مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

كيفية صناعة الشعر عند القدماء

تقديم:

يقول الآمدى في الموازنة التي عقدها بين صناعة الشعر وغيره من الصناعات الأخرى: «زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها»(1).

قلت: أحيانا تستعصي الآلة على الصانع وتستغلق، فيعز عليه إصابة المقصود، فلا تجُود آلته إلا بوسائل وطرق يلجأ إليها، ومن أدمن قرع الباب وصل كما قيل.

وتختلف طرق صناعة الشعر عند الشعراء اختلافا كبيرا، وذلك بحسب طبيعة الشاعر نفسه، وبحسب عوامل كثيرة، إذ إن للناس فيما بعد ضروباً مختلفة يستدعون بها الشعر، فتشحذ القرائح وتنبه الخواطر، وتلين عريكة الكلام، وتسهل طريق المعنى: كل امرئ على تركيب طبعه، واطراد عادته(2)، وقد تركت لنا مصادر الأدب العربي أحاديث متفرقة هنا وهناك عن كيفية صناعة الشعر واستدعائه بعيدا عن الارتجال والروية والبديهة، وسنقوم فيما يلي إن شاء الله تعالى بجمعها وبيان نوعها وتفصيل القول فيها.

صناعة الشعر عند القدماء:

الزمان: ارتباط صناعة الشعر بالزمان أمر طبيعي، ذلك أن الشاعر غير منفصل عن محيطه الزماني والمكاني في آن، يقول ابن قتيبة: «وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح (فيها) أبيّه. منها أوّل الليل قبل تغشّي الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء»(3)، والزمان أيضا مقسم إلى أوقات معينة منها:

1- الليل: وقالوا: «كان جرير إذا أراد أن يؤبد قصيدة صنعها ليلاً: يشعل سراجه ويعتزل، وربما على السطح وحده فاضطجع وغطى رأسه رغبة في الخلوة بنفسه. يحكي أنه صنع ذلك في قصيدته التي أخزى بها بني نمير»(4).

ويشير أبو تمام في بيت مشهور له إلى أنسب أوقات الكتابة فيقول:

خذها ابنة الفكر المهذَّب في الدجى … والليل أسود رقعة الجلباب

ويعقب على ذلك بعض الباحثين فيقول: «فإنه خص تهذيب الفكر بالدجى ليكون الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن فيه الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعًا ومرآة التهذيب فيه صقيلة، لخلو الخاطر وصفاء القريحة، لا سيما وسط الليل»(5).

والليل بطبيعته الخاصة يمارس سحره على نفوس المبدعين، ويمكن تعليل ذلك بالهدوء الذي يعم الليل ويلفه في ظلامه الدامس، بحيث يتيح للشاعر الانعزال وحيدا بعيدا عن ضوضاء النهار التي تشوش التفكير وتكدر الذهن. وهذا أمر إن كان يناسب جريرا وأبا تمام فقد لا يناسب شاعرا آخر وقد لا يعينه على الصناعة الشعرية.

2- وقت السحر: والسحر هو الثلث الأخير من الليل إلى أن يطلع الفجر، وإنما كان وقت السحر مناسبا للصناعة عند بعض الشعراء؛ لأن فيه تنشط حركة الدماغ إذ يكون هذا الأخير خاليا من الشواغل التي ربما تشغله في النهار، وفيه يكون الإنسان أيضا قد أخذ قسطا من النوم والراحة اللذين يعينانه على حسن التفكير، والتهدي إلى الصناعة.

وقد قال أبو تمام في وصيته للبحتري: «تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم»(6)، ويبدو أن أبا تمام عندما فَضَّلَ السحر هنا فقد ناقض قوله الأول وهو دجى الليل، والحال أنه في وصيته للبحتري يقدم زبدة تجربته الشعرية وخلاصتها.

وما من شك في أن في كلام أبي تمام يدل على فهم نفسي وفلسفي عميق لطبيعة اختلاف الأوقات، وإدراك ناضج عجيب لتفاوت قدرتها في التأثير على النفس البشرية، تبعا لظروف الحياة ومشاغلها اليومية، فهو محق في تخيره وقت السحر، حيث يكون الإنسان خالي البال، مستجمعا لقواه الجسدية، والنفسية، وقد تهيأ للنفس صفاؤها، وتجددت حيويتها بفعل رقة نسيم السحر واعتدال هوائه؛ مما يبعث النشوة في النفس، ويجدد شبابها، ويذكي نشاطها(7).

يقول ابن رشيق في عمدته متحدثا عن وقت السحر: «وعلى كل حال فليس يفتح مقفل بحار الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم؛ لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعييها، وإذ هي مستريحة جديدة كأنما أنشئت نشأة أخرى؛ ولأن السحر ألطف، وأرق نسيماً هواءً، وأعدل ميزاناً بين الليل والنهار، وإنما لم يكن العشي كالسحر وهو عديله في التوسط بين طرفي الليل والنهار لدخول الظلمة فيه على الضياء بضد دخول الضياء في السحر على الظلمة، ولأن النفس فيه كالة مريضة من تعب النهار وتصرفها فيه، ومحتاجة إلى قوتها من النوم متشوقة نحوه؛ فالسحر أحسن لمن أراد أن يصنع»(8).

3- ساعة الفراغ: أي ساعة الفراغ من الأشغال وأداء مهمات الحياة اليومية، وفيها قد يختلي الإنسان بنفسه، وقد بَيَّنَ بشر بن المعتمر في صحيفته علة اختيار ساعة الفراغ بقوله: «خذ من نفسك ساعة فراغك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قلبك تلك الساعة أكرم جوهراً، وأشرف حساً، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمجاهدة، وبالتكلف والمعاندة»(9).

المكان: ثم إن ارتباط صناعة الشعر بالمكان أيضا أمر طبيعي تبعا للزمان، ويختلف المكان بحسب طبيعة الشاعر نفسه، قيل لكثيّر: «يا أبا صخر كيف تصنع. إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل عليّ أرصنه، ويسرع إليّ أحسنه»(10). ويقال أيضا «إنّه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى»(11).

«وقال الأحوص:

وأشرفت فى نشز من الأرض يافع … وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا

وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرتّه»(12).

وقال الأصمعي: «ما استدعي شارد بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخالي وقيل: الحالي، يعني الرياض، وحدثني بعض أصحابنا من أهل المهدية وقد مررنا بموضع بها يعرف بالكدية هو أشرفها أرضاً وهواء قال: جئت هذا الموضع مرة فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا، فقلت: أبا محمد؟ قال: نعم، قلت: ما تصنع ههنا؟ قال: ألقح خاطري، وأجلو ناظري، قلت: فهل نتج لك شيء؟ قال: ما تقر به عيني وعينك إن شاء الله تعالى، وأنشدني شعراً يدخل مسام القلوب رقة، قلت: هذا اختبار منك اخترعته، قال: بل برأي الأصمعي»(13).

بناء على ما سبق نخلص إلى أن الشاعر المحب للطبيعة الذي يرتاح إلى مناظرها تساعده على تلقيح خاطره، فيجري على لسانه جريان الماء في الأنهار، ومن رقة الطبيعة يرق شعره، ومن حلاوتها يحلو.

الغناء بالشعر: وهذا أيضا من الطرق المستخدمة قديما عند الشعراء لقصد استدعاء الشعر وقيل: «مقود الشعر الغناء به»(14)، «وذكر عن أبي الطيب أن متشرفاً تشرف عليه وهو يصنع قصيدته التي أولها:

جللاً كما بي فليك التبريح

وهو يتغنى ويصنع، فإذا توقف بعض التوقف رجع بالإنشاد من أول القصيدة إلى حيث انتهى منها»(15). وربما يعينه ذلك على استحضار الوزن والقافية فسرعان ما يتأتى له البيت الموالي وهكذا دواليك.

وقريب من هذا ما كان يفعله أبو تمام؛ إذ كان ينصب القافية للبيت؛ ليعلق الأعجاز بالصدور، وذلك هو التصدير في الشعر، ولا يأتي به كثيراً إلا شاعر متصنع كحبيب ونظرائه(16).

الشهوات واللذات: إمتاع النفس بالشهوات سبيل لها أيضا لجعلها تجود بالشعر وتتغنى به كما سنرى، مثل:

1- الشرب: قيل لأبي نواس: «كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر؟ قال أشرب حتى إذا كنت أطيب ما أكون نفساً بين الصاحي والسكران صنعت وقد داخلني النشاط وهزتني الأريحية»(17)، ولذلك كان أغلب شعره في الخمريات والله أعلم.

2- عدم مجاهدة النفس: وهو الإشفاق على النفس وعدم حملها على ما لا تطيق، وقد حكي أن أبا تمام كان يكره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك في شعره.. حكى ذلك عنه بعض أصحابه، قال: استأذنت عليه وكان لا يستتر عني فأذن لي فدخلت فإذا هو في بيت مصهرج قد غسل بالماء، يتقلب يميناً وشمالاً، فقلت: لقد بلغ بك الحر مبلغاً شديداً، قال: لا، ولكن غيره، ومكث كذلك ساعة ثم قام كأنما أطلق من عقال، قال: الآن وردت، ثم استمد وكتب شيئاً لا أعرفه، ثم قال: أتدري ما كنت فيه مذ الآن؟ قلت: كلا، قال: قول أبي نواس: كالدهر في شراسة وليان أردت معناه فشمس علي حتى أمكن الله منه فصنعت.

شرست، بل لنت، بل قانيت ذاك بذا … فأنت لا شك فيك السهل والجبل

ولعمري لو سكت هذا الحاكي لنم هذا البيت بما كان داخل البيت؛ لأن الكلفة فيه ظاهرة، والتعمل بين، على أن مثل حكاية أبي تمام وأشد منها قد وقعت لمن لا يتهم، وهو جرير: صنع الفرزدق شعراً يقول فيه:

فإني أنا الموت الذي هو ذاهب … بنفسك، فانظر كيف أنت محاوله

وحلف بالطلاق أن جريراً لا يغلبه فيه، فكان جرير يتمرغ في الرمضاء ويقول: أنا أبو حزرة، حتى قال:

أنا الدهر يفنى الموت والدهر خالد … فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله»(18)

وقد قال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟ فقال: (كيف أقول وأنا) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه(19). وقيل: إن الطعام الطيب، والشراب الطيب، وسماع الغناء، مما يرق الطبع، ويصفي المزاج، ويعين على الشعر(20)، وهذه كلها مما تشتهيه النفس وتلذه.

قال بكر بن النطاح الحنفي: الشعر مثل عين الماء: إن تركتها اندفنت، وإن استهتنتها هتنت، وليس مراد بكر أن تستهتن بالعمل وحده؛ لأنا نجد الشاعر تكل قريحته مع كثرة العمل مراراً، وتنزف مادته، وتنفد معانيه، فإذا أجم طبعه أياماً وربما زماناً طويلاً ثم صنع الشعر جاء بكل آبدة، وانهمر في كل قافية شاردة، وانفتح له من المعاني والألفاظ ما لو رامه من قبل لاستغلق عليه، وأبهم دونه، لكن بالمذاكرة مرة؛ فإنها تقدح زناد الخاطر، وتفجر عيون المعاني، وتوقظ أبصار الفطنة، وبمطالعة الأشعار كرة؛ فإنها تبعث الجد، وتولد الشهوة(21).

الحالات النفسية: تتأثر النفس بما يرد عليها من بوادر حزن أو فرح فينعكس ذلك إيجابا أو سلبا على نشاطها وإبداعها، ولا غرو أن الملكة الشعرية تتأثر بذلك تأثرا مباشرا كما سنرى:

1 2الصفحة التالية
Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق