مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

شَجَاعَةُ النَّبي ﷺ وَرَبَاطَةُ جَأْشِه

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

الحَمدُ لله الذي بعَث في عِباده رُسلاً أُولي قوَّةٍ وعزْمٍ شَديد، يُقارعون بِعزم إيمانهم كل كفَّار عتيد، ويُصاولُون من بغَى علَيهم بالأسنَّة والحَديد، لا تأْخذهم في ذلك لومةُ لائم عنِيد.

والصَّلاة والسَّلام على الضَحُوك القتَّال، الذي صَال في ميادين العزِّ وجَال، يفِرُّ عنه الكُماة والأبْطَال، أشْجَعُ النَّاس في ميادين النِّزال، وأقْدَمهم في مَواطنَ تَزِلُّ فِيها أَقْدام الرِّجال.

وبعد؛ فإنَّ الله سبْحانه وتَعالى خصَّ نبيه المصْطفى ﷺ بخصيصة الشجاعة والإقدام، وربط على قلبه في مواطن الشرف، فكان أشجع الناس، وأجرأهم على قتال المعتدين، ورد كيد الكافرين، وتلك خُلَّةٌ عُرف بها مِن قَبْلُ أباؤه وأجداده وأعمامه، توارثوها كابرًا عن كَابر.

لَكمْ شِيمٌ ليسَتْ لخلقٍ سِواكمُ *** سَماحٌ وصِدقُ البَأْسِ عِنْد الملاحِمِ[1]

قال القاضي عياض رحمه الله : «وأما الشجاعةُ والنجدةَ، فالشجاعة: فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقةُ النفسِ عند استرسالها إلى الموت حيث يُحْمَدُ فعلُها دون خوف.

فكان النبي ﷺ منهما بالمكان الذى لا يُجْهل؛ قد حضر المواقِفَ الصعبةَ، وفرَّ الكُمَاةُ والأبطالُ عنه غَيْرَ مَرَّة وهو ثابتٌ لا يَبْرَح، ومُقْبِل لا يُدْبِر ولا يتزحزح، وما شجاعٌ إلا وقد أُحْصِيت له فَرَّةٌ، وحُفِظَت عنه جَوْلَةٌ سِوَاه»([2]).

  وَقد ورَد في دَواوين الآثَار، ومعَاجم الأخْبار أخبار سنية عن شجاعته ﷺ  وإقدامه، وأنه كان أشجع من أصحابه ومن جميع العالمين، من ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي  ﷺ  أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس»([3]).

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحدا أنجد، ولا أجود، ولا  أشجع، ولا أضوأ، من رسول الله ﷺ » ([4]).

أَشْجَعَهُمْ فِي مَوْطِنٍ وَأَنْجَدَا *** وَأَجْوَدَ النَّاسِ بَنَاناً وَيَدَا([5])

ومن مظاهر شجاعته وإقدامه ﷺ أنه كان أثبت الناس يوم الزحف، لا يعرف توليا، ولا توانيا، ولا فرارا، بل يقف كالنهر الهادر أمام مدلهمات الأمور، رابط الجأش، قوي الشكيمة،  فكان الصحابة يتقون بظهره عند اشتداد المعارك، فتجده أسبقهم وأنجدهم حين تحل الحتوف والمهالك، وإذا لقي ﷺ كتيبة للعدو كان أول من يضرب بالسيوف، وقد بقي ثابتا وحده معه قلة من أصحابه يوم حنين، وأحد بعد فرار من فر من جيش المسلمين.

 وقد جاءت الآثار تدل على ذلك منها ما جاء من حديث البراء بن مالك رضي الله عنهما سأله رجل: «أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله ﷺ فلم يفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بلجامها والنبي ﷺ يقول:

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب»[6].

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتقون برسول الله ﷺ عند اشتداد المعارك والخطوب، من ذلك ما جاء في في الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني رسول الله ﷺ » ([7]).

 وعن علي رضي الله عنه أيضا قال: «لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس، ما كان – أو: لم يكن – أحد أقرب إلى المشركين منه» ([8]).

وفي لفظ آخر: «كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه» ([9]).    

وكان ﷺ أنجدهم، وأسبقهم حين تحل الحُتُوف والخُطُوب من ذلك ما جاء من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول يقول: «لن تراعوا ، لن تراعوا» وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف فقال:  لقد وجدته بحرا، أو إنه لبحر»([10]).

وإذا لقي ﷺ كتيبة للعدو كان أول من يضرب بالسيوف، من ذلك ما جاء عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «ما لقي النبي ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب»([11]).

قال ابن تيمية رحمه الله في تفسير شجاعة النبي ﷺ: «والشجاعة تفسر بشيئين: أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف. والثاني: شدة القتال بالبدن، بأن يقتل كثيرا، ويقتل قتلا عظيما.

والأول: هو الشجاعة، وأما الثاني فيدل على قوة البدن وعمله.

وليس كل من كان قوي البدن كان قوي القلب، ولا بالعكس،  ولهذا تجد الرجل الذي يقتل كثيرا ويقاتل إذا كان معه من يؤمنه، إذا خاف أصابه الجبن، وانخلع قلبه. وتجد الرجل الثابت القلب، الذي لم يقتل بيديه كثيرا، ثابتا في المخاوف، مقداما على المكاره. وهذه الخصلة يحتاج إليها في أمراء الحروب، وقواده، ومقدميه أكثر من الأولى؛ فإن المقدم إذا كان شجاع القلب ثابتا، أقدم وثبت ولم ينهزم، فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانا ضعيف القلب ذل ولم يقدم ولم يثبت، ولو كان قوي البدن.

والنبي ﷺ كان أكمل الناس في هذه الشجاعة، التي هي المقصودة في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إلا أبي بن خلف، قتله يوم أحد، ولم يقتل بيده أحدا لا قبلها ولا بعدها. وكان أشجع من جميع الصحابة، حتى إن جمهور أصحابه انهزموا يوم حنين، وهو راكب على بغلة، والبغلة لا تكر ولا تفر، وهو يقدم عليها إلى ناحية العدو، وهو يقول:

أنا النبي لا  كذب *** أنا ابن عبد المطلب

فيسمي نفسه، وأصحابه قد انكفوا عنه، وعدوه مقدم عليه، وهو مقدم على عدوه على بغلته، والعباس آخذ بعنانها، وكان علي – وغيره – يتقون برسول الله ﷺ؛ لأنه أشجع منهم، وإن كان أحدهم قد قتل بيده ، أكثر مما قتل النبي ﷺ»([12]).

فهذه صور خالدة من شجاعة النبي ﷺ أوردت بعضا من صيتها وأصدائها؛ لأن المقام مقام تذكير، فأسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل، ويجعله في ميزان حسناتي.

والصلاة والسلام على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى، والحمد لله بدء وانتها.

*******************

هوامش المقال:

[1] ـ ديوان ربيعة الرقي (ص: 35).

([2])  ـ الشفا في تعريف حقوق المصطفى (ص: 157).

([3])  ـ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل رقم (5686 و 2751) واللفظ له، ومسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب رقم (2307).

([4])-   رواه الدارمي في المقدمة، باب: في حسن النبي ﷺ (1 /30) وفيه زيادة: «وأوضأ».

([5])  ـ ألفية السيرة للعراقي (ص:82).

[6] -أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره في الحرب (2652)، واللفظ له ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين (1776) أو 3327 كلاهما من حديث البراء رضي الله عنه به.

([7])- رواه مسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب في غزوة حنين (3 /1401)(1776)، والظاهر أنه ليس عند البخاري خلافا لما ذكر الشيخ المؤلف رحمه الله.

([8])-أخرجه أحمد في مسنده(2 /307)(1042). قال الأرنؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حارثة بن مضرب، فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة.

([9])-أخرجه أحمد في مسنده(2 /453)(1347) قال الأرنؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حارثة بن مضرب، فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة، وأبو كامل- واسمه مظفر بن مدرك- ثقة روى له الترمذي والنسائي.

([10]) ـ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل رقم (5686 و 2751) واللفظ له، ومسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي ﷺ وتقدمه للحرب رقم (2307).

([11])  ـ أخلاق النبي وآدابه: لأبي الشيخ بن حبان (1 /327)(رقم الحديث: 109).

([12])  ـ منهاج السنة (8 /76- 77-78-79).

****************

جريدة المصادر والمراجع:

 –أخلاق النبي وآدابه: لعبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، ت: صالح بن محمد الونيان، دار المسلم للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1418هـ/1998م. 

-ألفية السيرة النبوية المسماة: نظم الدرر السنية في السيرة الزكية: لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ت: محمد بن علوي المالكي الحسيني، دار المنهاج بدون تاريخ.

-الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه: لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 1423هـ/2002م.

-ديوان ربيعة الرقي: ت: زكي ذاكر العاني، وزارة الثقافة والإرشاد القومي وإحياء التراث، دمشق، 1980م.

الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ : للقاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي، ت: عبده علي كوشك، جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، وحدة البحوث والدراسات، ط1، 1434هت/2013م.

-المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ: لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، الرياض، ط1، 1427هـ/2006م.

-المسند للإمام أحمد بن حنبل، ت: شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة ط2، 1420هـ/1999م.

-المسند:لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي، ت: نبيل هاشم الغمري، دار البشائر، بيروت، ط1، 1434هـ/2013م.

-منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1، 1406 هـ /1986م.

*راجعت المقال الباحثة: خديجة أبوري

Science
اظهر المزيد

د. محمد بن علي اليــولو الجزولي

  • أستاذ باحث مؤهل بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
  • حاصل على الدكتوراه: تخصص مناهج الدراسات العلمية للسيرة النبوية شعبة الدراسات الإسلامية، جامعة ابن زهر أكادير، من خلال بحث بعنوان:” مرويات الشمائل النبوية في طبقات ابن سعد الزهري البغدادي (230هـ): جمع ودراسة”، عام 2012م.
  • أستاذ باحث بمركز الأبحاث التابع لشركة ابن القيم للتعليم والبحث العلمي بأكادير(سابقا).
  • مهتم بالتراث الإسلامي، وعلوم السيرة النبوية والحديث الشريف، شاركت في ندوات وطنية ودولية، وأنجزت عدة أبحاث ومقالات منشورة في مجلات محكمة ومواقع إلكترونية، وتحقيقات في طور النشر بحول الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق