مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعيندراسات وأبحاث

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

مما يذكره المغرضون للحط من مكانة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، رفض الرسول صلى الله عليه وسلم خطبتهم بضعته الشريفة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ويستدلون بما رواه النسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه من طريق الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ([1]).

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه.

قلت: ليس كذلك، فالحديث ليس على شرط البخاري؛ لأن الحسين بن واقد لم يرو له البخاري في الأصول، وإنما استشهد به في فضائل القرآن فقط([2]). وأما مسلم فلم يرو عنه إلا حديثا واحدا مقارنة([3]).

وروايته عن عبدالله بن بُرَيْدة، أنكرها الإمام أحمد. قال عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: (ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المُنِيب عن ابن بُرَيْدة)([4]).

إذن، الحديث ضعيف لا يصح.

وفي كتب الشيعة: روى أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الملقب بشيخ الطائفة، في أماليه، قال: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن محمد بن النّعمان، قال: حدثنا أبو نصر محمد بن الحسين البصير الشَّهرزوري، قال: حدثنا الحسين بن محمد الأسدي، قال: حدثنا أبو عبدالله جعفر بن عبدالله بن جعفر العلوي المحمدي، قال: حدثنا يحيى بن هاشم الغناني، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثني جُوَيْبر بن سعيد، عن الضّحّاك بن مزاحم، قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له فاطمة. قال: فأتيته. فلمّا رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا أبا الحسن وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال: يا علي، صدقت فأنت أفضل ممّا تذكر، فقلت: يا رسول الله فاطمة تزوّجنيها، فقال: يا عليّ، إنّه قد ذكرها قبلك رجال، فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رِسْلك حتى أخرج إليك، فدخل عليها فقامت إليه، فأخذت رداءه ونزعت نعليه، وأتته بالوَضوء، فوضّأته بيدها، وغسلت رجليه، ثمّ قعدت، فقال لها: يا فاطمة، فقالت: لبّيك لبّيك، حاجتَك، يا رسول الله؟ قال: إنّ عليّ بن أبي طالب من قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقك وأحبّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئا، فما ترين؟ فسكتت ولم تولّ وجهها ولم ير فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كراهة، فقام وهو يقول: الله أكبر، سكوتها إقرارها، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد، زوّجهت عليّ بن أبي طالب، فإنّ الله قد رضيها له ورضيه لها([5]).

قلت: وفي هذه الرواية تعريض بالشيخين، وتصريح بكراهة الزهراء لخطبتهما.

وهذا السّند رواته محسوبون على أهل السّنّة، لذلك سنحاكمهم بأحكام نقّادهم، وهم:

  • يحيى بن هاشم الغناني، ونسبته مصحّفه، والصواب الغسّاني

قال ابن عدي: (يروي المناكير عن الثقات، ويسرق حديث الثقات، وهو متهم في نفسه أنه لم يلق هؤلاء، وعامة حديثه عن هؤلاء وغيرهم إنّما هو  مناكير وموضوعات ومسروقات، وهو في عداد من يضع الحديث)([6]).

  • محمد بن مروان هو الكوفي صاحب الكلبي، ويقال له: السُّدّي الصغير

قال عنه ابن عدي: (عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بَيِّنٌ)([7]).

وقال الذهبي: (تركوه واتهمه بعضهم بالكذب)([8]).

  • جويبر بن سعيد الأزدي

(قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الجوزجانى: لا يشتغل به. وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك الحديث)([9]).

وقال ابن عدي: (الضعف على حديثه ورواياته بَيِّنٌ)([10]).

  • الضحّاك بن مزاحم البَلْخي، أنكر النقاد روايته عن صغار الصحابة كابن عبّاس([11])، فكيف يسمع من علي.

ومن ثَمَّ، نخلص إلى أنّ الخبر منكر. لا اعتماد عليه.

إذن، لا يُمكن أن نصدّق بمثل هذه الأخبار التي بلا شكّ مختلقة، افتعلها أحد الوضاعين، وركّب لها أسانيد كي تروج على أهل الغفلة من الرواة.

والله الموفق لإيضاح الحق.
—————————————–

([1]) سنن النسائي- كتاب النكاح. باب تزويج المرأة مثلها في السن رقم: 3221. ص498. مستدرك الحاكم 2/199 رقم: 2762. الإحسان بترتيب صحيح بن حبان رقم: 6948. 15/399.

([2]) صحيح البخاري- كتاب فضائل القرآن. باب القرّاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. رقم: 5003. 3/341.

([3]) انظر صحيح مسلم- كتاب الجهاد والسير. باب عدد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم. رقم: 1814. 3/1448.

([4]) العلل 1/301. رقم: 497.

([5]) الأمالي للطوسي 2/71-72.

([6]) الكامل 7/252. وانظر ميزان الاعتدال 4/412. لسان الميزان 6/279.

([7]) الكامل 6/263.

([8]) ميزان الاعتدال 4/32.

([9]) ميزان الاعتدال 1/427.

([10]) الكامل 2/122.

([11]) انظر تهذيب الكمال 13/292.

اظهر المزيد

الدكتور بدر العمراني

• رئيس مركز عقبة بن نافع للدراسات والبحوث في الصحابة الكرام بالرابطة المحمدية للعلماء.
• دكتوراه من جامعة عبد الملك السعدي – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، سنة 2007 م.
من أعماله:
ـ التبصرة في نقد رسالة ابن أبي زيد القيرواني للحافظ أبي عبد الله ابن الفخار القرطبي. تحقيق وتعليق وتقديم.
ـ عمل من طب لمن حب لأبي عبد الله محمد بن أحمد المقري، وبذيله: كليات المسائل الجارية عليها الأحكام لمحمد بن أحمد اليفرني الشهير بالمكناسي، وجواب الشريف التلمساني عن مسألة واردة من أهل غرناطة، تخريج وتعليق وتقديم.
ـ التبصرة في نقد رسالة ابن أبي زيد القيرواني للحافظ أبي عبد الله ابن الفخار القرطبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق