مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

المذهب الأشعري بالمغرب التاريخ والأصول 5

 

الدكتور عبد الله معصر

رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك

 

 

العقيدة الأشعرية بالمغرب: (النشأة والتطور والرواد)                                    

إن التأريخ لدخول العقيدة الأشعرية إلى المغرب،والتعريف بمدرستها وأعلامها،وتحديد بداية هذا الدخول يحتاج إلى جهود الباحثين والدارسين،وذلك من أجل تحديد معالمه،والوقوف على خصائصه.

وتكاد آراء الباحثين تجمع على أن دخول مبادئ العقيدة الأشعرية إلى الغرب الإسلامي كان في أواخر القرن الرابع الهجري،وتشير بعض النصوص أن من أوائل من حملوا العقيدة الأشعرية إلى المغرب أبو ميمونة دراس ابن إسماعيل الفاسي[1] [ت 357هـ] الذي حدث بالقيروان وأقرأ بها وعلم أبنائها طرق المناظرة بالمنهج الأشعري،إلا أن هذه الإشارات لا تكفي للحديث عن مدرسة عقائدية أشعرية متكاملة ،لأن انتشارها كان محدودا،ولأن أصحابها اكتفوا بنقل بعض الآراء الكلامية الأشعرية التي أخذت عن الإمام الأشعري،أو عن تلاميذه،ولذلك كانت جهودهم محدودة بسبب خلو الساحة الكلامية المغربية من الاضطرابات العقائدية التي تؤدي إلى مناقشة القضايا الكلامية،وبسبب تشبت المغاربة بالمذهب المالكي والذي تسانده الدولة المرابطية[2].يقول الناصري في كتابه الاستقصا:( وأما حال المغاربة في الأصول والاعتقادات،فبعد أن طهرها الله تعالى من نزعة الخارجية أولا،والرافضة ثانيا،أقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة،مقلدين للجمهور من السلف،في الإيمان بالمتشابه،وعدم التعرض له بالتأويل ،مع التنزيه عن  الظاهر،واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر ابن تومرت ،في صدر المائة السادسة،فرحل إلى المشرق،وأخذ عن علمائه ،مذهب أبي الحسن الأشعري الذي يقول بتأويل المتشابه من الكتاب والسنة)[3]

وهذا النص يبين أن ابن تومرت كان له – ولخلفائه من بعده- دور كبير في ترسيخ العقيدة الأشعرية كمذهب رسمي بالمغرب في القرن السادس.

ولقد لعبت الرحلة في طلب العلم دورا حاسما في تلقي علماء المغرب المذهب الأشعري إلى جانب الفقه والسلوك والحديث،خصوصا مع ظهور أعلام كبار أمثال الباقلاني الذي كانت له الريادة في الفقه المالكي وأصوله، وعلم الكلام على طريقة الأشاعرة،فقد كان المغاربة يقصدونه لمالكيته،فيأخذون عنه الفقه والأصول،كما يأخذون عنه العقيدة الأشعرية.

إلا أن الروايات تشير إلى مجموعة من الرواد الأوائل الذين قاموا بنشر العقيدة الأشعرية في صفوف النخبة العالمة،وتضم مجموعة من الفقهاء والمتكلمين،حيث شهدت هذه المرحلة تفتحا واسعا على المذهب الأشعري،وانتشارا كبيرا لأهم مؤلفاته،في أوساط المغاربة،رغم مضايقة المرابطين وفقهائهم[4].يقول عبد الواحد المراكشي في المعجب:( ولم يكن يقرب من أمير المسلمين- علي بن يوسف بن تاشفين- ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع  أعني فروع مذهب مالك،فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب،وعمل بمقتضاها،ونبذ ما سواها،وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فلم يكن أحد من مشاهير أهل الزمان يعتني بهما كل الاعتناء،ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في علوم الكلام،وقرر الفقهاء عند أمير المؤمنين تقبيح علم الكلام،وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه،وأنه بدعة في الدين،وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد في أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله،فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه،وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه،ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي – رحمه الله المغرب أمر المسلمين بإحراقها)[5] ،وهذا يدل على أن المذهب الأشعري كان مذهب النخبة العالمة،وأن انتشاره كان محدودا بين هؤلاء،ولن يعرف انتشارا موسعا إلا مع الدولة الموحدية.

 

 


  جذوة الإقتباس  ص194/195[1]

  عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية:علال البختي  ص10- مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب إلى القرن العاشر:إبراهيم حركات ص 376.[2]

 الإستقصا :للناصري ج1 ص140[3]

 نفس المرجع ص11[4]

 2 المعجب عبدالواحد المراكشي ص102.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق