مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

القياس ومكانته الاستدلالية4

 

د/مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

ب-التفريق: حيث يتم منع استدلال الخصم عن طريق تطريق الاحتمال إلى ألفاظ الدليل من خلال نسبة الاشتراك إليها، وهذا ما فعله ابن حزم بالفعل عبر الوارد في الآية على صيغة المضارع “إن كنتم للرؤيا تعبرون[1]  ، فلا دلالة فيه البتة على القياس، لأنه ” من الأسماء المشتركة التي هي مثل “ضرب” من ضراب الجمل و هو سفادة الناقة، و “ضرب” بمعنى الإيلام بإيقاع جسم على جسم المضروب بشدة و “الضرب” العسل، وهكذا عبرت الرؤيا، فسرتها، وعبرت النهـر أي تجاوزته، فهذان معنيان مختلفان ليس أحدهما من الآخر في ورد ولا صدر، ومصدر عبرت النهر إنما هو “العبور” ومصدر عبرت الرؤيا إنما هو “العبارة”، ومصدر اعتبرت في الشيء إذا فكرت فيه “الاعتبار” (…) فإذا قلنا : إن معنى عبرت النهر إنما هو  تجاوزته، ومعنى عبرت الرؤيا إنما هو فسرتها، فقد وضح أن هذا غير هذا، ولو أن المعبر للرؤيا تجاوزها لما كان مبينا لها، بل كان يكون تاركا لها، آخذا في غيرها، كما فعل عابر النهر إذا تجاوزه إلى البر، والاعتبار أيضا معنى ثالث غير هذين بلا شك، فخلط هؤلاء القوم وأتوا بالسفسطة المجردة…”[2]

ج-اعتبار الأحاديث التي وردت فيها أقيسة للرسول صلى الله عليه وسلم غير دالة على القياس ولا على تعليم القياس، واعتبار أحكامها ثابتة من طريق النصوص الجلية ولا مدخل للقياس فيها أصلا[3]  .

د-منع الاستدلال بالأحاديث الدالة على عموم طلب الاجتهاد والرأي وذلك إما:

-بالطعن في السند ومعارضة المتن كما هو الحال بالنسبة إلى حديث معاذ المشهور، فقد اعتبره ابن حزم “ظاهر الكذب والوضع”[4] و”لا يحل الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنه لم يرو قط إلا من طريق الحارث بن  عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو”[5] ؛ ولأن فيه إطلاق الحكم في الدين بالرأي، وهذا مناف لكمال الشريعة وبيانها التام والشامل[6].

-أو بيان أن “الرأي غير القياس، لأن الرأي إنما هو الحكم بالأصلح والأحوط والأسلم في العاقبة، والقياس هو الحكم بشيء لا نص فيه بمثل الحكم في شيء منصوص عليه، وسواء كان أحوط أو لم يكن، كان أصلح أو لم يكن، كان أسلم أو أقتل، استحسنه القائل له أو استشنعه”[7].

– أو إعطاء الاجتهاد مدلولا خاصا يباين به مدلولي القياس والرأي، يقول ابن حزم: “والاجتهاد ليس قياسا ولا رأيا، وإنما الاجتهاد إجهاد النفس واستفراغ الوسع في طلب حكم النازلة في القرآن والسنة، فمن طلب القرآن وتقَرَّأ آياته، وطلب في السنن، وتقرأ الأحاديث في طلب ما نزل به فقد اجتهد، فإن وجدها منصوصة فقد أصاب فله أجران:  أجر الطلب وأجر الإصابة، وإن طلبها في القرآن والسنة فلم يفهم موضعها منهما ولا وفق عليه، وفاتت إدراكه، فقد اجتهد فأخطأ فله أجر…”[8].

الهوامش: 

 


[1] – يوسف، الآية 43

[2] – الإحكام، 7/79.

[3] – الإحكام، 7/79.

[4] – الإحكام ، 7/112.

[5] – نفسه، 6/35.

[6] – نفسه، 7/112.

[7] – نفسه، 7/113.

[8] – نفسه، 7/114

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق