مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

القـرويين” في أعين الشعراء

 

         “لم تزل مدينة فاس كلأها الله تعالى من حين أسست دار فقه وعلم[1] وصلاح ودين، وهي قاعدة بلاد المغرب وقطرها ومركزها و قطبها”[2]، وهي  “حاضرة المغرب، وموضع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة، عندما كانت قرطبة حاضرة الأندلس، والقيروان حاضرة المغرب”[3].

           و”القرويين”، تلك المعلمة التاريخية الشامخة التي شرفت بها مدينة فاس، وشرف بها سكانها ليس فقط كجامع لأداء الصلوات، بل كجامعة فـَتحت حِصنها لكل طالب نهِم شغوف بالطلب والتحصيل لمختلف العلوم، ولكل مريد للارتقاء في مقامات المعرفة والمحبة الإلهية، حظيت باهتمام الشعراء وكثرت القصائد التي جادت بها قرائحهم: يقول الشاعر امحمد الإدريسي:

 أنا القـرويـيـن الـخالـدات عـقـودي            بجـيد المعالي، مد أهـلّ وُجـودي

وقد فاض نجمي في السماء فأقبلت          تبـايـعـني أجــرام كـل صـعـيـــــد

وتـسـأل نوري والــظـلال كثيــفــة          فـأمنــح وسمي في رقاع الخــلـود

وأسكب روقي من معيني، تمـيـمـة         ومنبع وردي من زلال الـرعــــود

وأفـتح حصني، إذا أجزت رتـاجـه          لكل مـشـوق في قـطـاف ورودي[4]

لقد خص سيدي أحمد بن شقرون جامع القرويين بقصائد شعرية وصف من خلالها القرويين في أدق تفاصيلها، من خلال “أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون” بسطور ذهبية، ومقاطع عبقرية في عطاء القرويين وأبناء القرويين في ميادين العلم والعمل والدعوة إلى الله”[5]، لذلك سيتحدث عنه في غالب تفاصيله، “وسيقف عند مئذنته، ومحرابه وأبوابه، وخزانته العلمية، يستحضر ما لذلك من مجد عظيم عبر القرون وخلال الأجيال، كما سيطلع على ما كان لعلماء القرويين من هيام بنشر العلم بين أبهاء هذا الجامع الشهير ليل نهار، وسيعرف علماء القرويين مذهب الإمام مالك في الفقه، ومذهب الإمام الأشعري في العقيدة، والإمام ورش في تلاوة القرآن الكريم، كما سيعرف ما اشتهر به الجامع من عمق وشمول في فهم الشريعة الإسلامية من بين أبيات الأرجوزة، وسيعرف ما للملكة العلمية من شفافية وقوة في عقول القابضين على زمامها، كما سيطلع على مدارس سكنى الطلبة التي تحيط بالجامع في غالب الأحيان، ويسكنون في بيوتها وكلما حل فصل الربيع، حلت معه نزهة سلطان الطلبة، ذات المغزى البعيد”[6]، وقد استهل هذه الأرجوزة بقوله:

وجامع مـنـذ زمان سالـف          فـهـرية بنتـه للمـعارف

فظل منذ الألـف بل ونيـف          وزيد قـرن بعـد ذاك النيف

مشتغلا بالدرس والتصـوف          متزيا بالـعـلم والـتعـرف

والحلقات في الصباح  والمسا           معقـودة لبحر عـلم درسـا

وبين مغرب ومن قبل عـشا          يزيح عالم عن الفكر الـعشا

وقبل فـجر وطلوع  شـمس          يجود عـالـم لـنا بـدرس

وربمـا اسـتـمـر للـزوال        بعـون مولانا على الـمقال

  كما أن علماء هذه المعلمة باعتبارهم جزءا من ذلك الوسط المعرفي وصفوا بالموسوعية؛ لإلمامهم بالعديد من العلوم على اختلاف أصنافها ومراتبها، كما كانوا محط اهتمام شعراء معاصرين، يقول سيدي أحمد بنشقرون:

وكـل عـالـم يـجـود أبدا          بعـلمـه لـمن يهيم  بالهـدى

ومـن يـرد حكـما فبيت الله            مـقـصده من غـير اشتباه

يعـلمـون النـاس بالسـلوك           وبالمقال الزاخـر المسبـوك

وخـشيـة الله لهـم ذريعـة            إلى الذي يملون من شريعـة

بثوا العـلوم في صدور الناس           ونبهوا بالـدرس كـل نـاس

وفي إشارة للعلوم التي كانت تدرس في القرويين يقول:

والعـلماء ورثـوا الأنبيا            فبلغـوا المـقـال سرمديا

بجامع جـمع كل خـيـر           ليل نهار زاخر كالـبحـر

فبعضهم مـفسر مشهـور         وبعضهم مـحدث مشكـور

وبعضهم مهندس مفـيـد          والفـرضي بينهم عـميـد

وسيرة النبي في المـقـام           لها الـتربع على الـسنام

وفـقـه مالك هو المعتمـد          وكلهم فيه فـقـيه مرشـد[7]

           فعلماء القرويين كانوا أعلام و فرسان ميادين معرفية عدة، فهم لم يتوانوا عن البذل و العطاء، تدريسا، و تعليما، و تأليفا، يقول سيدي محمد بن شقرون مرة أخرى:

يبــــدأ فـيــــهـا عـالــم جـديــد             حـيـن يـفـيـــد هــو يـسـتـفـيـــد

وبـعـدهـا فـي الـجـامع العـرين             يملي الذي استـفـاد مـن فـنـون

وإنـمـا يــفــعــل ذا تـهــيــــبـــا             من سـادة بـعـلـمـهــم تـأدبـــــا

فـبـاشَـر التعلـيـم خارج الحـمى            حـــتّى تـمـرسَّ بمـا تَـفَــّهَــمَـــا

وعـنـــدهـا أدلى بـدلـو الــعالـم             المتمــكن  الـقــوي الــفــاهــــم

 فـنـال مـا  يـرجـو مـن التـقـدير            وحاز ما يكـفـي مـن التــصديـر

فـي جامع خـصـص للـتـعـلـيـم             وللـعــبــــــادة مـن الـــــقــديـــم

والعلم في الجامع عمق وشمول            وفـيهـا الـمِـدْرَهُ دائـــمًـا يَـجُـول[8]

  لم يغفل سيدي أحمد بن شقرون وصف بعض المناسبات التي كان طلبة القرويين يحرصون على إحيائها أو تنظيمها من أبرزها عادة سلطان الطلبة التي “دأب المغرب على الاحتفاظ بها عدة قرون إلى هذا التاريخ المبكر إن لم تكن هي بذاتها (…) لقد دأبت الدولة في المغرب على أن تشجع اختيار الطلبة لأحد زملائهم ينصبونه سلطانا عليهم في فصل الربيع لمدة تقارب نصف الشهر، يقضونها خارج مدينة فاس على “وادي الجواهر” تحت الخيام، ولما كان معروفا عن الموحدين أن مملكتهم “مملكة الطلبة”، فقد أثار ذلك الانتباه إلى أن جذور هذه العادة ربما يرجع إلى القرن السادس الهجري، حيث كان للدولة الموحدية تقاليد وعادات تمس تنظيم الطلبة… طلبة الحضر، وطلبة الموحدين، والطلبة الأمراء، ولكل صنف من الثلاثة رئيس يسمى”[9]السلطان” ينتخب كل عام مرة”[10]، يقول سيدي أحمد بنشقرون:

للعلم عيد في الربيع النامـي             خـــص بــه الـجــــامـع فــي الأنـام

سنة مولاي الرشــيـد مغـنما             يـزهـى بـطـلاب وعـلـم الـعـــلــمــا

سلطـــــان طــلاب يلوح فـيه             مــتـــــوجــا وبــــادي الـتـــرفــــه

ويستحــق ذلك مـن تفــوقــا              وكـان فـي الـعـلـوم فـذّا مـشـرقـــا

فيدرك التتويــج فـي الربـيـع             لـفـتـرة مــن طـرف الـجـــــــمـيـع

يقــيم سلـطـانا على الـطـلاب             مـتـوجــا بـثـقــــــــة الأصـحـــاب

ويخـــرج الـمــوكـب للعــراء             فــــي نـــزهــة تــــرف بالــــرواء

على ضفاف خضرة الجواهـر             في أرض فاس مـلـتـقى الجواهــر

وقبة الســلطــان تمــتاز على             بـقـيـةٍ بـمــا يــزيـــح الـمـلـــــــلا

والـوزراء مـعــهــم قـعــــــود             كــل يــنـــفـــذ ولا يـــــزيـــــد

مـمـتـثـلا لأمـره الـمـطــــــاع              مــســارعـا بـكـل مـســتــطــــاع

ومـن يـحـد عن الأوامر رمي             خـارج قـــــــبـــة بـلا تـــوســــم

   وربمـا قــبـلـت الــــشـفـاعـة             إذا أتــى بـمــا يـفـيـد الـطـاعـــة

وتـسـتـمـر مـدة الـسـلـطـــان              جـيـــاشـــة بـــرائـــع الـبـيـــــان

مـزدانة بالـنـدوات الـعـامــرة              مـمـزوجـة بالـكـلـمـات الـشاعـرة

فـإن تـهـيأ إلـى الــصـــــــلاة              فـي يـوم جــمـــعــــة وللـصـلات

ركب صهوة الحصان المـلكي             ومـر بـيــن الــنـاس فـــي تحـرك

وقـطـع الجهـات و الأســواقـا             مـبـتـسـمـا مـتـقـدا إشـــــراقــا

والناس في الطرق سيل عارم            والجمع بالرونق جـمـع سـالـــــم

ويـرفــع الأكــف بالـدعـــــاء             سـلـطـان طـــلاب لــــكـــل راء

لعـلي بن حـرزهم مـسـيـــــر             فـي عـادة ضـريـحـه مـــــــزور

              وجـرت الـعـادة بالـهــــــدايا             تـسـطـع للنــاس عــلى الـمرايـا

فـمن كباش ونقود وطـحــيــن            من ملك بالعلم بالعلم دائم اليقين

وفـي الـمـسـاء يـقـــف الاثنان            وجـهـا لـوجـــه باديـَـــيْ تـــدان

على جـواديـــن مـطـهـمـيــــن             قـد زيـنـا بخـالــص اللـجــيـــن

ويضيف قائلا:

سـلطان طلاب يفوه ناطـــقا            بخطبة قد جمعت رقائــقا

وربــمـا أثـارت ابتــســامـا            إن وافـقت عاهـلنا الإماما

                                وتنتهـي النزهــة بالهــروب            لـملك الـطـلـبة المرهـوب

                                خشية أن يرجم من طـلاب            بحجـر يحــط كالـعـقـــاب

                            وهـكذا يــمــر عـيــد العـلم            فـي نـزهـة شـيـقـة وفـهـم[11]

   لقد كان كل ركن في جامع القرويين مصدر إلهام للواردين عليه، وأثناء المسامرات التي كانت تجمع أدباءها مع علمائها وشعرائها، يقول العلامة عبد الله كنون: “جلس الأستاذ المِزيَاتي ومعه محمد بن عَبدون، ومالك بن المُرَّحل، ومحمد بن خلـَف، تحت ثريا القرويين الكبرى ليلة السابع والعشرين من رمضان وهي تتوهج نورا فأنشد فيها ارتجالا:

انــظـر إلى ثـرية نـورهـا           يصدع باللالاء سجف الغسق

فقال بن عبدون:

كأنـها فـي شـكـلهـا ربـوة            انـتـظم الـنــور بهـا فاتـَّســق

وقال ابن المرحل:

أعـيذها مـن شـر ما يـتقـى          من فجأةِ العـين بـربِّ الـفلـق

وقال ابن خلف:

باهى بها الإسلام ما أشرقت         كاساتها عند مـغيب الشفـق

          وذكر الثعالبي قال: كنا نقرأ المقامات الحريرية بين العشاءين بعنزة جامع القرويين في زمن الصيف على الأستاذ منديل بن أجروم فجعل يقرر الاستعارة في قوله: (فاصدع بما تومر) فجاءت ريح قوية فضربت المصابيح إلى الجدران فأطرق الأستاذ ثم رفع رأسه فقال:

     ولما ضربنا في بـيـان اسـتـعــارةٍ          مـثالا بـصـدع الــحـق زُجــاج

أرتنا عِيانا صدْعها الرِّيح إذ غدت          تـكـسِّـر الـجـدران كـلَّ سراج”[12]

الهوامش: 

 


[1]– “اللهم اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك وتقام بها حدودك، واجعل أهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها”، انظرالأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، لعلي ابن أبي زرع الفاسي، دار المنصور للطباعة والوراقة بالرباط، 1972. ص 36.

[2]– كتاب تاريخ مدينة فاس المعروف بزهرة الآس في بناء مدينة فاس للجزنائي، تحقيق مديحة الشرقاني، الطبعة الأولى 1422هـ- 2001هـ، مكتبة الثقافة الدينية ص75.

[3]– كتاب تاريخ مدينة فاس المعروف بزهرة الآس في بناء مدينة فاس ص16.

[4] – القرويين تتحدث عن نفسها بين الأمس و اليوم، شعر لامحمد الإدريسي، منبر الرابطة العدد 24، أبريل 2011 .

[5] – عبد الله كنون، مقدمة أرجوزة من زهر الآس ص 14.

[6] – أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون، المقدمة ص6.

[7] – أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون، المقدمة ص6.

[8] – أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون، المقدمة ص6.

[9]  – جامع القرويين للتازي1/135.

[10]– أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين  53.

[11] – النبوغ المغربي في الأدب العربي1/579.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق