مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةحوارات

حوار مع الدكتور محمد أبلاغ

 

يشتغل الدكتور محمد أبلاغ أستاذا للفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة (المغرب)، ويعتبر من الباحثين القلائل الذين يمموا وجههم شطر تاريخ العلوم العربية بمنطقة الغرب الإسلامي، حيث انصبت جل مجهوداته على التعريف بإنجازات رياضيي هذه المنطقة دراسة وتحقيقا وترجمة. أثرى مكتبة تاريخ العلوم العربية بمجموعة من المؤلفات والدراسات القيمة التي تتميز بصرامتها المنهجية ودقتها العلمية، ناهيك عن جدتها وجديتها، نذكر منها مثالا لا حصرا:

رفع الحجاب عن وجوه أعمال الحساب لابن البنا المراكشي، تقديم ودراسة وتحقيق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر مهراز، فاس، 1994. 360 صفحة.
في البناء التناسبي لمقدمة ابن خلدون، ضمن: الأبنية الفكرية في الغرب الإسلامي زمن ابن خلدون، تنسيق بناصر البعزاتي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، 2007م.
طبيعة الفكر الرياضي الذي طوره الرياضيون في القرن 14م، ضمن: العلوم في المجتمعات الإسلامية: مقاربات تاريخية وآفاق مستقبلية، تحت إشراف: محمد أبطوي، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2007. 
الرياضيات المغربية من خلال أعمال ابن البنا المراكشي، ضمن: مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي، مراكش، العدد 8، 1992م.

ولا يفوتنا هنا أن نتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ محمد أبلاغ على قبوله الدعوة لإجراء هذا الحوار.

– ماهي في نظركم المكانة التي يحتلها مبحث تاريخ العلوم في الساحة العالمية؟ وما هي الآفاق التي يمكن أن يفتحها مبحث كهذا للباحث العربي في الوقت الراهن؟

أود في البداية أن أشكر مركز ابن البنا لتاريخ العلوم على هذه الاستضافة الكريمة، وعلى المجهودات المحمودة التي يقوم بها المركز للتعريف بتاريخ العلوم وخصوصا بجهود المغاربة في هذا المجال. بالنسبة لسؤالكم يمكن القول بأنه على المستوى العالمي هناك اهتمام كبير بهذا المجال، فلا تخلو جامعة عالمية من معهد للبحث في تاريخ العلوم، وحتى لا أطيل في هذه النقطة، يمكن القول بأن هذا الاهتمام ناتج عن سببين: الأول بيداغوجي وهو أن تاريخ العلم يبين لطالب العلم أن ما وصل إليه العلم اليوم قابل للتجاوز، حيث أن العلم يبنى لبنة لبنة، وكذلك لسبب وطني وهو أن تاريخ العلوم بالنسبة لكل بلد هو وسيلة لإبراز عبقرية الشعوب، فترى الإيطالي مثلا يقف كثيرا في دراسته للثورة العلمية للقرن 17م عند الفيزياء لأن رائدها هو جاليليو غاليلي (على مستوى الفيزياء)، كما أن الفرنسي يقف كثيرا عند مساهمة ديكارت في ميلاد الرياضيات الحديثة، وهكذا…إلخ، وهو ما يحفز أبناء البلد ليكونوا في مستوى الأجداد. على المستوى العربي، هناك بطبيعة الحال المجهودات الفردية لبعض الباحثين حيث لم ترق إلى مستوى العمل الجامعي المنظم. أما الآفاق التي يمكن أن يفتحها هذا المجال، فبالإضافة إلى قيمته البيداغوجية والوطنية كما ذكرت أعلاه، بالنسبة لجميع البلدان، نجد قيمته الثقافية بالنسبة لنا نحن كمغاربة، وذلك لإعادة التوازن بين المجالات العقلية والمجالات النقلية. سأقول شيئا قد يبدو غريبا اليوم، ولكنه كان حقيقيا بالنسبة لأجدادنا، وهو أنه في الفترة ما بين النصف الثاني من القرن 13م أي منذ عهد ابن البنا المراكشي إلى حدود بداية القرن 16م أي إلى حين وفاة ابن غازي المكناسي سنة 1513م، ما كان يكتبه المغاربة في مجالين من المجالات العقلية اللذين هما الرياضيات والفلك كان يفوق ما كتبوه في المجالات الأخرى من مجالات الفكر الإسلامي سواء النقلية منها أو العقلية. ذلك التوازن الدقيق بين النقل والعقل والذي يجسد قوة الإسلام والحضارة الإسلامية يجب أن يعود إلى سابق عهده، فأعلى درجات البيان في القرآن الكريم هو البيان العقلي، وتاريخ العلوم كفيل في نظري بإعادة هذا التوازن إلى فكرنا الإسلامي.

– نلاحظ في مجموعة من الدراسات الغربية المهتمة بتاريخ العلوم تفشي مقولة يتم الترويج لها بقوة في معظم هذه الكتابات، وهي مقولة “العلم الغربي” أو “غربية العلم”، أي أن العلم عبارة عن إنتاج غربي محض، نشأ عبر حركة ثورية منفصلة عن التراكمات السابقة. ما مدى مصداقية ودقة أفكار كهذه في ظل الدراسات المهمة التي أُنجزت حول تاريخ العلوم العربية؟

حتى نكون أكثر دقة أفضل كثيرا عبارة العلم في المرحلة العربية الإسلامية من تاريخ العلوم، تمييزا لها عن المراحل الأخرى، وأعني بها المرحلة التي كانت تكتب فيها العلوم باللغة العربية عندما كانت لغة عالمية للعلم، كما هو الشأن بالنسبة للغة الانجليزية اليوم، ولعلكم من خلال هذا القول تستشفون جوابي عن سؤالكم، فمقولات ” كالعلم الغربي” أو “الفلسفة الغربية” هي مقولات ذات حمولة إيديولوجية سافرة، ناتجة عن أكبر عملية سطو تعرضت لها البشرية وهي نسب العلوم العقلية وكل ما هو فكر عقلي إلى مجموعة بشرية واحدة هي المجموعة الأوربية. بطبيعة الحال مقولة “العلم الغربي” خاطئة، ولكن حتى تمحي بشكل نهائي من قاموسنا يجب أن تكون هناك حركة نشطة لنشر النصوص العلمية المكتوبة باللغة العربية، وهو من المهام التي يجب أن يضعها مركز ابن البنا المراكشي على عاتقه، كما أن هناك مهمة ملحة مفروضة على الباحثين في هذا المجال وهو التحديد على المستوى الثقافي للعلاقة بين الدين الإسلامي الحنيف والعلم، لقد استطاعت اليهودية منذ تأليف موسى بن ميمون لدلالة الحائرين في القرن 12م دمج البعد العلمي في جسم الثقافة اليهودية نفسها، وهو نفسه ما قامت به المسيحية قرونا قبل ذلك، وذلك بالربط بين المسيحية والعلم الأرسطي، بينما في الإسلام هو موضوع لم نتناوله بقدر كبير من الجدية، وحينما يتم ذلك سيكون فيه الخير العميم بالنسبة لنا وبالنسبة للعالم أجمع.

1 2 3الصفحة التالية
Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تحية حب ومودة صادقة ﻷستاذنا العزيز "محمد أبلاغ". صراحة ما يعجبني في هذا اﻷستاذ هو اعتزازه بالفكر المغربي والعربي، وعدم النظر إليه كمجرد نقل أو ترجمة، كما يرى الكثير من الدارسين… إلى جانب أن هذا اﻷستاذ يعمق أبحاثه ودراساته في مجال العلوم والفلسفة في المغرب والوطن العربي، أعماله التي تشكل زخما كبيرا، وإطراءا للمكتبات العربية والمغربية… دامت لك الصحةة والعافية أستاذنا الغالي والمتواضع.

  2. بوركتم أستاذي محمد أبلاغ، وفقكم الله في ما تقومون به أعمال نبيلة خدمة لقضايا الأمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق