مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

التدليل الشرعي وسؤال الحجاج(22)

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

لتخلف الجزئيات عن كلياتها أحوال تتلخص في الصور التالية:

أ-التخلف الاعتيادي:

 ومثاله أن الأصل في تشريع العقوبات هو حصول الازدجار، لكن العادة قاضية بوجود من لا يرتدع بالعقوبة، فهذا التخلف لا تأثير له في اعتبار الكلي الأصلي.

ب-التخلف الذي يقصد به الحفاظ على نفس الكلي:

فالحفاظ على النفس أصل كلي من الكليات الضرورية، والقصاص شرع للحفاظ على هذا الأصل، لكن يتضمن إتلاف النفس، وبتحقيق النظر يتبين أن ذلك إنما هو من أجل المحافظة على الكلي نفسه لما فيه من صيانة حياة  الأنفس. يقول الشاطبي: “إن حفظ النفوس مشروع –وهذا كلي مقطوع بقصد الشارع إليه- ثم شرع القصاص حفظا للنفوس، فقتل النفس في القصاص محافظة عليها بالقصد، ويلزم من ذلك تخلف جزئي من جزئيات الكلي المحافظ عليه، وهو إتلاف هذه النفس، لعارض عرض وهو الجناية على النفس، فإهمال هذا الجزئي في كليه من جهة المحافظة على جزئي في كليه أيضا، وهو النفس المجني عليها، فصار عين اعتبار الجزئي في كليه هو عين إهمال الجزئي، لكن في المحافظة على كليه من وجهين”(89).

ج-التخلف الذي يكون من أجل الحفاظ على كلي أعظم:

والمثال الموضح له: جواز قتل المسلم الذي تترس به الكفار في الحرب حتى تؤمن غائلتهم ويحفظ الدين، فتجويز قتل المسلم يعارض كلي حفظ النفس، ولكنه يؤول إلى حفظ كلي أعظم منه وهو الدين(90).

د-التخلف الذي يكون لحكم شرعية:

وعلى هذا الأصل يستقيم النظر في سائر المستثنيات والرخص الشرعية، فالعزائم هي في الأصل تجري مجرى الكليات لكونها “لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض ولا ببعض الأحوال دون بعض”(91). بينما الرخصة تنزل منزلة الجزئي المستثنى من كلي العزيمة، لأن حاصلها ما شرع لعذر شاق استثناه من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة”(92). وهذا كالقصر والفطر بالنسبة إلى الصلاة والصوم.

والحاصل من هذه القاعدة الاستدلالية أنه من الضروري اعتبار التلازم الوظيفي بين الكليات والجزئيات عند تحقيق النظر والاجتهاد، فلا ينظر في الكليات إلا على مقتضى التخصيص والتشخيص، لأن الجزئيات هي مجلى تحقق العلم بالكليات، ولا ينظر في الجزئيات إلا على مقتضى التعميم والتجريد، لأن الكليات تقوم مقام القانون المستفاد من آحاد الجزئيات والحاكم عليها. وعلى هذا لا يصح للناظر “إهمال النظر في هذه الأطراف، فإن فيها جملة الفقه، ومن عدم الالتفات إليها أخطأ من أخطأ. وحقيقته نظر مطلق في مقاصد الشارع وأن تتبع نصوصه مطلقة ومقيدة أمر واجب، فبذلك يصح تنزيل المسائل على مقتضى قواعد الشريعة، ويحصل منها صور صحيحة الاعتبار”(93).

 

الهوامش: 

 


(89) الموافقات ، 2/49.

(90) انظر شرح تنقيح الفصول، ص 446.

(91) الموافقات، 1/223.

(92) نفسه، 1/224.

(93) نفسه، 3/11.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق