في تاريخه([21])، والضياء في المختارة([22])، كلهم من طريق نوح بن محمد الأيلي، قال: ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا هشيم، عن يونس .. به بنحوه .

قال الذهبي : نوح بن محمد الأيلي روى عن الحسن بن عرفة حديثا شبه موضوع. ([23])

هذا وقد ورد للحديث شواهد كثيرة، وكلها معلولة بعلل لا تصلح للاحتجاج بها.

قال العراقي عن ابن العديم: أخبار ولادته مختونا ضعيفة، بل ولم يثبت فيه شيء([24])

وقال الذهبي تعقيبا على الحاكم في المستدرك: ما أعلم صحة ذلك، فكيف متواترا([25])

وقال ابن كثير بعد ذكر طرق الحديث: وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق حتى زعم بعضهم أنه متواتر،  وفي هذا كله نظر. ([26])

************************

هوامش المقال

([1]) السيرة النبوية لابن هشام (1 /159).

([2]) المستدرك على الصحيحين (3 /554) برقم: (6056).

([3]) دلائل النبوة  (1 /110).

([4]) إتحاف الخيرة المهرة  (3 /554) برقم: (6315).

([5]) المطالب العالية (17 /175) برقم: (4205).

([6]) صحيح السيرة النبوية ص: (14).

([7]) المعجم الكبير (25 /147) برقم: (355).

([8]) دلائل النبوة (1 /135) برقم: (76).

([9])  دلائل النبوة (1 / 110– 11).

([10]) تاريخ مدينة دمشق (3 /78– 79).

([11])السيرة النبوية (1 /216 – 217).

([12]) ميزان الاعتدال (3 /576).

([13]) المعجم الأوسط (6 /188) برقم: (6148).

([14]) المعجم الصغير (2 /145) برقم: (936).

([15]) تاريخ بغداد (2 /179).

([16]) تاريخ مدينة دمشق (3 /412-413)

([17]) العلل المتناهية (1 /166)

([18]) مجمع الزوائد (8 /224).

([19]) ضعيف الجامع الصغير ص: (767) برقم: (5310).

([20]) دلائل النبوة (1 /154) برقم: (91).

([21]) تاريخ مدينة دمشق (3 /413-414).

([22]) الأحاديث المختارة (5/ 232 – 233 ) برقم: (1864).

([23]) ميزان الاعتدال(4 /279).

([24]) فيض القدير (6 /16-17).

([25]) التلخيص بهامش المستدرك (2 /657).

([26]) البداية والنهاية (2 /224)

*******************************

لائحة المراجع المعتمدة

-إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة. أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري. تقديم: أحمد معبد. تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف: أبو تميم ياسر بن إبراهيم. دار الوطن الرياض. ط1 /1420-1999.

-الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواجد  بن أحمد بن عبد الرحمن الحنبلي المقدسي. دراسة وتحقيق: أ د عبد الملك ابن عبد الله بن دهيش. دار خظر بيروت لبنان .ط 4 /1421 – 2001.

-البداية والنهاية. إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي . خرج أحاديثه: أحمد بن شعبان بن أحمد – محمد بن عيادي بن عبد الحكيم. مكتبة الصفا ط 1 / 1423 – 2003 .

-تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي.  حققه وضبط نصه وعلق عليه: د بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي بيروت . ط 1 / 1422 – 2001.

-تاريخ مدينة دمشق. أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر. دراسة وتحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر ابن عزامة العمودي. دار الفكر بيروت. ط 1415 – 1995.

-دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة. أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي. وثق أصوله وخرج حديثه وعلق عليه: د عبد المعطي قلعجي. دار الكتب العلمية بيروت. ط1 /1408-1988.

-دلائل النبوة. أبو نعيم الأصبهاني. حققه: د محمد رواس قلعة جي– عبد البر عباس. دار النفائس. ط1/ 1406 – 1986.

-الروض الداني إلى المعجم الصغير. سليمان بن أحمد  الطبراني. تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير. المكتب الإسلامي بيروت – دار عمار عمان .ط 1 / 1405 – 1985.

-السيرة النبوية لابن هشام. حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها: مصطفى السقا- إبراهيم الأبياري- عبد الحفيظ شلبي.

-صحيح السيرة النبوية.محمد ناصر الدين الألباني. مكتبة المعارف الرياض. ط1/ 1428-2007.

-ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) محمد ناصر الدين الألباني أشرف على طبعه: زهير الشاويش . المكتب الإسلامي.

-العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي. قدم له وضبطه: الشيخ خليل الميس. دار الكتب العلمية بيروت. ط1/ 1403-1983.

-فيض القدير شرح الجامع الصغير. محمد المدعو بعبد الرؤوف المناوي. دار المعرفة بيروت لبنان .ط 2 /1391 – 1972.

-مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي. دار الكتاب العربي بيروت لبنان ط 3 /1402 – 1982.

-المستدرك على الصحيحين. أبو عبدالله الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية – بيروت. ط1/ 1411 – 1990.

-المعجم الأوسط. سليمان بن أحمد الطبراني.تحقيق: أبو معاذ طارق بن عوض الله  بن محمد وأبو الفضل عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني . دار الحرمين القاهرة مصر 1415 – 1995.

-المعجم الكبير. سليمان بن أحمد الطبراني حققه وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي. دار إحياء التراث العربي.ط 2/  1984.

-ميزان الإعتدال في نقد الرجال. أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع . ( د ت ) .

راجع المقال الباحث: محمد إليولو

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق