مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

دار الأرقم بن أبي الأرقم ودورها الدعوي والتربوي في بداية الدعوة

تمهيد

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً وبعد:

   تعد دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه إحدى الدور التي كان لها دور هام في تاريخ الإسلام؛ فقد كانت المحضن التربوي الأول الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلم فيه أصحابه، الذين حملوا معه المسؤولية الكبرى في تبليغ رسالة الإسلام، ففي هذه الدار تلقى الرعيل الأول تعاليم الدين الإسلامي؛ حيث كان  صلى الله عليه وسلم يتلوا عليهم آيات القرآن، ويبين لهم أحكام الإسلام، ويعرفهم أيضاً بما يجري في واقعهم ومجتمعهم، وما يحاك حولهم، كما يربي فيهم المعاني الإيمانية التي تقوي عزيمتهم، ويبين لهم أن الاستمساك بالمنهج هو الذي يؤدي إلى النصر والتمكين.

   ولهذا أفردت هذا المقال الذي سأتحدث فيه عن دار الأرقم بن أبي الأرقم ودورها الدعوي والتربوي في بداية الدعوة الإسلامية  من خلال ثلاثة نقاط؛ أتناول في الأولى منها: ترجمة الأرقم بن أبي الأرقم باختصار، وفي الثانية منها أذكر موقع الدار وأسباب اختيارها مقرا للدعوة الإسلامية في مرحلتها السرية، وأما النقطة الثالثة فكان الحديث فيها عن الدور المهم لدار الأرقم بن أبي الأرقم في بداية الدعوة.

وهذا أوان الشروع في المقصود فأقول وبالله التوفيق:  

دار الأرقم بن أبي الأرقم ودورها الدعوي والتربوي في بداية الدعوة

أولا: التعريف بالأرقم بن أبي الأرقم([1])

هو الصحابي الجليل الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبد الله بن عمرو القرشي المخزومي، واسم أبي الأرقم: عبد مناف، وكنيته: أبو عبد الله.

كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم قديما، وكان من المهاجرين الأولين وشهد المشاهد كلها، ونفله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر منها واستعمله على الصدقات. مات سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين بالمدينة، وهو ابن بضع وثمانين سنة هـ.

ثانيا: موقع دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسباب اختيارها مقرا للدعوة

  • جغرافية الدار

تقع دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا([2]) بمكة الذي كان بعيدا عن أنظار المشركين أيام الدعوة الإسلامية في مرحلتها السرية،  ويقال لها دار الخيزران([3])، والخيزران كما في أخبار مكة للأزرقي: جارية المهدي وهي التي بنت مسجدا في موضع هذا الدار عند الصفا([4])  ويصف الفاسي في شفاء الغرام مشاهدته ذلك المسجد الذي بنته الخيزران حين   يقول:« وطول هذا المسجد ثمانية أذرع إلا قيراطين، وعرضه سبعة أذرع وثلث الجميع بذراع الحديد حرر ذلك بحضوري وفيه مكتوب: ﴿في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يسبِّح له فيها بالغدو والآصال﴾ ([5]) هذا مختبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الخيزران، وفيه مبتدأ الاسلام، أمرت بتجديده الفقيرة إلى الله مولاة أمير الملك مفلح سنة ست وذهب بقية التاريخ وعمره أيضا الوزير الجواد، وعمره أيضا المستنصر العباسي، وعمر أيضا في عصرنا في آخر القرن الثامن من قبل امرأة مصرية مجاورة يقال لها مرة العصماء، وعمر أيضا في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، والذي أمر بهذه العمارة لا أعرفه، والمتولي لصرف النفقة فيها علاء الدين علي بن ناصر محمد الصارم المعروف بالقائد »([6]) وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدخلها ويجتمع فيها هو وأصحابه، يقرؤهم القرآن ويعلمهم فيها، وفيها أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

  • أسباب اختيار الدار مقرا للدعوة الإسلامية

اختار الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم مقرا لدعوته، ومركزا لاجتماع أصحابه لأسباب  استنتجها الشيخ علي محمد الصلابي في كتابه ([7])  أذكر منها:

1-أن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بداره.

2-أن الأرقم رضي الله عنه كان من السابقين الأولين دخولا في الإسلام فهو سابع سبعة دخلوا فيه كما عند الحاكم([8]) وغيره، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن التجمع الإسلامي فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم -بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه.

3-أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه لم يكن معروفاً بإسلامه وأنه من قبيلة بني مخزوم التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، فلو كان الأرقم معروفا بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره؛ لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو.

4 ـ أن دار الأرقم بن أبي الأرقم  على الصفا مما يعني جودة ومناسبة موقعها.

5-أن الأرقم بن أبي الأرقم  كان يقرأ ويكتب، فهو من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يكتب ما ينزل من القرآن في الدار في مرحلة الدعوة السرية.

ثالثا: دار الأرقم بن أبي الأرقم ودورها الدعوي والتربوي في بداية الدعوة

كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره يدعو إلى الله سرا لئلا يصيبه أو يصيب أحدا ممن اتبعه الأذى فيتعطل سبيل الدعوة حتى نزل قوله تعالى ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾([9])وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المركز الرئيسي لانطلاق  الدعوة، وأولى المؤسسات التربوية التي ربى فيها أصحابه الذين حملوا معه رسالة الإسلام؛ فكان يلتقي بهم هناك، فيعلمهم تعاليم الإسلام وتوجيهاته الكريمة؛ حيث كان يتلوا عليهم ما ينزل عليه من القرآن الكريم ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويفقههم في الدين، ويعرفهم بما يدور حول الدعوة من أمور، ليحتاطوا لها ويعدوا لها العدة، كما كان يغرس فيهم المعاني الإيمانية التي تقوي عزيمتهم.

ففي هذه الدار نشأ الرعيل الأول من كبار الصحابة من المهاجرين، والسابقين الأولين إلى الإسلام، على توجيهات القرآن الكريم، وجاؤوا صورة عملية لهذه التوجيهات الربانية، فضحوا بالغالي والنفيس لأجل الدين، وصابروا وجاهدوا وثبتوا في المحن وأمام الإغراءات، ولم يتأثروا بالشبهات، وكل ذلك كان بسبب التربية التي رباهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

ومما يشار إليه هنا أيضا الدور الذي قام به الصحابة في نشر الدعوة؛ فما كان اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الدار مجرد اجتماع المسلمين فيها لتلقي العلم وإنما كانت مركزا للقيادة ومدرسة للإعداد والتأهيل لحمل الدعوة والقيادة، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بتحديد لكل فرد من هؤلاء  عمله بدقة وتنظيم حكيم فقاموا بدورهم أحسن قيام.

الخاتمة:

   وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي أعانني ووفقني على إتمام هذا المقال الذي عرفت فيه بالصحابي الجليل الأرقم بن أبي الأرقم، وموقع داره  وأسباب اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لها مركزا  لدعوته في مرحلتها السرية، وعن دورها الدعوي والتربوي في بداية الدعوة باختصار، راجية منه سبحانه وتعالى أن ينفع به، ويدخر لي أجره يوم لقائه.  وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

***********************

هوامش المقال:

([1]) من مصادر ترجمته: الاستيعاب (1 /70-71)،أسد الغابة (1 /187)، الإصابة (1 /43).

([2]) الصفا: جبلان بين بطحاء مكة والمسجد تهذيب اللغة (12 /175)، وقال ابن الأثير في النهاية (3 /41): الصفا أحد جبلي المسعى.

([3]) ينظر: تاريخ مكة للفاكهي (3 /330).

([4]) تاريخ مكة للأزرقي (2 /811-812).

([5]) سورة النور الآية (36).

([6]) شفاء الغرام (1 /454).

([7]) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (ص: 99).

([8]) المستدرك  على الصحيحين (3 /574).

([9]) سورة الحجر الآية: (94).

*******************

لائحة المراجع المعتمدة:

-أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه. الفاكهي: أبو عبد الله محمد بن إسحاق. دراسة وتحقيق: د/ عبد الملك بن عبد الملك بن دهيش. دار خظر بيروت. ط 2/ 1414- 1994.

-أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار. أبو الوليد محمد الأزرقي. دراسة وتحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش. ط1/ 1424- 2003.

-الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي. صححه وخرج أحاديثه: عادل مرشد. دار الأعلام الأردن. ط1/ 1423-2002.

-أسد الغابة في معرفة الصحابة.  الجزري: علي بن محمد ابن الأثير الجزري. تحقيق: علي محمد معوض – عادل أحمد عبد الموجود. دار الكتب العلمية بيروت. ط 1/ 1415-1994.

-الإصابة في تمييز الصحابة. ابن حجر:  أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الجيل – بيروت. ط1/ 1412.

-تهذيب اللغة. الهروي: محمد بن أحمد بن الأزهري، أبو منصور. تحقيق: محمد عوض مرعب. دار إحياء التراث العربي – بيروت. ط1/ 2001.

-السيرة النبوية (عرض وقائع وتحليل أحداث). د/ علي محمد الصلابي. دار المعرفة بيروت لبنان. ط7/ 1429-2008.

-شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام. أبو الطيب تقي الدين محمد الفاسي. تحقيق: د/علي عمر. مكتبة الثقافة الدينية القاهرة. ط1/ 1428- 2008.

-المستدرك على الصحيحين (مع تضمينات الإمام الذهبي في التلخيص والميزان والعراقي في أماليه والمناوي في فيض القدير وغيرهم من العلماء). الحاكم النيسابوري: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري. دراسة وتحقيق : مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية – بيروت. ط1 /1411 – 1990.

-النهاية في غريب الحديث والأثر. أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري. تحقيق : طاهر أحمد الزاوى – محمود محمد الطناحي. . دار إحياء التراث العربي بيروت .

راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق