مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

القياس ومكانته الاستدلالية 16

 

د/مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن اسماعيل

3-أدلة الباجي على مشروعية القياس:

استند الباجي إلى جملة من الأدلة سواء من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وهو في تدليلاته ما فتئ يورد الاعتراضات الممكنة عليها، ويقوم بدفعها حتى تكون حججه أدلة محكمة ومكينة، ومجمل هذه الأدلة كالتالي:

أ-آية الاعتبار وهي قوله تعالى : “فاعتبروا يا أولي الأبصار”، “والاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره، وإجراء حكمه عليه ومساواته به، وقد روي عن ثعلب أنه فسر قوله تعالى: “فاعتبروا يا أولي الأبصار” بأن المراد به القياس، وأن الاعتبار هو القياس، وهو ممن يعول على قوله في اللغة والنقل عن العرب، وإنما سمي الإتعاط والفكر والرؤية اعتبارا، لأنه مقصود به التسوية بين الأمر وبين مثله، والحكم في أحد المثلين بحكم الآخر، وبهذا يحصل الانزجار والاتعاط إذا علم نزول العذاب على مثل ذلك الذنب خافوا عند مواقعته من نزول العذاب، فكأنه قال في هذه الآية: اعلموا أنكم إذا صرتم إلى الخلاف والشقاق، صارت حالكم حال بني النضير، واستحققتم من العذاب مثل الذي استحقوه، إلا أن اللفظ ورد عاما في الاعتبار، فوجب حمله على عمومه في الأمر بكل اعتبار إلا ما خصه الدليل، وإن كان السبب الذي ورد فيه من الإخبار عن بني النضير خاصا”[1].

 وتعتبر هذه الآية الدليل المحوري عند الباجي –والجمهور كذلك- ووفاء منه لمنطق المناظرة، فقد استوقفته مجموعة من الاعتراضات المحتملة  أقواها في نظره ذلك الاعتراض الذي لا يرى “معنى الاعتبار إلا الفكر والرؤية، وليس هو في معنى حمل الأرز على البر في شيء”[2]، وتأتي إجابة الباجي مقررة “أن أصل الاعتبار ما ذكرناه، وإنما سمي التفكر والرؤية اعتبارا، لأنه لابد أن يطلب به علما ما، والوصول إلى معرفة حكم من الأحكام الدينية والدنيوية، وذلك لا يحصل إلا على الوجه الذي ذكرناه، ولذلك قال تعالى: “وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون”[3]، ولو لم تعد الفكرة والرؤية في النصوص والعلوم الضرورية، علم ما لم ينص على حكمه اعتبارا بما نص على حكمه، وما نحن مضطرون إليه لسقطت الفكرة والرؤية، ولم يكن في استعمالها وجه مقصود، فثبت بذلك أن أصل الاعتبار إنما هو مأخوذ من مقايسة أحد الشيئين بالآخر، والحكم له بمثل حكمه”[4].

 ويتأيد حمل الاعتبار على معنى المقايسة ب”قول زيد بن ثابت في مناظرته عمر في الجد والإخوة: ضربت له الأمثال، وجعلت أعتبره، ويأبى أن يمثل، ومنه سمي المكيال والمثال مقياسا، للاعتبار بهما، ويقولون: عبرت الدراهم إذا قابلتها بقدر من الأوزان، وعبرت الرؤيا حكمت لها بحكم مثلها، وعبرت عن كلام فلان إذا أتيت من الألفاظ بما يماثل معنى قوله ويشاكله، وهذا أكثر من أن يحصى وأشهر من أن يخفى”[5].

الهوامش: 

 


[1] – إحكام الفصول، ص 477-478.

[2] – إحكام الفصول، ص 486-487.

[3] – العنكبوت، الآية 43.

[4] – إحكام الفصول، ص 487.

[5] – نفسه، ص 487-488.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق