مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمفاهيم

التدين ومقام العرفان(7)

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

وباعتبار القصد معنى شعوريا ينبني عليه توجيه الاشتغال التعبدي، فإن هذا التوجيه لا يتحقق إلا باستيفاء الضابطين المقصديين التاليين:

  • تحصيل الصفة الامتثالية:

ومقتضاها أن المتدين باعتباره مكلفا مطلوب بتحري قصد الشارع في إقامة التعبد، بحيث تجري تصرفاته على مقتضى الموافقة الشرعية، وإذ ذاك يتحصل للمتدين تعبد جامع لأوصاف التسديد، وذلك لأن «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مر أنها موضوعة لصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع. ولأن المكلف خلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة -هذا محصول العبادة- فينال بذلك الجزاء في الدنيا والآخرة»([1]). ولأن مقصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء إخراج الإنسان عن دواعي الأهواء، والتحقق بالعبودية الخالصة لله عز وجل، والقاعدة أن «كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق، من غير التفات إلى الأمر والنهي أو التخيير فهو باطل بإطلاق، لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل، فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق، لأنه خلاف الحق بإطلاق، فهذا العمل باطل بإطلاق (…)، وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر أو النهي أو التخيير فهو صحيح وحق؛ لأنه قد أتى به من طريقه الموضوع له، ووافق فيه صاحبه قصد الشارع، فكان كله صوابا، وهو ظاهر»([2]). ولأن في بناء الأعمال على مجرد الأهواء والاسترسال في الشهوات، دون اعتبار الإذن الشرعي ومراعاة مقاصده، مظنة للابتداع الصريح، والحرمان من التوجيه الصحيح، فيكون هذا البناء الفاسد سببا في دخول مفاسد وآفات خلقية على المتدين كالرياء، وقد يتأدى به الأمر إلى التحلل من ربقة التكليف جملة، والانقلاب من التعبد لله تعالى إلى التعبد للطاغوت.([3])

الهوامش:

 


([1]) الموافقات، 2/251.

([2]) الموافقات، 2/132.

([3]) تدبر قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة، 257].

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق