مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

التدليل الشرعي وسؤال الحجاج(6)

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

وإذ وضحت حقيقة مسلك الشاطبي، وبانت أيضا حقيقة موقفهم من “المنطق” و “منهج المنطقيين”، ألا يحق لنا أن نتساءل عن الأسس التي قام عليها موقفه التقويمي القاضي بأنه “لا احتياج  إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية”(25)؟.

إن رد الشاطبي للمنطق اليوناني راجع إلى سبب أصلي يتجلى في كون مبادئه ومقتضياته تخالف أصول ومقتضيات المجال التداولي الشرعي، فالمنطق كما هو معلوم ينتمي إلى منظومة معرفية تباين مقتضيات العلم الشرعي، وهذه المنظومة تتجلى في الفلسفة اليونانية التي بادر الشاطبي إلى اطراحها كلية لانبنائها على أصلين مخالفين للمطلب الشرعي:

أولهما: أن العقل هو أصل كل معرفة ولا شيء سواه.

ثانيهما: أن اليقين مقيد بمقتضى ومعايير العقل المجرد، ولا مدخل لقيم العمل فيه.

فالأصل الأول القاضي باستقلالية العقل وسلطانه في تقرير وإدراك الحقائق مردود، لأن العقل ليس بشارع(26)،  ولا ينظر إلا من وراء الشرع(27). وهنا يقرر الشاطبي المبدأ الشرعي الآتي: “إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا ويتأخر العقل فيكون تابعا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل”(28). وبناء على هذا  المبدأ فكل معرفة تستظهر بالعقل على الشرع فهي رد بل باطلة لإخلالها بهذا المبدأ التداولي الشرعي العام.

الهوامش:

 


(25) الموافقات، 4/251.

(26) نفسه، 1/24.

(27) نفسه، 1/25.

(28) الموافقات، 1/61.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق