مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمفاهيم

التدين ومقام العرفان(5)

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

يختص الاشتغال التعبدي بالأوصاف التالية:

أ. الموافقة الكونية:

والمقصود بها أن في إقامة المتدين للتعبد تحقيقا لأمر أصلي فطرت عليه سائر المخلوقات والأكوان، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات، الآيات: 56-57-58]. فالإنسان يوافق الموجودات على اختلاف أجناسها ومراتبها في كون الخلق إنما هو لمقصد التعبد لله سبحانه وتعالى، وإقامة التعبد وتحقيقه يختلفان بحسب اختلاف الأوضاع الوجودية والاستعدادات الخلقية لكل مخلوق: ﴿ ألَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَٰفَّٰتٍ  كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور، 41]، مع الاشتراك في المعنى الكلي الأعم، وهو مطلق إقامة التعبد للحق سبحانه خوفا ورجاء ومحبة([1])، ومن شأن الإخلال بنظام التعبد، إِن بإقامته بغير ما أراد المعبود، أو بالتنكر للمعبود رأسا على سبيل الكفر، الإخلالُ بناموس الوجود، والخرق لما وضع عليه العالم من التعبد لله عز وجل. يقول الإمام الشعراني في شأن الصلاة باعتبارها عماد الدين ورأس العبادات: «إن الوجود كله بأجزائه كلها، دائم الصلاة لله تعالى بدوام وجوده، لا ينفك عن الصلاة طرفة عين، فإنه في مقام العبودية لله تعالى في كل وقت ونفس، فمن أدمن النظر رأى الوجود كله ظاهرا وباطنا مصليا: ﴿ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً[الإسراء، 44]، ﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا  قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[الرعد، 16]، فمن ترك الصلاة فقد خالف الخليقة كلها، وأخل بنظام العالم»([2]).

ويقول عن الزكاة: «إن الوجود كله إذا نظرته بعين الاستبصار وجدته متعبدا لله تعالى بالزكاة، كما هو متعبد بجميع شرائع الإسلام، لأن الدين عند الله الإسلام ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران، 82]، وإذا نظرت إلى الأرض التي هي أقرب الأشياء إليك وجدتها تعطي أقرب الخلق إليها، وهم الذين على ظهرها، جميع بركاتها، لا تبخل عليهم بشيء مما عندها في فصول العام كلها. وكذلك النبات يعطي ما عنده تشبها بأصله وهو الأرض في الظاهر، وكذلك جميع أنواع الأشجار، وكذلك الحيوان، وكذلك البحر والسماوات والأفلاك والشمس والقمر والنجوم، والكل متعاون بعضه مع بعض، لا يدخر شيئا من قوته وما عنده في طاعة الله؛ لأن الوجود كله فقير بعض إلى بعض، قد لزمه الفقر، وشملته الفاقة، فعطف بعضه على بعض، وتعاونه في طاعة الله، وإعطاء ما عنده هو زكاته دائما بدوام وجوده. فمانع الزكاة قد خالف أخلاق الرحمن، وأخلاق أهل السماوات والأرض، وجميع المخلوقات والموجودات، وباين الفطرة»([3]).

وقال في شأن الصوم: «إن اعتبار الصوم عام في الموجودات كلها، قد شملها جميعا، فإن الصوم من معانيه، إمساك جميع الموجودات وتقييدها عن الخروج عن وظائفها التي قيدت لها، فإذا نظرت إلى الموجودات كلها وجدت كل واحد منها قد لزم ما قيد به، وأمر به. فترى الثقيل قد أمسك في مقامه لا ينتقل، والخفيف لا يصعد من مقامه، فكل شيء مزموم بزمام الأمر، وممسوك بإمساك الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وذلك صيام كله في حق كل موجود مما يناسب كل موجود: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران، 82]، ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران، 19]، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران، 84]؛ لأنه دين الله الذي افترضه على جميع خليقته، وفطرته التي لن تجد لها تبديلا أو تحويلا. فصوم العالم ضبطه نفسه، وإمساكه ذاته بانحيازه إلى بارئه سبحانه وتعالى، خضوعا لحكم الأمر طوعا أو كرها، والانقباض عن أن يسترقه شيء غير الله تعالى. وهذا إذا نظرته بحقيقة النظر وجدته عاما في جميع جواهر العالم كله، كونا وشرعا، وحالا ومقالا»([4]).

 


([1]) يقول أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي: «وقد علم أن العبادة إنما تنبني على ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة، وكل منها فرد لازم، والجمع بين الثلاثة حكم واجب، فلهذا كان السلف يذمون من تَعَبد = = بواحد منها، وأهمل الآخرين، فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إنما حدثت من التشديد في الخوف، والإعراض عن المحبة والرجاء، وبدع المرجئة نشأت من التعلق بالرجاء وحده، والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول ممن ينسب إلى التعبد، نشأت من إفراد المحبة، والإعراض عن الخوف والرجاء». استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس، ص: 25-26، تحقيق ودراسة مجدي قاسم، الطبعة الأولى، 1990م، دار الصحابة للتراث بطنطا.

([2]) الفتح المبين، ص: 40.

([3]) الفتح المبين، ص: 45-46.

([4]) نفسه، ص: 49.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق