مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

تأصيل الكرامة -2-

 

       يقول الامام الشاطبي رحمه الله: 

         “والسادس عشر: مناجاة الملائكة، ففي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر، وقد روي في بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه كان يكلمه الملك ، كعمران بن الحصين، ونقل عن الأولياء من هذا.
          والسابع عشر: العفو قبل السؤال، قال تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، وفي الأمة: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم).
          والثامن عشر: رفع الذكر، قال تعالى: (ورفعنا لك ذكرك)، وذكر أن معناه قرن اسمه باسمه في عقد الإيمان وفي كلمة الأذان، فصار ذكره عليه الصلاة والسلام مرفوعا منوها به، وقد جاء من ذكر الأمة ومدحهم والثناء عليهم في القرآن وفي الكتب السالفة كثير. وجاء في بعض الأحاديث عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: “اللهم اجعلني من أمة أحمد”، لما وجد في التوراة من الإشادة بذكرهم والثناء عليهم.
           والتاسع عشر: أن معاداتهم معاداة لله، وموالاتهم موالاة لله، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله)، وفي الحديث: “من آذاني فقد آذى الله “، وفي الحديث: “من آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة”، وقال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ومفهومه من لم يطع الرسول لم يطع الله.
          وتمام العشرين: الاجتباء فقال تعالى في الأنبياء عليهم السلام (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم)، وفي الأمة (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) ، وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام مصطفى من الخلق. وقال في الأمة (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا).
          والحادي والعشرون: التسليم من الله، ففي أحاديث إقراء السلام من الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) وقال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام في خديجة: “اقرأ عليها السلام من ربها ومني”.
         والثاني والعشرون: التثبيت عند توقع التفلت البشري، قال تعالى: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) وفى الأمة (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)
          والثالث والعشرون: العطاء من غير منة، قال تعالى: (وإن لك لأجرا غير ممنون ) وقال في الأمة ( فلهم أجر غير ممنون) .
          والرابع والعشرون: تيسير القرآن عليهم، قال تعالى (إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) قال ابن عباس: علينا أن نجمعه في صدرك ، (ثم إن علينا بيانه) علينا أن نبينه على لسانك وفي الأمة (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر) .
        والخامس والعشرون: جعل السلام عليهم مشروعا في الصلاة . إذ يقال في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
           والسادس والعشرون: أنه سمى نبيه عليه السلام بجملة من أسمائه كالرؤوف الرحيم ، وللأمة: نحو المؤمن والخبير والعليم والحكيم.
          والسابع والعشرون: أمر الله تعالى بالطاعة لهم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وهم الأمراء والعلماء، وفي الحديث: “من أطاع أميري فقد أطاعني” وقال: “من يطع الرسول فقد أطاع الله “.
          والثامن والعشرون الخطاب الوارد مورد الشفقة والحنان كقوله تعالى (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به) (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وفي الأمة (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) الآية (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما).
         والتاسع والعشرون: العصمة من الضلال بعد الهدى، وغير ذلك من وجوه الحفظ العامة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله تعالى من ذلك كله وجاء فى الأمة : “لا تجتمع أمتى على ضلالة ” وجاء “احفظ الله يحفظك” وفى القرآن: (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) تفسيره في قوله:
“لا تجتمع أمتى على ضلالة” وفي قوله: “وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها”.

        وتمام الثلاثين: إمامة الأنبياء، ففى حديث الإسراء أنه عليه الصلاة والسلام أمَّ بالأنبياء قال:
“وقد رأيُتنى فى جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة فأممتهم”، وفى حديث نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض فى آخر الزمان: “إن إمام هذه الأمة منها، وأنه يصلي مؤتما بإمامها” ومن تتبع الشريعة وجد من هذا كثيرا يدل على أن أمته تقتبس منه خيرات وبركات، وترث أوصافا وأحوالا موهوبة من الله تعالى ومكتسبة، والحمد لله على ذلك”.

 

الموافقات في أصول الشريعة

 للإمام أبي اسحاق الشاطبي المالكي (ت 790).

2/194
تحقيق فضيلة الشيخ عبد الله دراز
دار الكتب العلمية

بيروت.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق